الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحور دعوة الله عباده للتفكر في خلق السماوات والأرض كما ورد في آيات عديدة، مبيناً أن هذا التفكر سبيل لمعرفة التوحيد وعظمة الله ورحمته. ويؤكد أن الله أثنى على أولي الألباب الذين يعتبرون بآيات الخلق الكونية.
يوضح المقطع أن التفكر في مخلوقات السماوات والأرض من أعظم أسباب زيادة الإيمان، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ على استحالة وجود المخلوقات دون خالق. ويقرر أن عظمة المخلوقات وإحكامها دليل قاطع على عظمة خالقها وصفاته الكمال.
يبين المحور أن خلق السماوات والأرض وما فيهما من هواء وماء ومناخ مناسب يمثل دليلاً على كمال قدرة الله وواسع علمه وسلطانه. ويستشهد بآيات قرآنية تدل على حفظ الماء في الأرض وتيسير سبل العيش للإنسان.
يشرح المقطع كيف جعل الله الأرض صلبة لتمسك الماء، وخلق فيها أراضٍ خصبة تنبت الزرع الضروري لحياة الإنسان واستمراره. ويؤكد أن هذه النعم الكونية مهيأة بحكمة إلهية لإقامة حياة العباد عليها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد، فهذا في القاعدة فيها التفكر في خلق السماوات والأرض. فالمؤلف رحمه الله تعالى صاحب تدبر وتفكر في كتاب الله، فأراد بهذه القاعدة أن نستدل بهذا الخلق العظيم خلق السماوات والأرض على أعظم المطالب، ومن أعظمها التوحيد، ثم ما يتبع ذلك من معرفة جلال وعظمة الله ورحمة الله وإحسان الله على العباد بما جعل في هذه المخلوقات من المنافع والمصالح، كما نبه في هذه القاعدة. فقوله: قد دعا الله عباده إلى التفكر في هذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها، وأخبر أن فيها آيات وعبرة. هذا يشير إلى مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]. ففي هاتين الآيتين: أولاً إخبار من الله عز وجل بما في السماوات والأرض من آيات وعبرة. هذا أولاً في الآية الأولى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. وفي الآية الثانية: ﴿ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، فيه دعوة إلى التفكر في هذه المخلوقات، وأن التفكر في مخلوقات الله من أعظم أسباب زيادة الإيمان، لأن بهذا التفكر يصل العبد إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى. ولذلك قال هنا: فينبغي لنا أن نسلك الطريق المنتج للمطلوب بأسر ما يكون وأوضح ما يكون، بمعنى أننا نتفكر ونستخرج العلوم، وكذلك نستخرج ما فيها من تعظيم الله عز وجل، ومن إحكام خلقه، وواسع علمه، ونحو ذلك. فإذا تفكرنا في هذا الكون تفكراً في عظمته وسعة خلقه ونحو ذلك، أورث هذا التفكر الإيمان في القلب، وأن هذا الإحكام وهذا الإتقان ما وجد عبثاً من غير خالق. وفي قوله هنا: عرفنا أنه لم يوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه، هو يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]، ﴿ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الطور: 36]. إذن من الذي خلقهم؟ وهم كانوا قبل ذلك في العدم، خلقهم الذي ليس قبله شيء، فالله عز وجل هو الذي ليس قبله شيء وليس بعده شيء سبحانه وتعالى، فهو الأول وهو الآخر سبحانه وتعالى. وأيضاً مما يورثه التفكر في السماوات والأرض: أن هذه السماوات والأرض بعظمتها وقوتها وارتفاعها تدل على ماذا؟ تدل على عظمة خالقها. فهذا الخلق ما خلقه إلا كامل القدرة، من يقدر على خلق هذه المخلوقات العظيمة إلا كامل القدرة وعظيم السلطان؟ فالذي خلقها هو سلطانها وهو مدبرها. هذا أيضاً مما يورثه التفكر في هذه السماوات. وأيضاً يدل على واسع علمه، وأن هذا الخلق يناسب حياة الإنسان على الأرض. انظر إلى طبيعة الهواء، ما جعل هذه السماوات والأرض سبباً لضيق تنفس الإنسان، ليعلم أنه يناسب الإنسان. هذه الخلقة ما جعل في هذه الأرض برودة زائدة تقتل الإنسان، أو حرارة زائدة تقتل الإنسان. الآن كما يقال: لو هناك خبراء ومهندسون يريدون أن يصمموا بناءً ما، لا بد يصممونه على أوصاف تناسب ساكني هذا البناء. لو لم يعملوا نوافذ لربما مات من بداخلها. إذن يفعلون نوافذ وأبواب وشفاطات ومكيفات وفتحات. ولماذا؟ لأنهم يعلمون أن هذه الأشياء تناسب من يسكن فيها. طيب، هذا الكون الشاسع العظيم، الله عز وجل يعلم ما يناسب هذا الإنسان، فجعل في الأرض ما يمسك الماء حتى لا يموت هذا الإنسان عطشاً، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: 30]. جعل الله عز وجل الماء يغور في الأرض، ما تمسك الأرض الماء. وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 18]. يعني جعلناه ممسوكاً في الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون. إذن جعل في الأرض ما هي صلبة تمسك الماء، هذا من التفكر في خلق الأرض. جعل في هذه الأرض أماكن صلبة تمسك الماء، جعل في هذه الأرض أراضي خصبة تنبت الزرع. لو لم يجعل هذه الأراضي الخصبة، كيف يأكل الإنسان؟ كيف يعيش الإنسان