المحاضرة بعنوان نفحات من سير الأمهات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 7 رجب 1445هـ الموافق 19 يناير 2024م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
استهل المحاضر بذكر فضائل أمهات المؤمنين إحدى عشرة أمًا مستعينًا بعبارة لحفظ أسمائهن، ثم فصّل في سيرة خديجة بنت خويلد أول زوجات النبي صلى الله عليه وسلم موضحًا مكانتها ومواساتها له عند نزول الوحي ووفاء النبي لها بعد وفاتها.
استعرض المقطع مواقف الوفاء النبوي لخديجة بتذكر معروفها وإكرام صديقاتها وقصة فداء زينب بقلادة أمها، ثم انتقل لزواج سودة بنت زمعة ودورها في نزول آية الحجاب، وختم بذكر ميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس.
بيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال لا محرم، ثم استعرض فضائل عائشة رضي الله عنها بوصفها الوحيدة التي تزوجها بكرًا وأكثر النساء رواية للحديث، وذكر قصة الإفك وبراءتها التي أنزل الله فيها قرآنًا يتلى، ومن يتهمها بعد براءتها يكفر بتكذيب القرآن، وختم بوفاة النبي في بيتها.
ختم المحاضر ذكر أمهات المؤمنين بتلخيص سير جويرية بنت الحارث وزينب بنت جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان وصفية بنت حيي مستعرضًا فضائل كل منهن ومواقفهن، ونقل قول ابن تيمية في التفضيل بين خديجة وعائشة بالتفصيل، وأبرز مواقف كريمة كوفاء النبي لصفية وورع زينب وإيثار أم حبيبة.
سرد المقطع موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة عندما عابت صفية بقصر قامتها فوبخها بقوله: "لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته" مؤكدًا تحريم العيب في الخلق وأن جمال المرأة في حيائها وعفتها وتقواها، ثم استعرض فضائل حفصة بنت عمر من عبادة وذكاء وولايتها على وقف أبيها، وأشار إلى تميز كل أم بخصيصة فريدة كزينب بنت خزيمة "أم المساكين".
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبه ربنا ويرضى، الذي يسر لنا هذا اللقاء في هذا الجامع المبارك، جامع التقوى بمدينة الشحر بلاد حضرموت، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً مباركًا، وأن يجعله اجتماعًا مرحومًا، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقية ولا محرومة، ونسأله جل وعلا أن يجعله شاهدًا لنا يوم القيامة. أما بعد، فأحببت في هذه المحاضرة أن أذكر بشيء من سِيَر أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن أجمعين، أزواج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فهن كن مضرب المثل في الأخلاق، وفي العفة، وفي الطهارة، وفي كل خلق جميل. كيف لا، وهن أزواج أفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام؟ فلا تسألنا عن نصحه عليه الصلاة والسلام لهن، وتأثرهن بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، واقتدائهن به عليه الصلاة والسلام في كلامه، وفي أفعاله، وفي أكله وشربه، ونومه، ولبسه، وسائر أعماله عليه الصلاة والسلام. فلقد حَوَيْنَ بالحظ الوافر من رسول الله عليه الصلاة والسلام دون غيرهن من نساء الأمة، وذلك لقربهن منه عليه الصلاة والسلام، هذا القرب الذي سيكون له الآثار الطيبة على نفوسهن، وعلى أخلاقهن، وعلى معاملاتهن. فلذلك كُنَّ نِعْمَ الأزواج لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فَصِرْنَ أمهات المؤمنين. لم يحظَ بهذا الوصف إلا هؤلاء النسوة رضوان الله عنهن أجمعين. الله عز وجل هو الذي اختار لهن ذلك، والله عز وجل هو الذي اصطفاهن بذلك. قال عز وجل: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، أي: أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين جميعًا إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. فَكُنَّ أمهات المؤمنين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي العهود التي بعدها، وهكذا في العهود المقبلة. وهن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن. فأحببت أن أذكر بشيء من سيرهن، عبارة عن نفحات من سير الأمهات. نفحات من سير الأمهات، والمراد بالأمهات: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهن أمهات المؤمنين. وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، هن إحدى عشرة زوجة، وإحدى عشرة أمًا. أمهات المؤمنين عددهن إحدى عشرة أمًا. وقد جمعنا في عبارة إذا حفظت هذه العبارة يسهل معرفة هؤلاء الزوجات. هذه العبارة هي: "خس مع جزر صحة". "خس مع جزر صحة". وفعلاً هذا الخس مع الجزر، الخس المعروف، والجزر المعروف، هذا الصحة إذا كمل الإنسان. فهذه العبارة احفظناها لتعلمنا أن هذه العبارة هي إشارة إلى معرفة زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، لأن كل حرف من حروف هذه العبارة يدل على زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. "خس": الخاء: خديجة، والسين: سودة بنت زمعة. "مع": الميم: ميمونة بنت الحارث، والعين: عائشة بنت أبي بكر الصديق. "جزر": الجيم: جويرية بنت الحارث، والزاي: زينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة التي قيل لها: أم المساكين. "بقي صحة": الصاد: صفية بنت حيي، وحفصة بنت عمر، والهاء: أم سلمة هند. فهذه العبارة فيها ذكر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. أولاهن: خديجة في قولنا "خس": خديجة رضي الله عنها بنت خويلد. هذه أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. تزوجها رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل المبعث، وهي التي عرضت نفسها على رسول الله عليه الصلاة والسلام لما رأت ولما سمعت من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، كما حدثها بذلك غلامها ميسرة الذي بعثته مع النبي عليه الصلاة والسلام في تجارتها. فلما رجع ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها، أخبرها بما رأى من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أمانته، والبركة الحاصلة في بيعه. فلذلك رغبت رضي الله عنها أن يكون زوجًا لها، وحق لها ذلك رضي الله عنها. وكانت تدعى بالطاهرة قبل المبعث، فهي طاهرة رضي الله عنها، لم يكن منها شيء من السفاح، وإنما كانت طاهرة في جاهليتها وفي إسلامها رضي الله عنها. وكانت البيت الدافئ، والبيت الحنون للنبي عليه الصلاة والسلام. نعم المرأة كانت، المواسية للنبي عليه الصلاة والسلام في أول مراحل بعثته، فكانت المسلية له مما يحصل له من أمور أحزنته عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك: لما جاءه الوحي وهو في الغار، في غار حراء يتعبد الله عز وجل، قالوا: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. فرجع إلى زوجه خديجة عليه الصلاة والسلام يرجف فؤاده، جاء ما يدري ما الذي حصل، رجع خائفًا عليه الصلاة والسلام. فأخبر زوجه خديجة بذلك، فقالت له: "والله لا يخزيك الله أبدًا". علمت الله عنها أن هذا الذي حصل للنبي عليه الصلاة والسلام ليس من الخزي عليه، بل هذا من الرفعة التي خص بها، والمكان والمنزلة. فقالت: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، فإنك لتحمل الكل، وتعين على نوايب الحق، وتقري الضيف". وذكرت من أخلاقه عليه الصلاة والسلام. لما أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، قد كان يقرأ في العبرانية، فلما أخبره عليه الصلاة والسلام بما حصل له، قال: "ذاك الناموس الذي كان يأتي عيسى"، أي: أنه الوحي. فقال: "ليتني أكون فيها جذعًا"، أي: قويًا، لأنه قد صار كبيرًا، "إذ يخرجك قومك، فأنصرك نصرًا مؤزرًا". فقال عليه الصلاة والسلام: "أو مخرجيهم؟" أي: قومي. فقال له: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي"، أي: عاداه قومه. لكن توفي ورقة رضي الله عنه، ولم يدرك بعد ذلك ما قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه سيحصل له، والأمر كما أخبره عليه الصلاة والسلام ما أخبره ورقة. فعاده قومه، وعاده، وخرج من مكة، وهاجر إلى المدينة بعد ذلك. خديجة رضي الله تعالى عنها كانت التي واسَت رسول الله عليه الصلاة والسلام بكلامها وبمالها، وكان له منها الولد عليه الصلاة والسلام. ومن وفائه عليه الصلاة والسلام لزوجته خديجة أنه كان يذكرها دائمًا بعد موتها، وهذا من الوفاء منه عليه الصلاة والسلام. حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي هي أصغر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، أخذها شيء من الغيرة، مع أنها لم ترَ خديجة رضي الله عنها، ومع أنها امرأة كبيرة تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهي في الأربعين، وفي الخامسة والعشرين، ومع هذا قد أخذتها الغيرة حين تسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يذكر خديجة. هذه من الغيرة التي فُطِرَت عليها النساء، التي إذا ضُبِطَت بالحدود الشرعية فلا لوم عليها، من غير أن يحصل تجاوز في ذلك. قالت خالة عائشة -أو عائشة- للنبي عليه الصلاة والسلام: "هذه عجوز شمطاء قد هلكت، لازلت تذكرها". قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما عنِفْتِ لها، وما هذا الكلام؟" لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن هذا من الغيرة التي ليست تضر، أو مما قد فُطِرَت النساء عليه. قالت: لما قالت عائشة: "قد أبدلك الله خيرًا منها، قد أبدلك الله خيرًا منها". قال عليه الصلاة والسلام: "لا، والله، بل كانت هي المواسية لي بمالها ونفسها، وقد رزقت منها الولد". وأولاد النبي عليه الصلاة والسلام أكثرهم من خديجة رضي الله عنها، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، وليست هي زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هي سرية، أي: أمة. لكن هي سرية، والأمة إذا أتاها سيدها يقال لها: سرية. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا وفاء لهذه الزوجة، لم ينسَ معروفها، ولم ينسَ مواقفها. بل حتى كان إذا ذبح شيئًا عليه الصلاة والسلام، قال: "ابعثوا بهذا إلى صديقات خديجة". كان حتى يكرم صديقات زوجته، لأن خديجة كانت في حياتها لها صديقات، ويدلنا على أن من الإكرام: إكرام أصدقاء الأب بعد موته، أو كذلك إكرام صديقات الأم، أو صديقات الأخت، وهكذا. فكان يذبح عليه الصلاة والسلام، يقول: "تصدقوا بذلك على صديقات خديجة". بل أحيانًا تأتي هالة بنت خويلد أخت خديجة، يقول: "اللهم هالة، اللهم هالة"، لأنها تذكره بخديجة رضي الله عنها. وهذا لا بد من أخذ العبر والدروس منه: الوفاء للزوجة التي قد وقفت المواقف مع الرجل في أول أمره، قد يكون فقيرًا فواسته بماله، قد يكون لم يجد ما يعفّ به فرجه فكانت هي... إلى آخر ذلك. فلا ينسى هذا إلا من جهل حق هذه المرأة التي لها هذا المعروف العظيم والجميل الذي لا يُنكَر. بل النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا بَعْدَ أُسَارَى بدر -وكان من الأسرى العاص، أو أبو العاص- أبو العاص زوج زينب بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج مع الكفار لهم بدر، وزوج بنت النبي عليه الصلاة والسلام زينب رضي الله عنها، فأسرى مع من أُسِر. فبعثت زينب بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام بقلادة لفك أسر زوجها، لأن المشركين منهم من فدى الأسير بمال من الذهب أو غير ذلك. زينب بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أرسلت بقلادة فداءً لزوجها. هذه القلادة التي أرسلتها زينب رضي الله عنها، أهدتها أمها خديجة لها يوم عرسها. هذه القلادة هي لخديجة، وعنها أعطتها ابنتها زينب ليلة زفافها وزواجها. فلما جئ بهذه القلادة ضمن الأموال التي جئ بها لفك الأسر ولفداء الأسر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه القلادة، فتأثر عليه الصلاة والسلام تأثرًا عظيمًا. هذه قلادة خديجة. علم أن ابنتها زينب هي التي بعثت بها. فردّ عليه الصلاة والسلام تلك القلادة، وفدَى أبا العاص بشرط أن يترك ابنته وأن يفارقها، لأنه كان كافرًا. ففارق أبو العاص بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجِيءَ بها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. ونَبْرُنَ الوفاء من رسول الله عليه الصلاة والسلام لزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فلابد من ذِكْرَان هذا المعروف: الزوجة الأولى، لا أحد مثلها، هذه حقيقة. الأولى لها مكانة، الأولى كما يقال: شاركت أيام المصاعب، وأيام القِلَّة، وأيام صبرت واحتسبت. فليست كغيرها بمن جاء بعدها، من لم تمر بهذه المراحل. ولِكُلِّ زَوْجٍ حَقٌّ، لكن الشرع قد فرّق في هذه الأمور. للأسف قد يوجد من الأزواج من لا ينتبه لذلك، فينسى مثل هذه المواقف، ينسى أيام المحنة، وأيام الشدة، وأيام المواقف الصعبة. لا، هذه الأمور ينبغي أن تكون محفورة في الذاكرة، أن تكون محفورة في الذاكرة، لا تتأثر بمضي الأيام، ولا بمضي الأزمان، لأن هذه من الأمور التي ينبغي الوفاء بها. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ كان العوض من الله عز وجل لهذه المرأة رضي الله عنها، خديجة الكبرى، أن أخبر عليه الصلاة والسلام -كما جاء في البخاري ومسلم- أن الله عز وجل جعلها في الجنة بيتًا من قصب، لا نصب فيه ولا وصب. جعلها في الجنة جل وعلا بيتًا من قصب، لا نصب فيه ولا وصب. قال العلماء: لما بنت للنبي عليه الصلاة والسلام، ولما هيأت للنبي عليه الصلاة والسلام البيت الهانئ الذي إذا دخله وجد الراحة، نسي تلك الهموم التي لقيها من المشركين، فكان الجزاء من العظيم جل وعلا لهذه المرأة الطاهرة رضي الله عنها وأرضاها. والكلام يطول، وإذا نذكر خديجة ننتهي الوقت ولم نأتِ على بقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين. الثانية: سودة بنت زمعة رضي الله عنها. هذه المرأة أيضًا أرملة، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. لم يتزوج بكرًا إلا عائشة رضي الله عنها وعن أزواج أجمعين. سودة بنت زمعة، هذه المرأة التي آثرت بليلتها لعائشة لما كبرت رضي الله عنها، فكأنها شعرت من النبي عليه الصلاة والسلام أنه يريد أن يفارقها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمسك امرأة ويقصر في حقها. فلذلك لما شعرت بذلك، قالت: "يا رسول الله، أبقني زوجة"، وتنازلت بليلتها لعائشة، لأنها علمت أن عائشة أحب النساء للنبي عليه الصلاة والسلام. فبقيت زوجة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام. هذه سودة بنت زمعة كانت السبب في نزول آيات الحجاب. كنا نساء النبي عليه الصلاة والسلام قبل نزول الحجاب يخرجن من غير حجاب، قبل الأمر بالحجاب. عمر رضي الله عنه كان يتطلع إلى أن ينزل شيء في الحجاب، وأن يحتجب النساء. ولذلك مرة خرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة جَثَّة، يعني ثقيلة. فقال عمر: "قد عرفناك يا سودة، قد عرفناك يا سودة". كنا النساء يخرجن في الليل لقضاء الحاجة، قبل أن تُبْنَى هذه الكُنُف في البيوت، أماكن قضاء الحاجة. كنا يخرجن لقضاء الحاجة، يخرجن في الليل. فقال عمر: "قد عرفناك يا سودة". وعمر يريد أن تنقل سودة هذا الكلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وله في ذلك ما تطلع إليه، لعله ينزل الوحي بشيء. وعمر الفاروق كما هو معلوم لديكن، ولا يخفى على شريف علمك أن القرآن نزل موافقًا له في وقائع، ومنها هذا الأمر. فأخبرت سودة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالت: "يا رسول الله، قد رآني عمر، وقال: قد عرفناك يا سودة". سودة، فما لبث الأمر إلا ونزلت آيات الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]. فنزل الوحي بالأمر بالحجاب، فأصبحنا نساء الصحابة متحجبات، حتى قال القائل: "كأنهن الغربان"، من سرعة امتثالهن رضي الله تعالى عنهن أجمعين. الثالثة: ميمونة بنت الحارث. وهذه خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو حِلّ، أي: غير محرم. لأن ابن عباس كان صغيرًا، فقال: "تزوج النبي عليه الصلاة والسلام ميمونة وهو محرم". وأبو رافع -ميمونة نفسها- قال: "تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا حِلّ". لأن المحرم لا يجوز له أن يتزوج في حال حرامه، كما جاء في الصحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا يخطب المحرم، ولا ينكح، ولا يُنْكَح". فأبو رافع رضي الله عنه قال: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حِلّ، وكنت الواسطة بينهما". وابن عباس لصغره لم يضبط ذلك، فظن أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة وهو محرم، والأمر ليس كذلك. ميمونة خالة ابن عباس، قد بات عندها ليلة رضي الله تعالى عنها، لأن خالته. فقام النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في الليل، فقام ابن عباس وجاء عن يساره يصلي، فحوله النبي عليه الصلاة والسلام إلى يمينه. وميمونة بنت الحارث من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ولهن البذل والخير كسائر أزواجه عليه الصلاة والسلام. الرابعة: عائشة، وهي أم المؤمنين كسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت أحب النساء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يتزوج عليه الصلاة والسلام بكرًا سوى عائشة، وهي بنت الصديق رضي الله تعالى عنه، الصاحب للنبي عليه الصلاة والسلام في الغار، الذي قال جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع رضي الله تعالى عنها. وكانت صغيرة، وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام عنها وهي بنت ثمانية عشر عامًا. ومع هذا نقلت للأمة علمًا غزيرًا كثيرًا، حتى كان بعض الصحابة يأتي إليها ويسألها رضي الله تعالى عنها، فتجيبه رضي الله تعالى عنها. فقيهة الأمة. جاء جبريل بصورتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: "هذه زوجتك في الدنيا وفي الجنة"، وبلغها السلام من الله تبارك وتعالى. وفضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، كما قال عليه الصلاة والسلام: "كَمُلَ مِنَ النِّسَاءِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ". وقال في فاطمة: "سيدة نساء العالمين". فهي فقيهة هذه الأمة، ومن المُكْثِرَاتِ الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ذكر علماء المصطلح المُكْثِرِينَ من الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يكن أحد من المُكْثِرِينَ من النساء كعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. هذه الصديقة ابتليت ابتلاءً لم يبتَلَ به أزواج النبي عليه الصلاة والسلام الأخريات، فقد افتُرِيَ عليها بأنها وقعت الفاحشة، حين خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام في السفر، وضاع العقد، وذهبت لقضاء حاجتها. لما ضاع العقد كانت سببًا في نزول آية التيمم. وأيضًا خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبت لقضاء حاجتها، وكانت في الهودج، الهودج هو البناء الذي يكون على الراحلة. كانت خفيفة، نحلها، خفيفة اللحم. فذهبت لقضاء حاجتها، وجاء وقت الرحيل، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام وصحابه بالرحيل، فوضعوا الهودج فوق الراحلة وربطوه، ولم يشعروا لخفة عائشة، لأنها كانت خفيفة، والذي حمل الهودج جماعة، ما استنكروا عدم وجودها لخفتها. فلما جاءت بعد قضاء حاجتها، وجدت الجيش قد مشى، والرسول عليه الصلاة والسلام قد مشى. فجلست في المكان الذي وضع فيه الهودج، قالت: "سيرون عدم وجودي، وسيعلمون عدم وجودي، وسيرجعون إلى هذا المكان الذي وضع فيه الهودج". لكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، لم ينتبهوا لذلك. دخلوا إلى المدينة. صفوان المعطل رضي الله عنه كان من الصحابة الذين يتأخرون في مؤخرة الجيش. نُكِرَ عنه أنه كان ينام ويغفل في نومه، ثم يأتي. وبعضهم قال: يتأخر أجل أن يأتي بعد الجيش، لعلهم تركوا شيئًا نسيوه فيأخذه، إلى آخر ذلك. فلما قدم صفوان المعطل، وجد عائشة، وكان يعرفها قبل نزول الحجاب، فكان يحوقل، ما زاد على الحوقلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله". زوجة رسول الله، "لا حول ولا قوة"، كما تقول عائشة: "ما نظر إلي، أنا خالية". عائشة بعيرة، فركبت رضي الله عنها، قالت: "ولم يلتفت إلي". فكان يمشي وعائشة راكبة، ويحوقل. قالت: "لم أسمع منه إلا حوقلته: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله". فاستغل المنافقون، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي سلول، هذا الموقف، فأشاع أن صفوان المعطل وقع بعائشة رضي الله عنها. وبعض الصحابة بعض الكلمات خرجت منهم، وأقيم الحد عليهم: كحسان بن ثابت، وكذلك مسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش من النساء. جُولِدَ الحد. والنبي عليه الصلاة والسلام كان قد سأل بعض أصحابه، فمنهم من قال له: "يا رسول الله، غيرها، إن أردت غيرها، فالله سيدلك على غيرها". وبعضهم توقف. لكن نريد أن نلفت الانتباه إلى ما سيأتي عند ذكرنا لزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، فإن لها كلامًا يدل على الورع. ولا نسبق الحديث، نتركه إلى ذكر هذه الزوجة، زينب رضي الله عنها. الله عز وجل برَّأ هذه الطاهرة عائشة رضي الله عنها، من فوق سبع سماوات، كما هو معلوم لديكم. سورة النور فيها الآيات التي فيها بيان براءة عائشة رضي الله عنها مما افتُرِيَ افتُرِيَ عليها رضي الله عنها. ولذلك أجمع العلماء بعد نزول هذه الآيات أن من يَتَّهِم عائشة بالزنى فهو كافر مرتد عن دين الإسلام بإجماع المسلمين. لأن الذي يتهمها بعد نزول براءتها يكذب القرآن، ويكذب كلام الله عز وجل. وأيضًا يتهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخَبَث. الله جل وعلا يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: 26]. هذا الذي يقول في عائشة هذا الكلام، كأنه يقول: خبيثة، يلزم من ذلك أنه أيضًا يطعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهو مكذب أولًا لخبر الله عز وجل، وثانيًا يكون طاعنًا في رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك من الكفر والردة عن دين الإسلام. عائشة رضي الله عنها، توفي النبي عليه الصلاة والسلام في بيتها، لأنه كان يقول: "أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟". ونسوان، سلم، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، يعلمنا أنه يحب أن يكون عند عائشة، فوافقنا على ذلك، فكان عند عائشة في آخر أيامه، ومات كما قالت عائشة: "بين حاقنتي وذاقنتي". وكان آخر من ريقه عليه الصلاة والسلام من ريقها، لأنه قد دخل عليهم أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر من الصديق، ومعه سواك. فنظر النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام إلى السواك، قالت عائشة: "فعلمت أنه يريده، فقلت له: آخذه لك؟ فأشار برأسه: نعم. فأخذته، فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام". قالت: "فاستن به استنانًا، وكان من ريقها مع ريقه عليه الصلاة والسلام". ثم رفع أصبعه، فقال: "في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا". فمات في بيتها، ودفن في بيتها عليه الصلاة والسلام. رضي الله عنها. وذلك اختلف العلماء: من أفضل، خديجة أم عائشة؟ منهم من قال: خديجة أفضل، ومنهم من قال: عائشة أفضل. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أتى بقول فصل يبين فيه نكتة هذه النتيجة، فقال: "خديجة أفضل في السبق، وعائشة أفضل في العلم". وذلك ذكر العلامة السفاريني رحمه الله تعالى ذلك كما في "السفارينية"، فقال: "عائشة في العلم، مع خديجة في السبق، فافهم نكتة النتيجة". عائشة في العلم، وفي السبق خديجة، فافهم نكتة النتيجة. أي: نكتة هذه النتيجة، والقول الفصل أن لا يقال: خديجة أفضل، ولا يقال: عائشة أفضل، وإنما يقال: خديجة أفضل في السبق، أي: في سابقتها، كانت الأولى في سابقتها من المعروف وغير ذلك، ما لم يكن لغيرها. وعائشة رضي الله عنها في العلم، ما لم يكن لغيرها. هذا هو التفصيل الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم. فعائشة لها الفضائل الكثيرة، ويطول الكلام لذكر فضائلها، والغرض كما سبق إنما هي نفحات من سير الأمهات. بعد عائشة رضي الله عنها، كنا "خس مع جزر": جيم: جويرية بنت الحارث. من بني المصطلق، أبوها كان سيدًا في قومه. أغار عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، أي: على بني المصطلق، كما في البخاري، وكانت من الأسرى. تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت لها وليدة تصدقت بها، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: "لو أنك تصدقت بها على أخوالك لكان أفضل". وجويرية كانت من العابدات الصائمات رضي الله تعالى عنها وعن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أجمعين. رضي الله النبي عليه الصلاة والسلام يوما صائمة يوم الجمعة، قال: "أصُمْتِ أمس؟" قالت: لا. قال: "هل تصومين غدًا؟" أي: السبت. قالت: لا. قال: "إذن فأفطري". وذلك أنه لا يجوز تخصيص الجمعة بصيام. وبعدها: زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها. هذه زوجها الله من فوق سبع سماوات، وكانت تفتخر بذلك رضي الله عنها، وحق لها أن تفتخر. كانت تقول لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات". كما قال عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. فالله عز وجل هو الذي زوج زينب بنت جحش. قد كانت زوجة لزيد بن حارثة، الذي كان قد تبنّاه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يدعى: زيد بن محمد. ثم جاء الناهي عن التبني، فهو حب رسول الله عليه الصلاة والسلام، مُسَامَى بن زيد. تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، أي: زينب بنت جحش. سبقتْ غِنَّةً لها كلمة تدل على الورع، وهذا ما ينبغي أخذ العبرة منه: أمر الورع في الكلام. فلما قال النبي عليه الصلاة والسلام لزينب بنت جحش، لما ابتليت عائشة بما ابتليت به: "ماذا قلتِ هذه المرة؟" قالت: "أصون لساني، أصون لساني". عائشة تقول: "هذا قالت، وكانت هي التي تساميني، وكانت هي التي تساميني". كأنها تقول: أقرب منافسة، أقرب منافسة لي هي هذه، زينب. وإلا فرصة، لكن عصمها الله. قالت عائشة: "عصمها الورع". فالمرة لا تستقل بعض المواقف، تقول: "فرصة الآن"، لا. الورع باب عظيم، لا يوفق له إلا من كان منصفًا، حتى مع الخصم، فكيف مع الصديق والقريب؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: "عصمها الورع". هذه زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها. وبعدها: رملة بنت أبي سفيان، حرف الراء في "جزر". رملة بنت أبي سفيان، أم حبيبة بنت أبي سفيان. تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت من المهاجرات في بلاد الحبشة. الذي دفع مهر أم حبيبة هو النجاشي رضي الله عنه، دفع مهر رسول الله عليه الصلاة والسلام لأم حبيبة، التي كانت مع المهاجرات في بلاد الحبشة، وجِيءَ بها للنبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك إلى المدينة. هذه أم حبيبة، عنها سمعت خبرًا وشِيعَ، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتزوج بابنة حمزة، حمزة بن عبد المطلب، قتل شهيدًا يوم أحد، وله بنت. شُيِّعَ هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يتزوجها. فقالت أم حبيبة للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، تزوج أختي، تزوج أختي". وهذا أمر غريب، المعروف عند النساء الغيرة، حتى على أقرب الناس، من أقرب الناس إليها، ولو من أختها. لكني قالت: "يا رسول الله، تزوج أختي". فقالها النبي عليه الصلاة والسلام: "أهو تحبين ذلك؟" قالت: "يا رسول، لستُ مخلية لك، يعني: أنا أعرف أنك ستتزوج، ستتزوج، وأحببت أن يكون يشاركني أقرب الناس إلي، أختي". فقال عليه الصلاة والسلام: "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، لأن أباها حمزة، وعنه رضع من ثويبة، التي مولاة أبي لهب، أرضعت النبي عليه الصلاة والسلام، وأرضعت حمزة". فيا ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من الرضاعة. ثم قال: "فلا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن". ثم بعد ذلك بقي "خس مع جزر صحة": صفية بنت حيي. هذه أبوها حيي بن أخطب، زعيم من زعماء اليهود. لما غزا النبي عليه الصلاة والسلام بني قريظة، كانت صفية من ضمن الأسارى. قتل أبوها، سيد قومها، فأراد أن يكرمها، فتزوجها، وأعتقها قبل ذلك، تزوجها إكرامًا لها رضي الله تعالى عنها، لأن والدها كان سيد قومه. وأوْلَمَ عليها رضي الله عنها عليه الصلاة والسلام وليمة، حتى قال: "لم يُوْلِمْ رسول صلى الله عليه الصلاة والسلام على أحد كما أولم على صفية بنت حيي". وصفية كان النبي عليه الصلاة والسلام من وفائه لها أيضًا، لما زارته في معتكفه، جاءت صفية الليل تزور زوجها عليه الصلاة والسلام في المعتكف في آخر رمضان، فخرج معها، جلست ساعة تحدث معها، فخرج معها، أوصلها إلى بيتها. انظروا الوفاء من النبي عليه الصلاة والسلام، أين هذا الآن من كثير من الأزواج؟ ربما تقول له زوجته: "وصلني إلى بيت أهلي"، يستأنف أن يمشي معها ليوصلها إلى بيت أهلها في الليل أو في النهار، يقول: "الله، اذهبي، ما في شيء، الطريق آمنة إلى كذا". لكن انظروا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، مع أنه معتكف عليه الصلاة والسلام، لكن ليبين عليه الصلاة والسلام هذا الأمر، ولتعلم الأمة الوفاء الذي ينبغي للزوجة. خرج معها عليه الصلاة والسلام، مع أن ذلك الزمان آمن وآمان، أي عهد أفضل من ذلك العهد؟ عهد نبوي، ناس تقاة، بلغت التقوى أعلى مقامها، ومع هذا وفاء وجبرًا لخاطرها. ماذا نقول؟ هل نجعل هذا في موضوع جبر الخواطر؟ جبر خواطر النبي عليه الصلاة والسلام للناس، لأصحابه، لبناته، لنسائه؟ أم نجعل ذلك ضمن الوفاء؟ فضعنا ذلك، بارك الله فينا، حيث شئنا، فإنه يصلح مثالًا للوفاء، ويصلح مثالًا لجبر الخواطر، ويصلح مثالًا للإحسان، وغير ذلك. هذه صفية، قالت عائشة يومًا فيها كلمة كانت قصيرة رضي الله عنها، فذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، وكما سبق ما هو حاصل من الغيرة عند النساء، قالت: "حسبك إنها قصيرة". فقال لها: "يا عائشة، لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته". بعض النساء قد تهون علينا في هذا الأمر، لا يجوز العيب، لا يقال: قصيرة، لا يقال: سمينة، لا يقال: نحيفة، لا يقال: شعرها كذا، لا يقال: كذا، لا يقال: عيونها صغيرة، لا يقال: عيونها... لا يقال: أنفها مفتح، لا يقال: لا يقال... هذه كلمة. قالت عائشة: "حسبك أنها قصيرة". لكن ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ "لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته". درس، درس منه عليه الصلاة والسلام للأمة، وللنساء خاصة، بعدم التعيير. للأسف شاع الآن في أوساط النساء هذا التعيير، وأدى التنقص، أي: تتنقص أختها، وتقول: قصيرة، أو تقول: كذا، المُعَيِّبَةَ بشيء من عيوب. لا، المرأة بحيائها جمالها، حياؤها ليس لونها، ولا طولها، ولا عرضها، ولا قصرها. المرأة جمالها حياؤها، جمالها عفتها، جمالها طهارتها، جمالها تقواها. هذه صفية رضي الله عنها، التي كانت يهودية، صارت أمًا للمؤمنين، بعد أن كانت يهودية، صارت من أمهات المؤمنين رضي الله عنها. وبقي معنا حفصة، من كلمة "صحة": حفصة بنت عمر، رضي الله عنها. هذه المرأة العابدة الزاهدة أيضًا، أرملة، زوجها النبي عليه الصلاة والسلام. وكان منها المواقف البطولية، كانت امرأة عاقلة، حتى أن عمر الفاروق رضي الله عنه جعلها هي الناظر على وقفه، لما أوقف عمر رضي الله عنه أرضًا له بخيبر من أفضل الأموال، ليه من الناظر على هذا الوقف؟ جعله ابنته حفصة، كانت امرأة داهية، فكانت هي الناظر على وقف عمر. وذلك قال العلماء في باب الوقف: لا بأس أن يكون الواقف من النساء، أن يكون الواقف والناظر، أو أن يكون الناظر على الوقف من النساء، استدلالًا بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام لعمر حين أوقف أرضه بخيبر، وجعل ابنته حفصة ناظرة على هذا الوقف. حفصة رضي الله عنها قد أمرت بقتل جارية سحرتها، كما جاء عنها رضي الله عنها: جارية لما كانت عملت السحر، أمرت بقتلها، لأن عمر كذلك أصدر قرارًا: "اقتلوا كل ساحر وساحرة". وهكذا حفصة أمرت بقتل جارية سحرتها رضي الله عنها وأرضاها. وعنّى أزواج أمهات المؤمنين، وبدأ الوقت يداهمنا، نريد أن نكمل ما بقي من أمهات المؤمنين. معنا أم سلمة رضي الله عنها التي ذكرناها، وهناك زينب بنت خزيمة، كانت تسمى بأم المساكين، الهلالية، كانت تعطف على المساكين. سبحان الله، إذا تأملنا، بارك الله فيكم، في أزواج أمهات المؤمنين، نجد أن كل امرأة قد تميزت بشيء لم تتميز الأخرى بذلك، وهذا من فضل عز وجل. فخديجة لها أشياء تميزت بها، كذلك سودة بنت زمعة، كذلك ميمونة، عائشة، أم حبيبة، جويرية، زينب بنت جحش، زينب بنت خزيمة الهلالية، أم المساكين. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد رباهن جميعًا، وقد علم منهن ذلك عليه الصلاة والسلام. هذه أم سلمة رضي الله عنها، مات زوجها أبو سلمة، وكان من خ