الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 360، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يمتنع الإدغام إذا سَكَن الحرف الثاني من المتماثلين لسكون عارض بسبب اتصال ضمير رفع متحرك في الماضي أو بالجزم في المضارع والأمر، فيجب الفك حينئذٍ. ويستشهد المقطع بآيات مثل «ضَلَلْتُ» و«شَدَدْنَا» حيث يُفَك الإدغام وجوباً.
يجوز الوجهان (الإدغام والفك) في الفعل المضارع المجزوم وفعل الأمر إذا كانت عين الفعل مدغمة في لامه، وتعددت قراءات السبعة في ذلك. الفك هو لغة الحجاز والغالب في القرآن، بينما يرد الإدغام في مواضع أخرى.
يستثنى من جواز الوجهين صيغة (أفعل) في التعجب التي يجب فيها الفك وجوباً، وكلمة (هلم) التي التزم القراء إدغامها ومنعوا فكها. الفك هو الغالب في القرآن في المضارع المجزوم والأمر، وعلة الفك في (أفعل) صيانة صيغتها من التغيير.
تُقرأ كلمة «هلم» بالإدغام إجماعاً ولا تُفَك، ثم يُعلن انتهاء الدرس على أن تُؤخذ الخاتمة في أربعة أبيات غداً ليكتمل الكتاب.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال ابن مالك في ألفيته رحمه الله تعالى: «وفك حيث مضغم فيه سكن لكونه بمضمر الرفع اقترا نحو حللت ما حللته وفي جزم وشبه الجزم تخيير قفي وفك أفعل في التعجب التزم والتزم الإضغام أيضا في هلم». قال الشارح حفظه الله: ذكر ابن مالك رحمه الله هنا الشرط الحادي عشر من شروط وجوب الإضغام، وهو ألا يعرض سكون ثاني الحرفين المتماثلين، يعني لا يكون هناك سكون عارض للحرف الثاني؛ لأن الحرف الثاني من المتماثلين إذا كان ساكنا فلا يُدغم، إنما يُدغم إذا كان الأول ساكن. فإذا عرض سكون للحرف الثاني، ومتى يكون هذا السكون العارض؟ قال: إما لاتصاله بضمير رفع. «حللت» أصله «حل» فمعروف الفعل الماضي، إذا اتصلت به ضمير رفع متحرك، إذا اتصل به ضمير رفع متحرك فإنه يُبنى على السكون، فيكون السكون العارض في المتماثلين إما لاتصاله بضمير رفع، أو إما لجزم أو شبهة. هذا في المضارع والأمر، المضارع والأمر. وتقول مثلا: «أحلل» نعم، أو «لم يحلل» لم يحلل، نعم. قال: أما الأول، الأول يعني كان السكون بسبب اتصاله بضمير رفع، فإنه إذا اتصل بالفعل المضغم عينه في لامه ضمير رفع سكن آخره للبناء. عينه في لامه يعني الحرفان الأخيران، مثل «حل مد» فهنا أدغم العين في اللام، لكن اتصل بضمير رفع سكن آخره للبناء، وحينئذ يجب الفك ولا يجوز الإضغام في هذه الحالة، يجب الفك لما تقرر أن الحرف الثاني المضغم فيه لا يكون إلا متحركا. الثاني لابد عند الإضغام أن يكون متحركا، فإذا سكن امتنع الإضغام، امتنع الإضغام. نحو «حل» الآن هنا «حل» فعل الماضي مضغم، فإذا أسند إلى الضمير قيل فيه: «حللت» و«حللنا» والبنات «حللن» لأن هذه كلها ضمائر الرفع: التاء، والنا، ونون النسوة. هذه الثلاثة الضمائر الرفع المتحركة إذا دخلت على الفعل الماضي بُني على السكون. قالوا: من قولهم تعالى ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ «ضَلَلْتُ» فلا تقول «ضَلَلْتُ» أو «ضَلَلْتُ» بالإدغام، لا، هنا لابد من الفك. وقوله تعالى ﴿وَقَدْ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ «شَدَدْنَا» بالفك هنا وجوبا. وقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ شاهد «يَغْضُضْنَ» وصل الفعل «غَضّ يَغُضّ» نعم، لأن الفعل المضارع إذا دخلت عليه نون النسوة بُني على السكون، صح، بُني على السكون مثل «يَرْضَعْنَ» «يَغْضُضْنَ» «يَغْضُضْنَ». طيب هذا الأول. قال: أما الثاني، الثاني يعني لجزم أو شبهه. أما الثاني فأن هذا المضارع الذي أدغمت عينه في لامه إذا دخل عليه جازم جاز فيه الفك وجاز الإضغام، يعني المضارع هنا يجوز الأمران، يجوز الأمران إذا جزم، وكذا فعل الأمر المبني على السكون لأن حكمه وحكم المضارع المجزوم، ولذلك يقولون: يُبنى فعل المضارع، يجزم فعل المضارع بما يُبنى، يُبنى فعل الأمر بما يجزم به مضارعه. هذه القاعدة، فحكم فعل الأمر حكم فعل المضارع المجزوم، حكم فعل المضارع المجزوم، فلذلك أخذ حكمه هنا. فتقول في الفك: «أَحْلِلِ الْبَلَدَ» وأخي «لَمْ يَحْلِلْ» ويجوز أن تقول «لَمْ يَحْلِلْ» نعم يجوز ذلك. وما الفرق بين هذا والذي قبله؟ الفرق بين هذا والذي قبله أن الذي قبله لم يكن الحرف المدغم هو الأخير لأنه سيأتي بعده حرف آخر، سيأتي بعده حرف آخر وهو حرف الضمير، ضمير الرفع. أما الفعل المضارع فيكون الحرف المدغم هو الأخير، فلذلك أجاز فيه الأمرين، الأمرين، أجاز فيه الأمرين. فالشاهد من هذا المثال «لَمْ يَحْلِلْ» ويجوز أن تقول «لَمْ يَحْلِلْ» وتقول في الأمر «أَحْلِلْ» و«أَحْلِلْ». ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ «يَحْلِلْ» مجزوم بـ «مَنْ» الشرطية. قرأ الكسائي من السبع بضم اللام الأولى يعني «يَحْلِلْ» وقرأ الباقون بكسرها «يَحْلِلْ». ومنه أيضا قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ «يَرْتَدِدْ» مجزوم بـ «مَنْ» و«نَبْلُ» فك. وقوله تعالى ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ «تَمْنُنْ» مجزوم بـ «لَا» الناهية. قوله تعالى ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ «تَمْسَسْكُمْ» مجزوم بـ «إِنْ». وقوله تعالى ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ «اغْضُضْ». قال: والفك لغة أهل الحجاز وهو الغالب في القرآن. وتقول في الإضغام «لَمْ يَحْلِلْ» وتقول في الأمر «حُلْ» بدون همزة الوصل. ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ ما قال «وَمَنْ يُشَاقِقْ» وفي آيات «وَمَنْ يُشَاقِقْ» بالفك وهنا بالإضغام «وَمَنْ يُشَاقِقْ». وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ما قال «مَنْ يَرْتَدِدْ» «مَنْ يَرْتَدِدْ» فالقرآن جاء بالأمرين، القرآن جاء بالأمرين بالفك وبالإضغام. قال: فقد قرأ نافع وابن عامر «مَنْ يَرْتَدَّ» بالفك، وقرأ الباقون «مَنْ يَرْتَدِدْ» بدال واحدة مفتوحة مشددة. وهذه المسألة الثالثة مجوز فيه الفك والإضغام، ومسألتان قد فُكّ ومسألتان قد مرت معنا. قال: ويستثنى من ذلك شيئان، يعني من الأمر ومن... نعم من الأمر يستثنى شيئان: «أَفْعِلْ» في التعجب، «أَفْعِلْ» هنا بمعنى فعل الأمر، بمعنى فعل الأمر، إذا جاء العين واللام متماثلين، و«هَلُمَّ» «هَلُمَّ» تقدم معنا بمعنى اسم فعل الأمر، فإنه ما بمعنى فعل الأمر. فأما «أَفْعِلْ» فإنه يجب فيه الفك إذا ما جاء بصيغة «أَفْعِلْ» هنا يجب الفك ولا يجوز الإضغام. نحو «أَحِبَّ إِلَى اللَّهِ الْمُحْسِنِينَ» يعني يتعجب من حب الله تعالى بالمحسنين، و«أَشِدَّ بَيَاضَ وُجُوهِ الْمُتَّقِينَ» «أَشِدَّ» يتعجب على وزن «أَفْعِلْ» فهذا لا يجوز فيه الإضغام. وهذا خروج عن القاعدة المتقدمة، فإنه فعل الأمر، قلنا يجوز فيه الإضغام والفك، لكن في هذه الحال إذا أتى على هذا الوزن، وزن أفعال التعجب، يجب فيه الفك ولا يجوز الإضغام. هذا بالنسبة لـ «أَفْعِلْ». وأما «هَلُمَّ» فقد التزموا إضغامه فلا يجوز فيه الفك، العكس. «هَلُمَّ» هذا الفعل وحده يجب فيه الإضغام ولم يجوزوا الفك. قال: وهذا معنى قوله «وفك حيث مضغم فيه سكن» إلى آخره. ولفظة «فُكّ» بضم الفاء، فعل أمر ومفعول محذوف، أي: فُكّ الإضغام من المضاعف وجوبا، من المضاعف وجوبا، هذا في فعل الأمر. ويحتمل أنه ماض مبني لما لم يسمى فاعل، ونائب الفاعل يعود لذلك المحذوف، والمعنى: فُكّ الإضغام من الفعل المضغم عينه في لامه إذا سكن آخره اقترانه بضمير الرفع؛ لألا يلتقي ساكنان، لأنك لو سكنته لالتقى ساكن وساكن. نحو «حَلَلْتُ الْمَكَانَ الَّذِي حَلَلْتُهُ» وهذا هو الشرط الحادي عشر كما تقدم. وأشار بقوله «وفي جزم وشبه الجزم تخيير قفي» أي: وفي هذا المضارع المضاعف المجزوم، شبه وهو الأمر، مراد بشبهه الأمر، تخيير بين الفك والإضغام كما مر معنا: «لَمْ يَحْلِلْ» و«لَمْ يَحْلِلْ». قال: لورود كل منهما، وهذا في القرآن، وهذا هو في أصل الجواز، وهذا في أصل الجواز، وإلا فإن الفك هو الغالب في القرآن كما تقدم. وقالوا «قُفِي» بالبناء للمجهول، أي: تُبِع، والأصل «تخيير متبوع». ثم ذكر ما يستثنى فقال: «وفك أفعل في التعجب التزم» أي: لألا تتغير صيغته المعهودة، فيلزم فيه الفك. هذا ما جعل وزن «أَفْعِلْ» ولا يجوز الإضغام. «والتزم الإضغام أيضا فيه هلم بالإجماع» فلا يقال «هَلُمَّ» بالفك. والله أعلم. طيب، نكتفي بهذا. بقي معنا الخاتمة في أربعة أبيات نأخذها غدا إن شاء الله، وبها نكون قد انتهينا من الكتاب.