الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الرقية الشرعية مشروطة بأن تكون بأسماء الله وصفاته، وألا يعتقد تأثيرها بذاتها، وأن تكون باللغة العربية أو المفهومة. الرقية المخالفة لهذه الشروط تعتبر شركاً أو سحراً.
الرقى الجائزة هي التي تخلو من الشرك وتستند إلى الكتاب والسنة، بينما الرقى المجهولة أو التي تحتوي على طلاسم أو استغاثات بالجن تعتبر شركاً أو بدعة. ينصح بالتحذير من التمائم والرقى التي تستغيث بالشياطين.
يوجد تشابه بين بعض المظاهر السلبية في المجتمع المسلم والأزلام في الجاهلية، وهذه المظاهر قد تكون شركاً أصغر أو أكبر. يجب الانتباه لهذه المظاهر والابتعاد عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ثم الرقى من حمة أو عين، فينتك من خالص الوحيين، فذاك من هدي النبي وشرعته. وذاك الاختلاف في سنيته، أمرق المجهولة المعاني، فذاك وسواس من الشيطان. وفيه قد جاء الحديث أنه شرك بلا مرية، فاحذرنه؛ إذ كل من يقوله لا يدري، لعله يكون محض الكفر، أو هو من سحر اليهود مقتبس على العوام، لبسوه فالتبس. فحذرا ثم حذاري منه، لا تعرف الحق وتناع عنه. وفي التمائم المعلقات، إن تكن آيات مبينات، فالاختلاف واقع بين السلف؛ فبعضهم أجازها، والبعض كف وإن تكن مما سوى الوحيين، فإنها شرك بغير مين. بل إنها قسيمة الأزلام في البعد عن سيماء الإسلام. هذا الآن في الرقى والتمائم. المراد بالرقى هو ما يقرأ على المريض. سمى رقية؛ على أن الرقية هو ما يرقى به على المريض، أو ما يقرأ على المريض من أي كلام يسمى رقية. وقد جاءت الأحاديث في الشرع بالحث على الرقية، وجاءت أيضا بالنهي عن الرقية. والجمع بينها أن هناك رقية شرعية ورقية غير شرعية. بل في حديث عبد الله بن مسعود: «إن التولة والتمائم والرقى شرك». جعل الرقى شركا، وهذه الرقى التي تخالف شرع الله عز وجل. ولهذا قال العلماء: إن الرقية الشرعية لها شروط. الرقية الشرعية لا تكون شرعية إلا بشروط؛ منهم من يذكر ثلاثة، ومنهم من يذكر أربعة. فالشرط الأول: أن تكون بأسماء الله والصفات؛ معنى أن تكون من الوحيين، كما قال المؤلف رحمه الله: «فإن تكن من خالص الوحيين فذاك من هدي النبي وشرعته». معنى أن تكون أولا من أسماء الله والصفات، فيرقي بأسماء الله والصفات. حتى لو قال: «بسم الله»، لو كان يقول: «بسم الله»، هذا تعتبر رقية. أما رقية بدون أسماء الله وصفاته، سواء كان يأتي بكلام أو لا يأتي، فهو ليس برقية صحيحة. هنا بعض الناس الآن يقولون: «فلان يتلف أو قوم يتلفون على الجرح يرقونه بالتفل». التفل لا يسمى رقية؛ لا بد أن تكون هناك قراءة. وغالبا هؤلاء الذين يتلفون لهم قراءة، لكن ما يظهرونها. غالبا استغاثة بالجن؛ فلهذا من لم يكن عنده قراءة، فقط يتلف، فهذا رقيته غير صحيحة. فأولا: تكون لابد أن تكون الرؤية بأسماء الله وصفاته. والأمر الثاني: أن لا يعتقد تأثيرها بذاتها؛ أن لا يعتقد تأثيرها بذاتها، وإنما شفاء من الله، وإنما هي سبب، يعتقد أنها سبب. والأمر الثالث: أن تكون باللغة العربية، وبعضهم زاد: «أو بلغة مفهومة». المعنى أن الكلام يكون مفهوما، ما يكون الكلام غير مفهوم مثل ما يستخدمه السحرة من هذه الطلاسم. الطلاسم غير معروفة؛ يأتي لك بكلام غير معروف، أحرف وكلام بدون ما يعرف، هذا يسمى الطلاسم، أو استغاثات بالجن؛ فهذا كله من الرقى التي لا تجوز. بل غالبا إذا استعملت على استغاثات بالجن يكون شركا بالله. فالرقى المخالفة أو غير الشرعية ممكن أن تكون شركا بالله عز وجل، وممكن أن تكون بدعة، أو عدم جوازها. لكن قد تسمى شركا لأنها طعن وخدش في الاعتقاد. وقد أجاز النبي عليه الصلاة والسلام الرقية لما يكون فيها نفع. فجاء في حديث عوف بن مالك: «أن بني عمرو بن عوف كانت عندهم رقية، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا». وقال أيضا النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». ومن هذا الحديث أخذ كثير من أهل العلم أن باب الرقى ليس فيه توقيف على ما جاء في الكتاب والسنة، وإنما يجوز له أن يأتي مثلا بطريقة، لكنها لا تخرج عن أن تكون رقية. مثل ما يفعله بعض الناس، مثلا يقرأ في ماء ويرش الماء، أو يكتب كتابة ويضعها في الماء، أو يفعل مثل هذه الأفعال. هل هذه تجوز؟ جاء عن بعض السلف هذا الأمر، وهذا يدل على أن هذا الباب واسع قليلا. لكن لا ينبغي للإنسان أن يفعل شيئا يجعل الناس يعتقدون أنه بهذا السبب هو الذي حصل به شفاء؛ لا، هذا خطأ. أو يثبت عند الناس أن هذه الطريقة هي التي يكون بها النفع، وهذا خطأ. بعضهم مثلا يقول: مثلا عنده يرى مثلا أشياء غريبة في البيت، فيذهب إلى أحد الناس يقول له: «خذ ماء وقرأ فيه ورش في الأركان، إذا لم تفعل ذلك ما سيخرجون». هذا كلام غير صحيح. كم ما سيخرجون؟ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن قراءة البقرة تطرد الشياطين: «عليكم بسورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». البطلة: السحرة. وجاء أيضا: «فسحة المسلم البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، لا يقربه شيطان». لا يقربه شيطان. فهذا تصوير للناس أن الطريقة، أن طريقة مثلا من الطرق هي التي لا تصلح إلا غيرها، هذا خطأ. مثلا يقول: «اقرأ الفاتحة سبع مرات، أو اقرأ الفاتحة عشر مرات، فإذا لم تفعل هذا ما ستأتي بنتيجة». هذا كله أيضا غير صحيح. وإنما الشفاء من الله عز وجل. ثم قال: «الرقى من حمة أو عين». من حمة: الحمة أو الحمة المراد بها اللدغ، ليس الحمة. معنى هذه الحمة: الحمة بألف مرجع حمة، لكن الحمة أو الحمة بالتخفيف والتشديد، المراد به ما يلدغ به الإنسان، مثل العقرب، حية، كل شيء يلدغ يسمى ذوات سموم، أو ذوات حمة. فيرقى من الحمة، يرقى، يقرأ فيها، مثلا معوذات، فاتحة الكتاب، وغيرها من السور التي تقرأ مثلا على أنها رقية. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما أدراك أنها رقية؟» أي قراءة الفاتحة. فجاء في حديث عمران بن حسين أنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة». لا رقية إلا من عين أو حمة. معنى هذا ليس معنى أنه لا رقية أصلا، وإنما ليست هناك رقية نافعة أنفع من رقية العين والحمة. ترقى من كان عنده عين، يرقى ويعود. والتعاويذ بعضها رقى، لكن غالبا التعاويذ تكون قبل حصول البلاء. التعاويذ تكون قبل حصول البلاء، فإذا قيلت أو قيلت بعد حصول البلاء تسمى رقية. قال: «فذاك من هدي النبي الشرعة وذاك الاختلاف». أما الرقى المجهولة المعاني، فذاك وسواس من الشيطان. كما ذكرنا أنه لابد أن تفهم معانيها. «وفيه قد جاء الحديث أنه شرك بلا مرية، فحذرنه». معنى هذا الحديث التي جاء حديث عبد الله بن مسعود وغيره: «أن التولة والتمائم والرقى شرك». فهي شرك؛ لأنها من هذا النوع استغاثة بالشياطين، أو بأشياء مجهولة. «إذ كل من يقوله لا يدري، لعله يكون محضر كفر». محضر كفر؛ لأنه فيه استغاثة بالشياطين، «أو هو من سحر اليهود المقتبس على العوام، لبسوه فلتبس». أن أخذوه من سحر اليهود، مثل ما سحر ذلك اليهود لبيد بن الأعصم النبي عليه الصلاة والسلام. «فحذرا ثم حذاري منه، لا تعرف الحق وتناع عنه». أن أحذر من هذا الطلاسم التي يكتبها السحرة. قالوا في التمائم المعلقات: «إن تكن آيات مبينات، فالاختلاف واقع بين السلف؛ فبعضهم أجازها، والبعض كفر». وهذه المسألة قد أخذناها قبل. أن تعليق القرآن أيضا يدخل في التمائم عند جمهور العلماء. جمهور السلف قال بعض السلف: إنه لا يدخل. واستدل بعضهم كما قلنا بفعل عبد الله بن عمر. قلنا: إن فعل عبد الله بن عمر ليس فيه صراحة لما استدلوا به. وإن قلنا مثلا: إنه صريح، فهو اجتهاد منه رحمه الله. قال: «وإن تكن مما سوى الوحيين، فإنها شرك بغير مين». بغير مين؛ معنى بغير شك. والمين هو الكذب أصلا. طيب شرك بغير مين، وشرك هنا قد تكون شرك أكبر، وقد يكون شرك أصغر. فإن كانت هذه الرقة استغاثة بالجن والشياطين، فهي شرك أكبر. وإن كانت هذه الرقة ليس فيها استغاثة بالجن ولا الشياطين، فهي خدش في الاعتقاد، لكنها ليست شرك مخرج من الملة. وقوله هنا: «بل إنها قسيمة الأزلام في البعد عن سيماء الإسلام». معنى مثل الأزلام التي كان يفعلها أهل الجاهلية، فهي من الطيرة. وهذا من الإشكال؛ معنى إيش؟ أنها شرك، شرك، لكنه قد يكون شرك أصغر، وقد يكون شرك أكبر.