كتاب الطهارة 5

كتاب الطهارة 5

الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث الطهور ماء البحر وأثره الفقهي

شرح حديث أبي هريرة الذي سأل فيه رجل رسول الله عن التوضؤ بماء البحر، وأجاب النبي بأن ماء البحر طهور. استدل الفقهاء بهذا الحديث على طهورية الماء المطلق واختلفوا في تعريفه وتحديده.

تقسيم الماء وبيان حكمه عند تغيره

يناقش تقسيم الماء إلى أقسام، حيث يرى بعض العلماء أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام، بينما يرى آخرون أنه ينقسم إلى قسمين. كما يتناول حكم الماء الذي تغير تغيرا تاما.

حكم ميتة البحر وضوابطها الفقهية

يتناول حكم ميتة البحر، حيث يرى بعض العلماء أن ميتة البحر حلال، بينما يختلفون في بعض الحالات مثل الحيوانات البرمائية. يُوضح أن المراد بميتة البحر هو ما يعيش فيه ولا يخرج منه.

حكم أكل السمك عند المذاهب الفقهية المختلفة

الحنابلة والمالكية يرون جواز أكل السمك لأنه يعيش في الماء، وكل ما يعيش في الماء فهو حلال. هذا الحكم سيتم تفصيله في باب الأطعمة فيما بعد.

  • 19 جمادى الآخرة 1445هـ - 31/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلاة وسلام على رسول الله، ما بعد. طيب الله ذكر المؤلف صحة هذا الحديث، وأن العلماء تلقوه بالقبول، كما في كلام ابن عبد البر. وعله بعضهم ابن منده، عله بعض العلل، لكن أجاب عنها، فالحديث صحيح. قال: والحديث وقع جوابا عن سؤال، كما في الموطأ: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل -في مسند أحمد من بني مدلج، وعند الطبراني اسمه عبد الله- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به؟ وفي لفظ عند أبي داود: بماء البحر. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو الطهور ماءه، الحل ميتته». فأفاد صلى الله عليه وسلم أن ماء البحر طاهر مطهر، لا يخرج عن الطهورية بحال، إلا ما سيأتي من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه. هذه الطهورية، أو ما يسميه الفقهاء بالماء المطلق. وقد اختلف الفقهاء في تحديد ما هو الماء المطلق. فمنهم من قال: الماء المطلق هو الباقي على أصله. وهذا تجده في كثير من كتب الفقهاء، خاصة الشافعية. مع أن الإمام النووي غلط من قال هذا. قالوا: هذا خطأ؛ الباقي على أصل قدره، لأنه بهذا يخرج ما تغير، مثلا بطول المدة، ويخرج مثلا ما كان أصابه شيء من أصله، أو مما لا يتغير به. فلهذا الفقهاء حاولوا أن يجعلوا الماء المطلق هو غير الماء الذي وقعت فيه نجاسة، أو وقع فيه شيء من الطاهرات التي تغير. فلهذا قال بعضهم: أن الماء المطلق هو ما عرف، أو ما كفية فيه اسم الماء. أن يسمى ماء، ما دام أنه ماء، فهو ماء مطلق. ويندرج فيه ماء الأنهار، وماء البحار، وماء العيون، وماء المطر، كما يذكر بعض الفقهاء. كل ما نزل من السماء، وما نبع من الأرض، معنى المطر والبرد والثلج، هذا يعتبر أيضا من الماء المطلق، لكن الثلج لا يتوضأ به إلا إذا ذاب، كذلك البرد. وهنا ذكر سبب الحديث، على أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم، سؤال هذا الرجل: أنهم يركبون البحر، وليس معهم إلا ماء قليلا. فقال في ماء البحر: «هو الطهور ماءه، الحل ميتته». قال: فأفاد صلى الله عليه وسلم أن ماء البحر طاهر مطهر، لا يخرج عن الطهورية بحال. وقوله: طاهر مطهر، معنى هذا: الماء المطلق يكون طاهر مطهرا. وهذا على تقسيم الفقهاء: أن هناك ماء طاهر غير مطهر؛ لأن الفقهاء يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام: ماء مطلق، وماء طاهر مطهر. المطلق هو ماء طهور؛ طهور، والطهور هو الماء الذي يكون طاهر مطهرا. هذا الماء المطلق. والماء القسم الثاني عندهم: الماء الطاهر، الماء الطاهر الذي هو طاهر في نفسه، ليس مطهرا لغيره. الماء الطاهر يقولون: هو طاهر في نفسه، ليس مطهرا لغيره. وهذا الذي وقعت فيه بعض الطاهرات، فغيرته تماما، مثل الشراب، مثل الشاي. يقولون: أنه ماء مطلق، لكن هذا قد سلب -كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على المسائل- سلب اسم الماء. فعندهم أيضا الشافعية: عندهم المستعمل -المشهور عند الشافعية- أن المستعمل، الماء المستعمل طاهر غير مطهر. لكن صحح النووي رحمه الله في المجموع: أن المستعمل طهور، أن طاهر مطهر. والقسم الثالث من الماء عندهم: هو الماء النجس. الماء النجس. فمعنى ذلك: أنه ثلاثة أقسام: ماء مطلق، وهو الطاهر المطهر، وماء طاهر، وهو الطاهر في نفسه ليس مطهرا لغيره، والثالث الماء النجس، الذي باتفاق أهل العلم: أنه غير طاهر في نفسه، ولا مطهر لغيره. وذهب بعض المالكية، وقول شيخ الإسلام، واختاره شيخ الإسلام رحمه الله، وابن القيم، وجماعة أيضا: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ ابن عثيمين، وغيرهم: أن الماء يقسم إلى قسمين: إما ماء طهور، وإما ماء نجس. إما ماء طهور، وإما ماء نجس. إما أن يكون طاهر في نفسه مطهرا لغيره، وإما أن يكون ماء نجسا. طيب، كيف يفعل بالماء الذي تغير تغيرا تاما؟ مثلما قلنا: الشراب، مثل الشاي، مثل ما ورد، وغيرها من هذه المياه التي قد تغيرت. فقال شيخ الإسلام: وما سلب اسم الماء، فهو ليس بماء. وما سلب اسم الماء فليس بماء؛ النبيذ، الخمر، الدهن، المايعات، هذه مثلا: بترول، ديزل، هذه مايعات كلها ليست ماء، وإن كان أصلها ماء. معنى بعض الأشياء أصلها ماء، لكن لما أضيفت إليه المادة الأخرى تغير، فصار شيئا آخر. مثل الشاي، الشاي ما يقال: أنه ماء أيضا. الماء الذي يتكاثر فيه الصابون حتى يصبح صابونا، ما تجد إلا رغوة، فهذا ليس ماء. أنا تغير وسلب اسم الماء، ممكن يقال له: ماء صابون، أو يقال له: رغوة، أو يقال له: شيء آخر. فإذا سلب اسم الماء، فليس هو ماء. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المياه. لكن المسألة التي نأخذها الآن هي: أن الماء على الصحيح: أنه ينقسم إلى قسمين: إما ماء طهور، يتوضأ به ويغتسل به ويتطهر به، وإما ماء نجس، لا يتطهر به. فليس هناك قسم ثالث، أو قسم ثاني يسمى طاهر في نفسه مطهر لغيره. طيب، قال: إلا ما سيأتي من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه. ولم يجز صلى الله عليه وسلم بقوله: نعم. ولم يجب صلى الله عليه وسلم بقوله: نعم، مع إفادتها الغرض، بل أجاب بهذا اللفظ ليقرن الحكم بعلته. وهذا الذي يسميه أهل البلاغة بأسلوب الحكيم؛ يعني يجيب بأكثر مما سئل؛ لأنه يجد أن هذه الإجابة سيستفاد منها أكثر. ممكن مثلا إذا قال: نعم، هذا جواب: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به؟ لو قال: نعم، خلاص، هذا إجابة على السؤال. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: نعم، لكن قال: «هو الطهور ماءه، الحل ميتته». هو الطهور ماءه، الحل ميتته؛ معناه: هناك حكم زائد أضافه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أنكم إذا توضأتم به فهو طهور، بل أيضا حكم زائد: أن ميتته حلال، أن ميتته حلال. وهذا كما يقال: من أسلوب الحكيم، يجيب أكثر مما سأل، حتى يعطي السائل فائدة أكثر. قال: بل أجاب بهذا اللفظ ليقرن الحكم بعلته، وهي الطهورية المتناهية في بابها. معناه: لم يقل: نعم توضأوا به، لكن قال: «هو الطهور ماءه» حتى يبين أنه طهور، معناه: يتطهر به أي شيء، سواء كان غسلا، أو غسل تطهير نجاسات، أي شيء يتطهر به. «هو الطهور ماءه، الحل ميتته». قال: وكأن السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة طعمه، ونتن ريحه، توهم أنه غير مراد من قول تعالى: ﴿فاغسلوا﴾ أي بالماء المعلوم إرادته من قول: ﴿فاغسلوا﴾، أو أنه لما عرف من قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ظن اختصاصه، فسأل عنه. فأفاده صلى الله عليه وسلم الحكم، وزاده حكما لم يسأل عنه، وهو حل ميتته. وقال الرافعي: لما عرف صلى الله عليه وسلم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر، أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلي بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة. قال ابن العربي: ذلك من محاسن الفتوى، أن يجاب في الجواب بأكثر مما سئل عنه، تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه. قالوا: يتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم، كما هو؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ميتته -مع تقدم تحريم الميتة- أشد توقفا. يقول: لتأكد هذا عند ظهور الحاجة إلى الحكم، ما هو؟ لأن من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ميتته؛ معنى: لأن الميتة تحل، وهي ميتة تموت فيه، فيقول: لعل هذا لأجل هذا. فقال: «هو الطهور ماءه، الحل ميتته»، أو يظن أن الميتة -ميتة البحر- حرام، مثل الميتة ميتة البر. قال: ثم المراد ميتته: ما مات فيه من دواب البحر، مما لا يعيش إلا فيه؛ يعني ليس ما مات فيه مطلقا. مثلا قد يكون مثلا حيوان، مثلا شاة، مثل هذه العنوز الذي يؤتى بها من السومان، أحيانا مثلا القارب يسقط، يغرق، أو شيء من هذه الدواب تسقط في البحر فتموت، فهل معنى ذلك أنها من ميتة البحر؟ لا، المراد ميتة البحر: ما كان منها -أنا يعيش فيه- يعيش في البحر، فهذا يسمى ميتة البحر. قال: من دوابه مما لا يعيش إلا فيه، لا ما مات فيه مطلقا. واختلف في بعض الأشياء التي تخرج إلى البر، التي يسميها أهل الحياء البرمائيات، التي تعيش على الأكسجين هذا الذي تنفس به في الهواء، ما تعيش على الأكسجين الدائب في الماء، مثل أسماك، مثل السلحفاء، مثل التمساح، مثل هذه الصراطين، هذه التي تكون -غالبا- في الساحل، وغيرها من هذه التي ما تتنفس بالأكسجين المداب في الماء، ما تعيش في الماء دائما، تتنفس بالأكسجين هذا الذي تتنفس به الإنسان. فمثل هذه: هل إذا ماتت في البحر تصير مثل ميتة البحر أو لا؟ فهذا خلاف بين العلماء؛ لأنه مختلف: هل هي مثل حيوانات البر، أو حيوانات البحر؟ فلهذا مثل السلحفاء: المالكية يشترطون فيها التذكين. المالكية يشترطون فيها التذكين. الشافعية عندهم: تكره هذه الحيوانات، عندهم تكره أكلها، لكن يجوز ذبحها. والحنابلة عندهم: يجوز أكلها، ولو لم تذبح؛ معنى: ما يشترطون ذبحها؛ لأنهم يستعملونها كاستعمال أسماك البحر، فلهذا عندهم حلال؛ معنى: حتى ميتتها حلال. والصحيح: أنه ما كان فيه يعيش، ولا يخرج منه، هذا الذي يكون حلال الحل ميتته. وأما ما كان يخرج منه، وكذا، فهذا الأفضل والأولى أن يذبح. طيب، قال: وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا. وظاهر حل كل ما مات فيه، ولو كان كالكلب والخنزير. ويأتي الكلام في ذلك في بابه إن شاء الله تعالى؛ لأن هناك من الأسماك من حرم أكلها بعض العلماء، مثل كلب البحر، خنزير البحر. هناك قول للشافعية: أن كل ما حرم مثله في البر، فهو حرام في البحر. كلب البحر -ليس سمك القرش- وإنما حوت معنى يشبه الكلب، يسمى كلب البحر، أو خنزير البحر، أو خنزير الماء الذي يعيش دائما في الماء. وغيره من هذه الأشياء: هل هي محرمة؟ عند الشافعية محرمة. وعند الحنابلة أنها جائزة، كذلك المالكية؛ لأنها تعيش في الماء، وكل ما يعيش في الماء فهو حلال، سواء كان حيا أو ميتا. وسيأتي هذا الكلام في باب الأطعمة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. والله أعلم.