اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 1

الدرس في اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 1، المقدمة . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجمة الإمام ابن الجزري ومؤلفاته

يستهل الشارح بتعريف كتاب اللآلي الدرية ثم يسرد ترجمة مفصلة للإمام ابن الجزري تشمل نسبه ومولده ورحلاته في طلب القراءات. يختم بذكر شيوخه وتلاميذه ومناصبه ومؤلفاته النافعة ووفاته في دار القرآن التي أسسها.

شروحات المقدمة الجزرية وشرح البيت الأول

يستعرض المقطع ثمانية شروحات مشهورة للمقدمة الجزرية مؤكداً ضرورة حفظ المتن وفهمه لطالب التجويد. يشرع بعد ذلك في شرح البيت الأول مبيناً معاني الرجاء والعفو والرب والسمع وصفات الله تعالى المتعلقة بها.

معاني السمع الإلهي ونسب المصنف وتعريف الحمد والصلاة

يشرح المقطع انقسام سمع الله إلى عام وخاص ويبين نسبة ابن الجزري للمذهب الشافعي مع التنبيه على الأفضلية في الانتساب للسنة. يعرض تعريف الحمد عند ابن القيم ومعنى لام الاستغراق ويناقش معنى الصلاة لغةً مردداً رد ابن القيم لقيل إنها الدعاء.

معنى الصلاة على النبي والفرق بينها وبين الرحمة

يشرح المقطع أن الصلاة من الله على نبيه تعني الثناء عليه في الملأ الأعلى ويناقش ابن القيم بطلان تفسيرها بالرحمة للتفريق القرآني بينهما. يبين كراهة الاقتصار على الصلاة دون التسليم مستشهداً بأمر الله بالجمع بينهما في الآية الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم معنا شرح مُثَل الجزرية في التجويد، وهذا الشرح مُسَمَّى باللآلي الدرية شرح المقدمة الجزرية. وهو شرح ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وإنما هو عبارة عن بعض التعليقات لما تضمنته هذه المقدمة لابن الجزري رحمه الله تعالى. وقد قمت بالتعليقات عليه عندما كنت أدرس هذا الكتاب، أو هذه المنظومة، في دار الحديث بدماج حرسها الله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. وقبل أن نشرع في المقدمة وكلام الناظم رحمه الله تعالى، نذكر شيئاً من ترجمة ابن الجزري رحمه الله تعالى. وهو محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري، كنيته أبو الخير، شمس الدين، الدمشقي، الشيرازي، الشافعي، الشهير بابن الجزري، نسبة إلى جزيرة ابن عمر ببلاد المشرق، وليست منسوبة إلى الصحابي ابن عمر، وإنما رجل آخر، وهي مدينة في تركيا، تركيا على نهر ججلة، أسسها الحسن بن عمر بن الخطاب الثعلبي حوالي عام تسعمائة وواحد وستين للميلاد، وكانت ميناء أرمينية، وكانت ميناء أرمينية. وولادته بدمشق ليلة السبت الموافق الخامس والعشرين من رمضان سنة سبعمائة وواحد وخمسين للهجرة، الموافق ثلاثين من نوفمبر ألف وثلاثمائة وخمسين للميلاد. ونشأته: نشأ بدمشق، وحفظ فيها القرآن الكريم وهو ابن أربع عشرة سنة، ثم اتجه إلى تعلم علم القراءات، فتلقاها عن علماء الشام ومصر والحجاز إفراداً ثم جمعاً. إفراداً يعني يقرأ على شيوخ فرادى فرادى، وأحياناً يكون بالجماعة، أي يكون مع جماعة يقرأون على الشيخ. وأما رحلاته: فرحل إلى بلدان كثيرة لتعلم القراءات وتعليمها، فرحل إلى مصر، والبصرة، وبلاد ما وراء النهر، وسمرقند، وخراسان، وأصفهان، وشيراز، وجاور المدينة مدة غير وجيزة، وعاد إلى القاهرة لدراسة البلاغة وأصول الفقه، ثم ذهب إلى الإسكندرية، وتتلمذ على يد ابن عبد السلام، كما تتلمذ على يد ابن الجندي. وأما شيوخه: فتلقى ابن الجزري القراءات عن علماء الشام ومصر والحجاز. ومن علماء دمشق: أبو محمد بن السلار، والشيخ الطحان، واللبان، والشيخ أحمد بن رجب، والقاضي أبو يوسف أحمد بن حسين الحنفي. ومن مصر: الشيخ ابن الجندي، وابن الصائغ، وأبو محمد البغدادي، وعبد الوهاب القروي. يعني أن الشخص يترشحون في الأولين أنهم كانوا يرحلون، وكانوا يأخذون عن أكثر من شيخ في فنون مختلفة. هذه همة طالب العلم: لا يقتصر على شيخ واحد، وإنما يأخذ من هذا الشيخ، ومن هذا الشيخ، ومن هذا الشيخ، يستزيد من جميع هذه الفنون، ومن جميع العلوم. فالمشايخ ولله الحمد في عصرنا هذا كثر ومتواجدون، سواء في بلاد اليمن، أو في بلاد الحجاز، وكذلك نجد، وغيرها من بلاد المسلمين. فالأولى بالطالب أنه لا يمكث في مكان واحد فقط، بل ينتقل إذا أخذ نهمته من هذا المكان رحل إلى غيره حتى يستفيد من جميع المشايخ. فما حوى العلم أحد أبداً، حوى جميع العلم أحد أبداً، ما حوى. فترى هذا الشيخ متخصصاً في فن معين كالحديث مثلاً، وأحدهم يكون متخصصاً في القرآن وعلومه، والآخر يكون في أصول الفقه، والآخر يكون في مثلاً في القراءات أو غير ذلك من الفنون المتعددة. فهكذا أنت تأخذ من هذا، وتأخذ من هذا، وتأخذ من هذا، تستفيد في علوم شتى. وأما أعماله ومناصبه: فجلس تحت قبة النسر بالجامع الأموي بدمشق للتعليم والإقراء. وبعد أن استفاد هذا الشيخ، جلس بعد أن أجازه مشايخه، جلس في تحت هذا المكان ليعلم الناس، لأنهم قد استفاد، ومن استفاد يفيد، والعلم يزيد بالإنفاق منه، وينقص إن به كفا شددت، يعني إذا أمسكت العلم ما زاد، وإذا أنفقته يزيد ويثبت ويرسخ في ذهنك. وفي عام سبعمائة وأربعة وسبعين للهجرة أجاز له أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، الحافظ المفسر المعروف، الإفتاء، كما أجاز له الإفتاء كل من ضياء الدين والبلقين عام سبعمائة وثمانية وسبعين للهجرة. وقد ولي قضاء دمشق عام سبعمائة وثلاثة وثلاثين للهجرة، وبنى مدرسة في دمشق سماها دار القرآن، لأنه اهتم بكتاب الله عز وجل فنبغ ونبل في هذا الشأن. ابن الجزري رحمه الله تعالى صار إماماً من أئمة الدين في هذا الجانب العظيم، وكم من من جاء بعده أخذ منه واغترف منه، فهو من أئمة القراء، إمام في القراءات، له كتاب النشر في القراءات العشر، وله منظومة طيبة النشر في القراءات العشر، فكم من يغترف من ابن الجزري رحمه الله تعالى. وأما تلامذته: فأخذ عنه القراء طوائف لا يحصون، بعدما جلس للتدريس أخذ الناس عنه طوائف لا تحصى. كم ستحصي لهذا الإمام ممن أخذ منه؟ يأتي الناس ويرحل الناس، وكثير أخذ عنه كتاب الله عز وجل مشافهة إقراء، إقراء، ويرحل، ويرحل، ويرحل، إقراء، ويرحل، ويرحل، ويرحل. منهم من قرأ كتاباً واحداً، ومنهم من قرأ أكثر من كتاب. فممن كمل عليه القراءات العشر بالشام ومصر: ابنه أبو بكر أحمد الذي شرح طيبة النشر، والشيخ محمود بن حسين الشيرازي، ونجيب الدين البيهضي. ومن اليمن: الشيخ عثمان بن عمر المضيئة لهذا الزبيدي، ممن أخذ عن ابن الجزري وقرأ عليه بزبيد سنة ثمانمائة وثمانية وعشرين للهجرة، وكان مخطوطاً بدمشق، وطبع الآن بتحقيق الشيخ عبد الرزاق بن علي بن إبراهيم موسى، صاحب كتاب الفوائد التجويدية في شرح الجزرية، وهذا الكتاب موجود أيضاً، الفوائد التجويدية شرح الجزرية لعبد الرزاق بن علي موسى. وأما مؤلفات ابن الجزري: فله مؤلفات كثيرة نافعة، ما بين منثور ومنظوم، تدل على قوة وسعة اطلاع ورسوخ قدمه في مختلف الفنون، منها مطبوع ومنها مخطوط. فمن مؤلفاته: غاية النهاية في طبقات القراء، يعني ذكر فيه القراء وطبقات القراء، الطبقة الأولى، الطبقة الثانية من القراء. وقد كان الصحابة يسمون بماذا؟ يسمون بالقراء. الصحابة كانوا يقال لهم القراء، أي أنهم الذين اعتنوا بكتاب الله عز وجل حفظاً وتلاوة وعملاً وغير ذلك مما يعتنى فيه بكتاب الله عز وجل. حتى قال حذيفة: يا معشر القراء استقيموا. الخاطر من الخاطر، الصحابة العلماء، يا معشر العلماء يسمون القراء، يا معشر... ما تجد عالماً غير قارئ، بل العلماء هم ماذا؟ هم قراء. قال: يا معشر القراء استقيموا، فإن أخذتم يميناً أو شمالاً فقد سبقتم سبقاً بعيداً. يقول لهم: مشوا على خط واحد، سيروا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، لا تخرجوا كذا ولا كذا. هكذا يخاطب القراء. قال: ومنها النشر في القراءات العشر، وطيبة النشر وهي المنظومة في القراءات العشر، وهذه المقدمة التي تسمى بمقدمة ابن الجزري التي بين أيدينا. وأما وفاته: فتوفي رحمه الله سنة 833 للهجرة بمدينة شيراز، ودفن بدار القرآن التي أنشأها، عن 82 سنة، بعد أن بلغ الذروة في علوم التجويد والقراءات، مع ما ترك من المؤلفات العظيمة النافعة. وله ترجمة في غاية النهاية، وأيضاً ترجمة له غير واحد من العلماء. وللجزرية شروحات كثيرة، اعتنى العلماء بالجزرية، منها على سبيل المثال لا الحصر: الفوائد المسعدية في شرح المقدمة الجزرية لعمر بن إبراهيم المسعدي المعروف بن كاسيوخة، وقيل بالشين كاسيوخة، تلف في ماذا؟ في هذه النسبة. ومنها الآلاء السنية شرح المقدمة الجزرية للقصطلاني، ومنها شرح المقدمة الجزرية لمحمود شاهيد، ومنها الدقائق المحكمة لزكريا الأنصاري، وهذه رأيت بعضها مطبوعة في دار الحديث بدماج العامرة. والفوائد المفهمة شرح الجزرية لابن يالوشة، والفوائد التجويدية في شرح المقدمة الجزرية لعبد الرزاق بن علي بن إبراهيم موسى، والمنح الفكرية لملا علي القاري، والروضة الندية لمحمود بن محمد العبد. هذه ثمانية شروحات للجزرية، يدل على عناية العلماء بها. وطلاب هذا الفن، يعني فن التجويد، لا يستغنون عنها أبداً، فما من دارس إلا ولابد أنه إذا أخذ شيئاً من الفنون، خصوصاً في التجويد، لابد له أن يطلع على الجزرية نظماً وشرحاً ويفهمها، حتى يفتح الله عز وجل عليه. فإن لم يفهمها في المرة الأولى درسها مرة أخرى. وينبغي هنا التنبيه على أهمية حفظ المتن، فإن حفظ المتن من الأهمية بمكان، يساعد الطالب على معرفة بعض الكلمات التي توجد في كتاب الله عز وجل كيفية نطقها. ولهذا ذكر ابن الجزري مجموعة من الكلمات لأجل التمييز بينها وبين غيرها، خصوصاً في مسألة الضاد التي تشكل على كثير من القراء، فذكر فصلاً في باب الضاد، وذكر كذلك فصلاً في باب التاءات التي تأتي في القرآن، وقليل ما نبه كثيراً، أو ما عرج كثيراً على مسألة القراءات، لأن هذه لها باب خاص، القراءات، سواء كانت السبعية أو القراءات العشر، فما أكثر منها في هذه المنظومة، وإنما ذكر اللب كما يقال في فن التجويد، وترك أشياء يحتاج إليها الطالب في هذا حتى يتوسع، فإذا توسع بعد ذلك فإن هناك منظومات أخرى تشمل أبواباً أخرى. وهنا ذكرنا مقدمة، مقدمة ابن الجزري رحمه الله تعالى، أنه ابتدأ بالبسملة أولاً، ابتداءً بكتاب الله عز وجل حيث هو مبتدئ بالبسملة، ثم ثانياً عملاً بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في إرساله الرسائل إلى الملوك مبتدأة فيها بالبسملة، كما في حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان في هرقل عندما قرأ الكتاب، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. وهكذا أيضاً لما بعث نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام ذلك الكتاب إلى ملكة سبأ، وقرأته عليهم، فقالت: إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين. وقد ذكر فيه أحاديث لكنها لا تثبت، فهي ضعيفة، مثل حديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع. وهذا الحديث ضعفه الألباني رحم الله كما في الإرواء في الحديث الأول. ثم هل يجوز الابتداء بالبسملة في الشعر؟ الجواب: نعم يجوز، وهو قول الجمهور، واختاره الخطيب. ومنهم من فصل، أي من الجمهور، وقال: إن كان الشعر جائزاً حسناً فذاك، وإلا فلا، أي يمنع في الشعر المحرم، ويجوز في الشعر الذي هو مباح أو شعر جائز أو شعر حسن جميل. ومنهم من منع مطلقاً، لا في هذا ولا في هذا، وهذا مذهب الشعبي والزهري. يقول الناظم: ما هنا في المقدمة، والذي ما معه مثلاً كتاب يأخذ أقل شي المتن، أقل شي يأخذ المتن هذا الصغير الذي هو هذا، إن كان معه هذا المتن فيفتحه الآن حتى يتابع معنا نطق الجزرية، وإلا يأخذ شرحاً مثل هذا الشرح، إذا استطاع يأخذه فإنه سيقرب له الشرح، ولا ولن يستغرق كتابة لأن الكتابة تأخذ وقتاً، ولكن سأقرأ الشرح، ومن معه دفتر يلخص، ومن اشترى كتاباً فهو سيتابع، وإلا أقل شي أنه يفهم، يعني ما يلقى عليه، أو يستمع إلى شريط إذا كان هناك مسجد. قال الناظم رحمه الله: يقول راجي عفو رب سامعي، محمد بن الجزري الشافعي. يقول راجي عفو رب سامعي، محمد بن الجزري الشافعي. شرح هذا البيت: الراجي هو الطالب، والرجاء تعلق القلب بمرغوب في حصوله مع الأخذ في أسباب الحصول، وإلا كان طمعاً مذموماً، وهو والأمل ضد اليأس. هذا معنى كلمة الرجاء، معناها أن الذي يريد شيئاً يرجو في حصوله، لابد أن يعمل له الأسباب، وإلا كان يسمى طمعاً، طمعاً مذموماً. لابد للراجي أن يعمل بالسبب، ترجو رحمة الله اعمل بالأسباب التي توصلك إلى رحمة الله، ترجو الجنة، ترجو غير ذلك مما يسعدك في الدنيا والآخرة، اعمل بالأسباب الموصلة إلى ذلك، فهذا يسمى رجاء. وقيل هو بمعنى الخوف، ويقال أيضاً أن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، وهو وإن كان في بعض الأحيان يفترقان، يقال الرجاء والخوف، وأيضاً يأتي أحياناً بمعنى الخوف. ومنه قوله عز وجل: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. جاء في بعض التفاسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أي لا تخافون عظمة الله. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، ما لكم لا تخافون عظمة الله. ثم قوله في النظم هنا: ﴿رَاجِي عَفْوِ رَبٍّ سَامِعِي﴾. العفو ما هو؟ العفو والصفح وترك المؤاخذة والعقاب على الذنب. وقيل: المتجاوز عن سيئات عباده، المتجاوز عن سيئات عباده، هذا معنى العفو. فالعفو فيه التجاوز وعدم المؤاخذة على الذنب، فهو كما قال بعض العلماء: هو أعم وأشمل من الغفر، فالعفو فيه عدم المؤاخذة، وفيه أيضاً التجاوز عن السيئات. قال: الرب هو المربي، وهو السيد المدبر لشؤون العباد، القائم بحوائجهم، محييهم ومميتهم، القادر عليهم. ولا تطلق معرفة إلا على الله عز وجل، أما في غيره فلا تستعمل إلا مضافة، نحو رب البيت ورب الإبل. الرب معناها في اللغة: المربي والسيد والمدبر للشؤون، فهذا معنى الرب. والله سبحانه وتعالى لا شك أنه هو القائم بحوائج العباد، وهو المحييهم، وهو كذلك الذي يميتهم، وهو القادر عليهم. ولهذا إذا جاءت الرب بالتعريف فلا تطلق إلا على الله، وأما إذا جاءت غير معرفة فإن كانت مضافة فإنها على حسب ما أضيفت إليه، فإذا قيل رب الكعبة فهو الله عز وجل، وإذا قيل مثلاً رب هذه الإبل فمعناه مالك تلك الإبل، ورب الدار فهذا معنى صاحب تلك الدار. ففي غيره تستعمل مضافة، تستعمل مضافة، وأما بالألف واللام فلا تطلق إلا على الله، فلا يقال الرب لأحد من الأشخاص، وإنما الرب يطلق أو تطلق على الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿عَفْوِ رَبٍّ سَامِعِي﴾، ومعنى السامع هنا: السامع للدعاء، المجيب، المثيب له. والسمع صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، خلافاً لمن نفاها كالجهمية، أو عطلها كالمعتزلة، أو أولها كالأشاعرة. السامع هنا بمعنى الإجابة: ﴿سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ﴾، أي أجاب الله دعاء من حمده، هذا معنى السمع. لأن السمع يطلق على معنيين، ولهذا ذكرنا هذه الفائدة، قلنا: سمع الله ينقسم إلى قسمين: سمع عام، فهو سمعه سبحانه وتعالى لكل مسموع، فقوله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وسمع خاص: سمع خاص وهو سمع الإجابة والإثابة، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي أجاب الله دعاء من حمده وأثنى عليه، فهذا معنى ﴿عَفْوِ رَبٍّ سَامِعِي﴾. أراد ابن الجزري رحمه الله أن الله عز وجل يسمعه، وأيضاً يرجو أن الله عز وجل يجيبه، أن الله عز وجل يجيب هذا الداعي لما رجاه. يقول: ﴿رَاجِي عَفْوِ رَبٍّ سَامِعِي﴾، محمد بن الجزري الشافعي. محمد هنا بدل أو عطف بيان، من حيث اللغة يعتبر بدل أو عطف بيان، من حيث النحو ما يعرابه بدل أو عطف بيان لمن؟ للراجي. يقول: راجي، من هو الراجي؟ هذا بينه بعد ذلك بقوله: محمد. ممكن يقول: محمد، يقول: محمد، يقول: محمد، لكن هو قال: ليقول راجي، ثم ذكر من هذا الراجي، قال: محمد. فهنا بدل من راجي، أو عطف، أو عطف بيان، وهو اسم المصنف ابن الجزري، تقدم في المقدمة نسبته. ومن ذكر نسبة أخرى لابن الجزري وهو ملا علي القاري، أنه قال: ينتسب إلى عبد العزيز بن عمر، رجل من أهل برقعيد من عمل الموصل، ولكن المشهورة هي ما تقدم من جزيرة ابن عمر ببلاد المشرق، هذا المشهور. وهنا نسبها القاري، الله أعلم بتلك النسبة. ثم قوله: الشافعي، نسبة إلى مذهب الإمام الشافعي، نسب نفسه إلى مذهب الإمام الشافعي، فهو شافعي من حيث الانتساب إلى المذهب. وإن كان الأولى بالشخص لا ينتسب إلى شيء من هذه المذاهب، بل ينتسب إلى السنة، ينتسب إلى السلفية، هذه النسبة المعصومة. أما الشافعي رحمه الله تعالى فهو غير معصوم، لكن جرى على ذلك كثير من العلماء من المتقدمين ممن جاءوا بعد هؤلاء الأئمة الأربعة، فنسبوا أنفسهم إلى هؤلاء، فمنهم من يقال له شافعي، ومنهم من يقال له حنبلي، ومنهم من يقال له حنفي، ومنهم من يقال له مالكي، لأنه أحياناً في بعض الأزمنة يتغلب، يغلب على الناس هذا، يعني إن لم ينتسب إلى شيء ربما أوذي وعوذي، ترى مثلاً ملك استأثر على بلاد، هذه البلاد كلها ينتسبون إلى الشافعي، من يخالف هذا الإمام فإنه يعادى ويؤذى، فلذلك ترى بعض العلماء ربما نسب نفسه من باب ترك هذا الأذى والعداوة، فيقال: فلان الشافعي، فلان المالكي، فلان... على ما درج عليه الناس، وإن كان هو متحرياً وهو أيضاً محققاً لا يريد الانتساب إلى شخص، وإنما ينتسب إلى السنة، فالشخص ينتسب إلى السنة وإلى السلفية، نسبة حق كما قال العلامة ابن باز، ونسبة واجبة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، لابد أنت الآن تميز نفسك من بين سائر الطوائف والنحل والملل في هذا الزمان التي كثرت فيه الفرق، وتقول: أنا سلفي، أنا سني، تنتسب إلى السلفية وإلى السنة، النسبة الواجبة والنسبة الحق. ثم قال الناظم رحمه الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ﴾. الحمد هنا في اللغة: الثناء. الحمد في اللغة الثناء، وفي الاصطلاح: الإخبار عن محاسن المحمود مع محبته وإجلاله وتعظيمه. هذا التعريف الصحيح الذي ذكره ابن القيم رحمه الله في البدايع. هذا التعريف الصحيح الذي ذكره ابن القيم في البدايع. وهناك تعريف مشى عليه كثير من العلماء، وهو تعريف قاصر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، الثناء باللسان فقط على الجميل الاختياري، هذا التعريف قاصر، لأنه لا يكون إلا مقابل النعمة، الحمد مقابل النعمة، هذا قصور فيه، وإنما الحمد يكون لله عز وجل على كل حال، مقابل نعمة أو لم يكن هناك نعمة، بأن كانت عندك مثلاً مصيبة وبلية، ألا تحمد الله عز وجل؟ تقول: الحمد لله، نعم تقول: الحمد لله، وإن أصابتك ضراء، فإن أصابتك سراء أو أصابتك ضراء قلت: الحمد لله على كل حال. فالتعريف الصحيح: الإخبار عن محاسن المحمود مع محبته وإجلاله وتعظيمه، هذا التعريف الاصطلاحي للحمد، تعريف صحيح كما قال ابن القيم في البدايع. وألف الحمد للاستغراق عند أهل السنة، خلافاً للمعتزلة. انظر: الحمد، أل هنا للاستغراق، جميع المحمد هي لله سبحانه وتعالى. ألف الحمد هنا للاستغراق، أي كل حمد صدر من حامد فهو لله جل وعلا. ولهذا اللام تأتي للملك والاختصاص والاستحقاق، الملك والاستحقاق، كل حمد يستحقه الله عز وجل، كل حمد من كل... الله عز وجل، كل حمد مختص به الله عز وجل، فهذا معنى الحمد لله. ولهذا المعنى أن كل حمد صدر من حامد فهو ثابت لله مختص به دون من سواه. وابتدأ الناظم بعد البسملة بالحمد له أيضاً، اقتداء بكتاب الله عز وجل، لأن أول سورة فيما بدئت بالحمد بعد البسملة، وأيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يبتدي الخطب بماذا؟ بالحمد لله عز وجل والثناء عليه، كما في حديث جابر وحديث ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ﴾، فيبدأ بالثناء لأن الحمد فيه ثناء على الله سبحانه وتعالى ومستحق لذلك. ثم قال: ﴿وَصَلَّى اللَّهُ﴾. الصلاة في اللغة الدعاء، هذا عند كثير من العلماء، الصلاة في اللغة الدعاء، وأخذوا ذلك من قوله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ما معنى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾؟ أن يدعو لهم، بعدما تأخذ الصدقة ادعوا لهم بالنماء وبالخير. وهذا القول، وهو أن الصلاة بمعنى الدعاء، ردها ابن القيم رحمه الله في البدايع، قال: الصلاة من العباد بمعنى الدعاء مشكل من وجوه: أحدها أن الدعاء يكون بالخير والشر، والصلاة لا تكون إلا في الخير. الثاني: أن دَعَوْت تعدى باللام، وصَلَّيْت لا تعدى إلا بعلى، ودعاء المعدى بعلى ليس بمعنى صلى، وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء. يعني ابن القيم أتى من ناحية لغوية، وأتى من ناحية المعنى، فذكر في هذين الجوابين. والجواب الثالث: أن فعل الدعاء يقتضي مدعو ومدعو له، تقول: دعوت الله لك بخير، إذن هناك مدعو وهو الله، ومدعو له وهو هذا الإنسان، وفعل الصلاة لا يقتضي ذلك، فلا تقول: صليت الله عليك، لا تقول: صليت الله عليك، إذن لما افترق في المبنى افترق ذلك في المعنى. تقول: دعوت الله لك، هذا المعنى صحيح، أما تقول: صليت الله لك؟ هل يقول أحد لشخص: صليت الله لك بمعنى دعوت الله لك؟ أم أنك تأتي بلفظ الدعاء فتقول: دعوت الله لك، ولا تستخدم لفظة صليت الله عليه؟ قال: هذا الافتراق أدل على أن الصلاة بمعنى الدعاء غير صحيح. قال: فدل على أنه ليس بمعنى... إذن ما هو المعنى عند ابن القيم رحمه الله؟ الصلاة تأتي بمعنى الحنو والعطف، معنى الحنو والعطف، لما تصلي على فلان أي تحن عليه وتعطف عليه، هذا كلام السهيلي رحمه الله تعالى، ولهذا رجحه ابن القيم كما في البدايع. لكن أكثر العلماء على أن الصلاة بمعنى الدعاء، كما في الآية. ثم الصلاة من الله على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، الصلاة من الله على نبيه كما في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، فصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، ثناؤه عليه أي على النبي صلى الله عليه في الملأ الأعلى، وهم الملائكة، الملأ الذي فيه الملائكة. هذا ذكره أبو العالية رحمه الله تعالى، ذكره البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، ووصله إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده حسن. قال ابن القيم رحمه الله: فائدة أخرى، الصلاة من الله بمعنى الرحمة، هل هذا صحيح؟ يقولون: الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، أي أن الله يرحم نبيه. هل الصلاة بمعنى الرحمة؟ قال: لا، والجواب على ذلك من وجوه: أن الصلاة من الله كما هي عند العوام، العوام يقولون: الصلاة من الله بمعنى الرحمة، هذا باطل. أحدها: أن الله تعالى غاير بينهما في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، انظر التغاير: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة سيكون معنى الآية: أولئك عليهم رحمات من ربهم ورحمة، هل يستقيم هذا؟ ما يستقيم، إذن لما غير بينهما: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، بل على أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة. الثاني: أن سؤال الرحمة تشرع لكل مسلم، والصلاة تختص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحق له ولآله، ولهذا منع الكثير من العلماء الصلاة على معين غيره، ولا يمنع... ولم يمنع أحد من الترحم على معين، تقول: رحم الله فلان، الله يرحمك، يصح هذا التعبير، ولا لا يصح؟ تقول: صلى الله على محمد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا خاص به. طيب: صلى الله على علي، ولا صلى الله عليه، هل يصح هذا؟ ها، هل يصح ولا ما يصح؟ أنا أريد الآن أدعو لك بالرحمة، وأريد أن آتي بأن معنى الصلاة هي الرحمة، فأقول لك: صلى الله عليك، بمعنى عندي: الله يرحمك. ها، بدل ما أقول: الله يرحمك، أقول: الله يصلي عليك، هل هذا صح ولا ما يصح؟ ما رأيكم؟ ها، هذا ما يصح، لكن: صلى الله على النبي يصح ولا ما يصح؟ لأن هذا مما أمرنا به أن نصلي على رسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. العلماء كرهوا أن يقال لشخص غير رسول عليه الصلاة والسلام: صلى الله عليه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال لجماعة من الصحابة: صلى الله عليك، ولا لا؟ قال لجماعة، قال لأبي الدرداء، وقال لجابر: صلى الله عليك وعلى زوجك. النبي صلى الله عليه وسلم قالها، منهم من منع، ومنهم من لم يمنع، والأولى... والأولى كما قال الجمهور: منع ذلك، منع ذلك، وأن الصلاة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما النبي عليه الصلاة والسلام يصلي على من يشاء من أصحابه، فقال: صلى الله عليك يا أبا الدرداء، صلى الله عليك يا جابر أنت وزوجك. فهذه قالها النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الصحابة، ولم يقلها لكل من طلب منه الدعاء، لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام لكل من طلب منه الدعاء. فهكذا أنت لا تستخدم هذه الألفاظ إلا بنص، فإذا جاز ذلك في الجميع نقول: نستخدم الصلاة بمعنى الرحمة، لكن الصحيح أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة، فتقول للشخص: رحمك الله، الله يرحمك، ولا تقول: صلى الله عليك، وإنما يقال هذا للنبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: أن رحمة الله عامة وسعت كل شيء، وصلاته خاصة بخواص عباده، الصلاة هنا خاصة، خاصة بخواص عباده، والرحمة عامة، رحمة الله وسعت كل شيء، لكن صلاته سبحانه وتعالى ليست لكل أحد، وإنما هي لخواص عباده كالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. هذا ما ذكره ابن القيم وهو كلام طيب. ثم هنا تنبيه آخر: أن ابن الجزري رحمه الله تعالى لم يذكر السلام على النبي عليه الصلاة والسلام، قال: الحمد لله وصلى الله، أين السلام؟ الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فلم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فالأولى كان يذكره، ما ذكره في المقدمة، في مقدمة الأبيات، لكن ذكره في آخر الأبيات، ذكر السلام مع الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الجزرية، فهذا يعتذر له. الأولى ذكره حتى هنا، ولهذا كره جماعة من العلم الاقتصار على الصلاة دون السلام، قال النووي كما ذكره عنه ابن كثير: قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: صلى الله عليك فقط، ولا: عليه السلام فقط، هذا من باب الكراهة، من باب الكراهة، وليس معنى أن ذلك محرم، إذا قلت: صلى الله بدون السلام على رسول الله ليس أنك تأثم، يكون حرام عليك، لكن كره العلماء، أنت مأمور بالصلاة والسلام تجمعهما، نقول: الأولى تجمعهما، فإذا قلت: قال رسول الله عليه السلام، هذا جيد، جيد، استقدمه بعض العلماء، لكن نقول: ما هو الأولى؟ الأولى أن تقول: صلى الله عليه وسلم، فتجمع بين الصلاة والتسليم، تجمع بين الصلاة والتسليم، هذا من باب الأولى. ولعل الوقت قد انتهى، فنكتفي بهذا إن شاء الله، والبقية... والبقية نتركها في الدرس القادم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وبالنسبة للتلقين في الأيام المقبلة إن شاء الله نأخذ شيئاً من التلقين بعد ما نأخذ، سنقلل، لأنه فقط الآن نريد نمشي في المقدمة، وبعد ذلك نقلل، يكون الدرس مدة نصف ساعة، وبعده تلقين عشر دقائق أو ربع ساعة، على حسب ما يتيسر من الوقت إن شاء الله تعالى. إلى هنا هو موجود في مطوية الجزرية، والآن أنا أحاول أصلح تلك الجزرية.