الدرس في كتاب الطهارة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري حول طهارة الماء، ويؤكد أن الماء طهور لا ينجسه شيء. يُبرز الشارح شرح الحديث وصحته وأسانيد روايته.
يتناول شرح حديث بئر بضاعة واختلاف العلماء في حكم المياه عند اختلاطها بالنجاسات. يُستعرض مختلف الأحاديث النبوية ذات الصلة وأقوال الفقهاء في تصنيف المياه.
اختلف الفقهاء في تحديد القليل والكثير من الماء وتنجسه إذا وقعت فيه نجاسة. ذهب الزيدية والحنفية والشافعية إلى تعريفات مختلفة، وتنوعت آراؤهم حول تنجس الماء.
ترى الزيدية أن حديث الاستيقاظ من النوم يرتبط بوجود نجاسة، فلا يجب الغسل بدون ظهور نجاسة. يُبرز رأي الزيدية في حكم غسل المذي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». أخرجه الثلاثة وصححه أحمد. قال الشارح: عن أبي سعيد رضي الله عنه، اسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري الخدري، بضم الخاء المعجمة ودال المهمل لا ساكن، النسبة إلى خدرة حي من الأنصار كما في القاموس، عن خدرة حي من الخزرج. قال الذهبي: كان من علماء الصحابة ومن شهد بيعة الرضوان، وهو من الصحابة الذين أو من المكثرين من الصحابة، كان روى حديثا كثيرا وأفتى مدة طويلة. وقد ذكره الماوردي رحمه الله من المفتين من الصحابة من الطبقة الثانية. قال: وعمر أبو سعيد ستا وثمانين سنة، ومات في أول سنة أربع وسبعين. أبو سعيد ممن تأخر وفاته من الصحابة، إنه مات بعد العبادلة، بعد عبد الله بن عمر وابن عباس، بل الظاهر أنه آخر المكثرين، إنه مات بعد جابر، جابر هو آخر المكثرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل جابر توفي أبو سعيد. قال: وحديثه كثير، يحدث عنه جماعة من الصحابة. وأبو سعيد كان ممن يلازم النبي عليه الصلاة والسلام ويدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وله في الصحيحين أربعة وثمانون حديثا. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». أخرجه الثلاثة. قال: هم أصحاب السنن مع ابن ماجة، كما عرفت أن الثلاثة هم أبو داود والنسائي والترمذي. قال الصحابي: أحمد. قال الحافظ المنجري في مختصر السنن: إنه تكلم فيه بعضهم، لكن حكي عن الإمام أحمد أنه قال: حديثه بئر بضاعة صحيح. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد جود أبو أسامة هذا الحديث عن طريق أبي أسامة، وهو حماد بن أسامة، طريقه قال: يملأ الاضطراب، وهي أحسن طريق هو رواه عن عبد الله بن عبد الله أو عبيد الله بن رافع، وهو الذي اختلف فيه، ومنهم من يقول: إنه مجهول. لكن قد جاء كما ذكر الشيخ الألباني: جاء من طرق ليس فيها الاضطراب. قالوا: لم يرو حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد، فالترمذي نقل في بعض النسخ أنه نقل تصحيح أحمد وابن معين لهذا الحديث. ورواية الترمذي عن أحمد وابن معين إسنادها صحيح، لأنه قد ذكر في المقدمة أخذ أقوال الأئمة وذكر أسانيد الأسانيد التي أخذ بها أقوال الأئمة. قال: فلهذا ما يكرر معنى ما يقول: مثلا حدثنا فلان أن مثلا أحمد صحح أو أن الشافعي قال كذا. قال: ونقل الحافظ في التلخيص أن ابن الجوزي يقول: إنه نقل عن الدارقطني أنه قال: إنه ليس بثابت أي هذا الحديث. قال: فالحديث خلاصة الحديث أنه صحيح أن الماء طهور لا ينجسه شيء. قال: والحديث له سبب، وهو أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بئر بضاعة يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن. فقال: «الماء طهور». قال: الحديث هكذا في سنن أبي داود، وفي لفظ فيه: «إن الماء» كما ساقه المصنف. قال: وعلم أنه قد أطال هنا في الشرح المقال واستوفى ما قيل في حكم المياه من الأقوال، والتقتصر في الخوض في المياه على قدر يجتمع فيه شمل الأحاديث ويعرف به مآخذ الأقوال ووجوه الاستدلال. فنقول: هذه مسألة بئر بضاعة ذكر الإمام أبو داود بعد أن خرج هذا الحديث أنه قاسها، وأنه دخل هذا المكان ووجد ماءها أصفر على طول المكان، وقاسها على أنها طولها وعرضها ذراعان، ذراعان طول وذراعان عرض. قال: واستشكل الإمام الخطابي وغيره قوله: «ويطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن». هل معنى يطرح فيها أنه يرمون في هذا الماء؟ هذا صعب، إن هذه بئر بضاعة كانت لرجل يهودي، ثم كان المسلمون يستعملونها، فيستعملون ماءها للشرب، وكذا صعب أنه يضعون الخرق وهذه الأشياء فيها. قال: فالظاهر ولهذا جاء «يطرح فيها» على وجه المجهول، قد يكون معنى بفعل إنسان، وقد يكون أن الريح تأتي بها وتقع فيها هذه الأشياء. قال: وقد وردت أحاديث يأخذ منها أحكام المياه، فمنها حديث «الماء طهور لا ينجس شيء»، وهذا أصل في هذا الباب أن الماء طهور لا ينجس شيء. وطهور معنى أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره. قال: وجاءت رواية كما سيأتي في الحديث الذي بعده: جاءت رواية قال: «إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه من النجاسات». ولكن هذه الرواية لا تصح، لكن قد أجمع العلماء على ثبوتها، قد أجمع العلماء على العمل بها. قال: وحديث «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وسيأتي الكلام عليه. وحديث الأمر بصب الذنوب من الماء على بول الأعرابي في المسجد، وهذا صحيحين، رواه البخاري من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري ومسلم من حديث أنس. قال: وحديث «إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا»، وهذا صحيحين كذلك. وحديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه»، أيضا هذا صحيحين. وحديث «إذا ولغ الكلب في إناء»، حديث صحيحين. قال: هذه الأحاديث مجموعها يؤخذ منها أحكام المياه. قال: الحديث فيه الأمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وهي أحاديث ثابتة، ستأتي جميعها في كلام المصنف. قال: إذا عرفت هذا، فإنه اختلفت آراء العلماء رحمهم الله تعالى في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تتغير أحد أوصافه. فذهب القاسم ويحيى بن حمزة وجماعة من آل البيت إلى أنه نجس. قال: ومالك والظاهرية وأحمد في أحد قوليه وجماعة من أصحابه إلى أنه طهور قليلا كان أو كثيرا، عملا بحديث «الماء طهور». وإنما حكموا بعدم طهوريته ما غيرت النجاسة أحد أوصافه، للإجماع على ذلك. قال: وذهب الزيدية والحنفية والشافعية إلى قسمة الماء إلى قليل تضره النجاسة مطلقا، وكثير لا تضره إذا لم تغير بعض أوصافه. ثم اختلفوا بعد ذلك في تحديد القليل والكثير. قال: فذهب الزيدية إلى تحديد القليل بأنه ما ظن المستعمل أو المستعمل للماء الواقع فيه النجاسة استعماله. وما عدا ذلك فهو الكثير. قال: وذهب الحنفية إلى تحديد الكثير من الماء بما إذا حرك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركة إلى الطرف الآخر. قال: وذهب الشافعي إلى تحديد الكثير من الماء بما بلغ قلتين من قلال هجر، فذلك نحو خمسمائة رطل، عملا بحديث القلتين. وما عداه فهو القليل. قال: الآن هنا مسائل، المسألة الأولى تحديد القليل والكثير. فهذا التحديد حدده أحمد والشافعي بحديث القلتين، وهو تحديد صحيح. قال: وأما ما ذكره الحنفية والظاهرية وأيضا الزيدية فهو قول لم يعرف مستنده إلا العقل، فلهذا لا يلتفت إليه. قال: المسألة الثانية الماء الذي وقعت فيه النجاسة. فذكر أولا أن جماعة من أهل العلم كمالك ورواية عن أحمد، وهو قول جماعة من الصحابة: أنه إن وقعت النجاسة في الماء ولم تغيره، فهو ماء طهور، سواء كان قليلا أو كثيرا. قال: فمتى تنجس تغيرت أحد أوصافه الثلاثة، إما لونه أو طعمه أو ريحه. يقولون: إن الماء ليس له طعم ولا لون ولا ريح، لكن ليس معنى أنه ليس له لون، لكن لون الماء ليس له لون من الألوان المعروفة. قال: وجه هذا الاختلاف تعارض الأحاديث التي أسلفناها. فإن حديث الاستيقاظ وحديث الماء الدائم يقضيان أن قليل الماء ينجس ببعض النجاسة. قال: فقال الشافعي رحمه الله: إن أهل الحجاز كانت بلادا حارة، وكانوا إذا ناموا وكانوا يستنجون بالحجارة، فإذا نام أحدهم خرج العرق وقد يسيل هذا العرق في مكان النجاسة، فيسيل النجاسة في جسده، فقد يمسها بيده. قال: لكن هذا التفسير لم يوافق عليه كثير من العلماء، لأنه محتمل، والأصل أن مثل هذه العلة التي تأتي في الكتاب والسنة إذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة صراحة، فتعتبر علة تعبدية. قال: وكذلك حديث الولوق والأمر بإراقة ما ولغ الكلب فيه، أيضا هذا الحديث ليس فيه دليل على نجاسة الماء. قال: والعبرة بالنجاسة إذا تنجس الماء، فإنه يكون نجسا، أي تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة. وإذا لم تتغير، فإنه يجوز أن يتوضأ به. قال: لكن إذا وجد ماء آخر، فالأفضل أن يتوضأ به، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». قال: وعارض هذه الأحاديث حديث بول الأعرابي والأمر بصب الذنوب من الماء عليه، فاستدل المالكية أن هذا الحديث دليل على أن البول لا ينجس إلا إذا تغير. قال: وقال من المعلوم أنه قد ظهر ذلك الموضع الذي طهر ذلك الموضع الذي وقع عليه بول الأعرابي بذلك الذنوب. وكذلك قول «ما لا ينجسه شيء». قال: فقال الأولون، وهم القائلون «لا ينجسه شيء إلا ما غير أحد أوصافه». يجمع بين الأحاديث بالقول بأنه لا ينجس إلا ما غير أحد أوصافه، كما دل له حديث بول الأعرابي. قال: وقال الشافعية: إن حديث «لا ينجسه شيء» محمول على ما بلغ القلتين فما فوقه، وهو كثير. وحديث الاستيقاظ وحديث الماء الدائم محمول على القليل. قال: وعند الزيدية: إن حديث الاستيقاظ محمول على النجس، فلا يجب غسله ما لم يظهر له نجاسة.