التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 95

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 95

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 95، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة تقسيم العمل وتخصص الطوائف في تحقيق المصالح الكلية

توضح القاعدة السادسة والخمسون أن القرآن يرشد المسلمين إلى تخصص كل طائفة في مصلحة معينة كالجهاد والعلم والطب، لأن ليس كل الناس يستطيعون القيام بكل الأعمال. فإذا تعذر قيام الجميع بكل المصالح وجب على كل مجموعة الاشتغال بما تبرع فيه لتقوم المصالح كلها وتتوحد وجهة الأمة.

التكامل بين طائفة الجهاد وطائفة طلب العلم

تقضي القاعدة الشرعية بتقسيم الأمة إلى طائفة تتفرغ للجهاد لحماية الثغور وأخرى تتفرغ للتفقه في الدين للتعليم والإرشاد. يتكامل المجاهدون والعلماء في قيام مصالح الدين والدنيا، فيقوم المجتمع على جهاد السيف وجهاد الحجة.

التعاون والتكامل الاجتماعي في ضوء الآيات القرآنية

تؤكد الآيات القرآنية على التعاون والتكامل بين أفراد المجتمع باختلاف تخصصاتهم، مستشهدة بآيات التقوى والاستطاعة والشورى. كل فرد ميسر لعمل يكمل به غيره، ومراعاة المصالح الكلية وإسناد الأمر لأهله يستقيم به حال الأمة.

أهمية الرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة

الاستعانة بأهل الخبرة والعلم تصلح الأحوال، بينما الجهل والتخبط يؤديان إلى تفاقم السوء والفشل. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر مشيراً إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

  • 18 جمادى الآخرة 1445هـ - 30/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

نعم، قال المؤلف رحمه الله: القاعدة السادسة والخمسون: يرشد القرآن المسلمين إلى قيام جميع مصالحهم، فإنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقوم بها، ويوفروا وقتهم عليها، لتقوم مصالحهم وتكون وجهتهم جميعا واحدة. وهذه من القواعد الجليلة من السياسة الشرعية، فإن كثيرا من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفيتها، فطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه. قال تعالى بالجهاد الذي هو من أعظم مصالح الدين والعلم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى، وأن القائمة بالجهاد تستدركوا ما فاتهم من العلم إذا رجعت. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة. وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها، لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائرا في جميع أعماله إليها. فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم، وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة. فالله المستعان. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله. هذه القاعدة خلاصتها أن المسلمين لا يمكن أن يقوم كلهم بعمل واحد وبمصلحة واحدة. فمثلاً: المسلمون يحتاجون إلى مجاهدين في سبيل الله يتفرغون للقتال، وللخروج في الغزوات، ولحماية ثغور أهل الإسلام. فهل نلزم كل مسلم أن يكون من هذه الطائفة؟ إذن من سيبقى للأعمال الأخرى؟ المسلمون يحتاجون في مجتمعاتهم إلى مدرسين، إلى واعظين، إلى علماء. فهذه تقوم به طائفة أخرى. المجتمع يحتاج إلى مهندسين في مجال الميكانيك مثلاً، في مجال الكهرباء، لأن مصالحهم تقوم على ذلك. هل نقول لجميع المسلمين: تعلموا الهندسة؟ لا. فهمتم هذا الآن. فمعنى قولي: "يرشد القرآن المسلمين في قيام جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من يقوم بها". من شرح الله صدره للجهاد كان من أهل الجهاد، ومن شرح الله صدره لطلب العلم والدعوة إلى الله كان من أهل العلم ومن الدعاة إلى الله، ومن شرح صدره لتعلم الطب وعلومه كان من الأطباء، ومن شرح صدره للإدارة، إدارة المؤسسات وإدارة كذلك المدارس ونحو ذلك، كذلك يكون من الإداريين، ومن شرح الله صدره لكذلك التجارة يكون من أهل التجارة. كل ميسر لما خلق له. لا يمكن في مثل هذه الأعمال أن يقوم بها جميع الناس، أن يقوم بها جميع الناس. فقال هنا: "وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من يقوم بها ويوفر وقته عليها". بمعنى أنه يشتغل بهذا الشيء الذي أتقنه، أو الذي يرى من نفسه أنه ينفع به الإسلام والمسلمين، ولا يشتغل بغيره، لتقوم مصالحهم وتكون وجهتهم جميعا واحدة. لأنهم لو أهملوا مثلاً باب العلم والدعوة إلى الله، في هذا الإهمال ضرر على المجتمع، إذ من يعلم الناس؟ من يبين أحكام الشرع للناس إذا كانوا جاهلين؟ لو قلنا للناس: كلكم كونوا بس علماء. طيب، من يحمي الثغور؟ من يجاهد في سبيل الله؟ لو قلنا للناس: كلكم كونوا أطباء. طيب، من يقوم بالمصالح الأخرى؟ وهكذا. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة في القرآن، ذكر بعضها المؤلف. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. هذا في الجهاد. "كافة" يعني جميعا. لا يمكن أن يخرجوا جميعا للجهاد في سبيل الله. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ يعني من هؤلاء المجاهدين، من كل فرقة طائفة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. يعني باعتبار أن من المؤمنين من ينفر للجهاد في سبيل الله، ومن المؤمنين من ينفر للتفقه في الدين. فالكل، كل طائفة تكمل الأخرى. فالمجاهدون يكملون أهل الفقه بحماية المجتمع من الاعتداء عليهم في الثغور، في الرباط في سبيل الله، وأهل العلم والفقه ينتفع منهم المجاهدون بتعليمهم وإرشادهم. ولذلك قال هنا الشيخ: "فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية". وهذا من قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. "وبالعلم طائفة أخرى". وهذا في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. "وأن القائمة بالجهاد تستدرك ما فات من العلم إذا رجعت". لأنه قال: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. يعني الطائفة المتفقهة، الطائفة المتفقهة تفقه قومها الذين رجعوا من الجهاد. هم في الجهاد ما تعلموا العلم. فلما رجعوا إلى البلاد، من الذي يعلمهم؟ من تفرغ لطلب العلم؟ لو لم نفرغ أحدا لطلب العلم، هل سيتعلم أولئك المجاهدون؟ ما سيتعلموا شيء. من سيعلمهم؟ ما يوجد عندنا من تفقه في الدين. فإذن هنا ذكر الطائفتان: طائفة تحمي هذا الدين بالسيف والسنان، وطائفة تحمي هذا الدين بالحجة والبيان. وبهذا يقوم المجتمع. لا يقوم المجتمع إلا بالجهادين: جهاد الحجة والبيان، وجهاد السيف والسنان. فهمتم هذا الآن. ثم ذكر آية أخرى ودليلاً آخر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هنا قوله: "أمة" يعني طائفة. الأمة هنا بمعنى الطائفة أو الجماعة. ففيه أنه ليس كل الأمة تؤمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن من يقوم بهذا هم العلماء، لأن من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفقه في الدين، أما الجاهل فما يستطيع أن ينكر. فالشاهد من هذه الآية أنه ما قال: "ولتكونوا جميعا أمة يدعون إلى الخير"، قالوا: "لتكن منكم طائفة". ومن هنا للتبعيض، يعني من بعضكم. ومن هنا للتبعيض، والمعنى: من بعضكم طائفة. فهذا دليل واضح على هذه القاعدة أيضاً. ثم ذكر دليلاً آخر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. ولا شك أن التعاون يكون بين جماعات المجتمع. لأن في المؤلف قال في أول هذه القاعدة: قال في أول هذه القاعدة: "وتكون وجهتهم جميعا واحدة". فمن الوجه الواحدة أن يتعاون الكل، كل طائفة تكمل الأخرى. أهل الجهاد يكملون أهل الفقه في الدين، وأهل الفقه في الدين يكملون أهل الجهاد. الطبيب في المجتمع يحتاج إلى العالم، صح؟ والعالم يحتاج إلى الطبيب. العالم يحتاج عملية جراحية، أين يذهب؟ إلى الطبيب. إذن العالم يحتاج إلى الطبيب، والطبيب إذا عرضت عليه مسألة علمية فقهية يرجع إلى من؟ إلى العالم. إذن يتعاون الجميع، تعاون على البر والتقوى. وهذا أيضاً من أدلة هذه القاعدة، من أدلة هذه القاعدة، لأن التعاون إنما يكون بين أفراد المجتمع الذين اختلفت مهنهم، اختلفت مهنهم، فكل واحد يكمل الآخر، فيتعاون الجميع لأن وجهتهم واحدة. هذا هو وجه الدليل من هذه الآية. كذلك الآية الأخرى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ما هو وجه الشاهد من هذه الآية؟ ذكر هنا في القاعدة هذا في أولها: أنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع، لم يمكن حصولها من ماذا؟ من الجميع. فأنت مثلاً ما تستطيع أن تجاهد في سبيل الله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ننتقل إلى شيء تتقنه، تنفع به مجتمعك، وكل ميسر لما خلق له. شرح الله صدرك للعلم. قال المؤلف هنا: "يوفر وقته عليها". خلاص، تشتغل بهذا، لا تشتغل بغيره. لو اشتغلت بغيره ما استطعت، لأنك لا تستطيع ذاك العمل. فليس كل أحد يتقن الجهاد في سبيله، وليس كل أحد يتقن التفقه في الدين، وليس كل أحد يتقن علم الطب ودراسة علم الطب، وليس كل أحد يتقن علم الهندسة. صح؟ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ما تستطيعه من هذه العلوم مما تنفع به مجتمعك، افعله. هذا وجه الشاهد. وكذلك الدليل الرابع: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. هنا أمر بالشورى. لماذا الله عز وجل يأمر بالشورى؟ لأن الإنسان قد يغفل عن أمور ما يعلمها. إذن من يعلمها؟ طائفة أخرى. وهو يشاور. أنت الآن تريد تبني بيتاً، ما عندك الخبرة في تخطيط البيت، وفي يعني الهندسة، هندسة البيوت. تشاور غيرك: كم يكون الحفر؟ كم مساحة الغرفة؟ كم كذا؟ صح. هذا في الأمور الدنيا، كذلك في أمور الآخرة. أنت الآن أمير، قائد، قائد تريد أن تحارب الأعداء، تشاور من؟ العلماء. كل واحد يكمل الآخر. صح. تريد منهم فتوى شرعية. أنت الآن مهندس، مهندس. طيب، جاءك ألم، تروح تشاور مهندساً آخر؟ لا، تشاور طبيباً: إيش رأيك؟ إيش الأصلة؟ عملية أو دواء أو كذا. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. فإذن ما جاءت الشورى إلا ليكمل بعض المسلمين بعضاً. رأيي ليس كرأيك، وخبرتي في شيء ليس كخبرتك في شيء. فهمتم هذا الآن. فهذا أيضاً من أدلة هذه القاعدة، إلى غير تلك الآيات الدالة على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة. وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم مصالح كلها. هذا في جانب الطب، هذا في جانب العلم، هذا في جانب الهندسة، هذا في جانب السياسة، هذا في جانب الاقتصاد، هذا في جانب الطب، وهكذا. كل طائفة منهم تقوم بمصلحة من المصالح التي يقوم عليها المجتمع. قال: "لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائراً في جميع أعماله إليها". فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم. لو كل واحد يكل الأمر الذي لا يحسنه إلى من يحسنه، لاستقامت أمور المجتمع. يشاور الساسة العلماء، ويشاور الطبيب العالم، ويشاور العالم الطبيب إذا احتاج إلى ذلك. وهكذا كل واحد بحاجة إلى أن يكمل الآخر. إذا كنا كذلك لاستقامت أحوال المسلمين، وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة. لأن بأهل الخبرة والرجوع إلى أهل المعرفة تصلح الأحوال، وأما بالجهل والتخبط فإن الأمور تزداد سوءاً وفشلاً، سوءاً وفشلاً. طيب، مكتفي بهذا. وإنه هلا ترجمة نانسي قنقر.