شرح لمعة الاعتقاد 80

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية هجران أهل البدع وترك الجدال

يناقش أهمية هجران أهل البدع وترك الجدال والخصومات في الدين، ويستشهد بأحاديث نبوية وأقوال السلف الصالح في ذلك. يحذر من الجدال في القرآن والتعارض بين الآيات والأحاديث بسبب سوء الفهم.

ضوابط المناقشة العلمية وحدودها

يشرح أن المناقشة العلمية جائزة إذا كانت بعيدة عن الجدال والخصومات، وأما الجدال الذي يتضمن الخصومات والبغضاء فهو مذموم. ينبغي لمن يرد على البدع أن يتسلح بالعلم ولا يدخل الشبه إلى قلبه.

تحذير السلف من الجدال والمراء

يذكر تحذير السلف من الجدال والمراء مع أهل البدع، لأن القلب ضعيف والشبه خطافة. يشترط لمناظرة أهل البدع أن يكون عنده علم بمذهب أهل السنة وعلم بشبه المبتدعة وقدرة على عرض الأدلة.

التحذير من الخصومات وكتب المبتدعة

التحذير من الدخول في الخصومات الدينية والنظر في كتب المبتدعة لما في ذلك من إثارة للشبهات وضعف التمسك بالسنة. الاستماع إلى كل ما هو جديد في الدين يعتبر بدعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال: ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة. أخذنا مثل هجران أهل البدع ومباينتهم، ومن مراتب مباينتهم أي مفارقتهم وعدم الاختلاط بهم في مجالسهم وغيرها. وترك الجدال والخصومات في الدين مسألة، ترك الجدال هذه قد جاءت الأحاديث وكذلك آثار السلف بترك هذا الجدال. ومن الأحاديث التي فيها ترك الجدال قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المراء في القرآن كفر»، «المراء في القرآن كفر»، أخرجه أحمد، وهو صحيح. والمراء في القرآن أي الجدال في القرآن. وسمع النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة، هذا يأتي بآية وهذا يأتي بآية، أي يتحاجون في الآيات، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إنما أهلك من كان قبلكم بهذا، إنما أهلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض». وهذه الطريقة ينبغي لطلبة العلم وغيرهم أن ينتبهوا لها، لأنه يحصل أحيانا مثل هذا، فيأتي هذا بآية يستشهد بها في مكان، وهذا يأتي بآية كأنها تعارض الآية الأخرى، وكأن هناك معارضة بين الآيات أو بين حديث، وليس هناك معارضة أبدا، وإنما المعارضة في الفهم. فلهذا العلماء إذا رأوا شيئا فيه تعارض، جمعوا بينه أو رجحوا بين هذه الأدلة. فلهذا لا ينبغي أن يجعل الإنسان القرآن كأنه متعارض، أو السنة والقرآن كأنه فيه تعارض، فيأتي بآية ولا يأتي بمعنى الاستدلال. بعض الناس مثلا يأتي بالآية وتجد هذا الاستدلال بعيد، هذا الاستدلال بعيد عن الموطن أو الموطن الذي أراد أن يستدل به، فيأتي له الخصم بآية أخرى. فأولا يبين أن الآية التي استدل بها الخصم ليست الاستدلال فيها صحيح. ولهذا ذكر الإمام الخطيب البغدادي في «الفقيه المتفقه» أن من المناظرات الصحيحة أنه أولا يبين أن استدلاله بالآيات أو بالأحاديث استدلالا غير صحيح إذا كان أراد أن يعارضه بأدلة أخرى. فلهذا فالجدال يحصل فيه مثل هذه الأمور. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا، لمن ترك المراء ولو كان محقا». ترك المراء، ترك الجدل والخصومة. أما المناقشة العلمية فهذا جائز، المناقشة العلمية إذا لم تكن على طريقة الجدال فهو جائز، أن يناقش الأدلة ويناقش أيضا المسائل ويأتي بالاستدلالات، ما في شيء. لكن لا ينبغي أن يعرضها على أنها تعارض، وأيضا لا يناقش لأجل أن يأخذ الحق، وإنما لأجل أن يعرض قوله، معنى يريد أن يعدد قوله فقط، ليس أنه سيأخذ أو أنه يريد الحق في هذه المسألة. ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يبين فيقول: كنت ما نظرت أحدا إلا وكنت آمل أن آخذ بقوله، فأنا ما نظرت أحدا إلا وأنا أريد أن آخذ بقوله إن كان حقا. فلهذا فالنقاش العلمي ما في شيء. ولهذا أيضا أخرج العلماء من قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن حَجَّ فَلا رَفقَ وَلا فُسوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجِّ﴾، فالنقاش العلمي الذي ليس فيه بغضاء ولا شحناء، وإنما فيه مدارسة العلم، فهذا ما في شيء. وأما الجدال الذي فيه الخصومات وغيرها، فهو الذي عانته الأحاديث، وأن من تركه فإنه قد وعده النبي عليه الصلاة والسلام ببيت بربض الجنة، بقعرها وبمعنى وسطها، لمن ترك المراء ولو كان محقا. وهناك أشياء أيضا العلماء كانوا يحذرون من مراء أهل البدع. كما جاء عن نبي قلابة رحمه الله أنه قال: «لا تجادلوا أهل البدع ولا تماروهم، فإني لا آمن عليكم أن يغمسوكم في ضلالتهم». عن كثرة المماراة، خاصة إذا كان الإنسان ليس متسلحا بما عند القوم، فإنه يدخل الشبه في نفسه. وينبغي لمن أراد أن يرد على هذه البدع أنه إذا جاءته شبهة لا يدخلها إلى قلبه، لا يدخل هذه الشبهة إلى قلبه، وإنما يعرضها على الكتاب والسنة. ثم إن لم يستطع أن يجيب عليها يسأل أهل العلم، يسأل أهل العلم في هذه الشبهة، ولا يدخلها في نفسه، لأن الشبه خطافة. قد تأتي شبهة عند الإنسان يظنها صحيحة، وهي ليست صحيحة، لكن بقلة علمه وكذلك قلة فهمه يظن أنها صحيحة. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: كانت الشبه تدخل علي فسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا، فقال: «لا تجعل قلبك كالإسفنجة، واجعل قلبك كالزجاج»، لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الشبه، الإسفنجة إذا جاءت الماء بسرعة تتشرب الماء، بخلاف الزجاج، الزجاج لا يدخل الماء حتى يعرض فيه. فلهذا كم إنسان زل وضل بسبب إدخال الشبه عليه. لهذا كان العلماء السلف كانوا يقولون قديما: «القلوب ضعيفة والشبه خطافة»، ما جاء عن عبد الرزاق وغيره: «القلوب ضعيفة والشبه خطافة». وقال عبد الرزاق: «وليس الدين لمن غلب»، لما قال له عمر بن عبيد: قال عبد الرزاق لعمر بن عبيد: إني سمعت أنك مع المعتزلة، فقال: ندخل ونتكلم، فقال: «لا، إن القلب ضعيف والشبه خطافة، وليس الدين لمن غلب». وهذا صحيح، أنه ليس الدين لمن غلب في المناظرة أو في المجادلة، أن قوله صحيح. قد يكون المناظر من أهل السنة مثلا ضعيف الحجة، ضعيف العرض. أحيانا الإنسان يكون عنده علم وعنده أيضا معرفة بطرق البدع، لكن عنده ضعف في العرض، عنده ضعف في عرض الشبهات أو في عرض الرد وعرض الأدلة وعدم استحضاره لأدلة. فهذا كله يجعل هذا المناظر الذي هو من أهل السنة مثلا يجعل موقف السنة ضعيف. فلهذا لا يتناظر إنسان إلا بحدة شروط، أولا أن يكون عنده علم بمذهب أهل السنة، والأمر الثاني أن يكون عنده علم بشبه المبتدعة أو غيرهم من الضلال، والأمر الثالث أن يستطيع عنده داكرة في العرض، يعرض الأدلة ويستطيع أن يستحضر الأدلة في مقامه ذلك، وغيرها من الشروط التي قد ذكرت في الكتب. وقد ذكر شيء من هذا أو من شروط المناظر وغيره الإمام الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه». وإلا كما قلنا كان السلف يحذرون من المجادلة والمراء. وقد عقد الإمام الأجري في «الشريعة» فصلا في هذا الباب، وكذلك ابن بطة في «الإبانة» وأطال فيه، أي ابن بطة أطال فيه تقرير هذا الأمر، وهو أنه لا يجادل أهل البدع. وقال الإمام محمد: «لا يجادل إلا المضطر»، لا يجادل إلا مضطر، يعني إذا اضطر إلى الجدال يجادل، وإلا فلأولى أنه لا يجادل. قال: «والخصومات في الدين وترك النظر في كتب المبتدعة حتى لا تدخل عليه الشبه فأيضا تزل أو يزل قلبه»، وأيضا يضعف تمسكه بالسنة، بل قد يضعف قلبه أو تمسكه بالدين. قال: «والإصغاء إلى كلام كل محدثة في الدين بدعة». ومسألة كل محدثة في الدين بدعة، هذه إن شاء الله نتركها في درس لاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى.