رمضان والمقامات الحسان - مقام الصبر 5

رمضان والمقامات الحسان - مقام الصبر 5

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام الصبر 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة عن رمضان والصبر

رمضان هو شهر الصبر، وقد ورد ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعا، مما يدل على أهميته في الدين. يُعد الصبر من أعظم مقامات الدين.

أقسام الصبر وعلاقته بالصوم

الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر على الأقدار المؤلمة، وهذه الأقسام تظهر بوضوح في شهر رمضان. الصوم يرتبط بالصبر ارتباطا وثيقا.

تأثير الصيام على تربية الصبر

الصيام يربي المسلم على الصبر بأنواعه الثلاثة، حيث يعزز الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار المؤلمة. من خلال الصيام، يستطيع المسلم كبح جماح نفسه عن المعاصي.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة على النبي

يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى علم الله تعالى. الصلاة على النبي تعتبر من الأمور المهمة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من مقامات الدين العظام، وهي من أركانه الحسان، مقام عظيم وخلق رفيع، ألا وهو خلق الصبر، هذا الخلق وهذا المقام الذي يعد من أعظم مقامات الدين، بل هو منزل من منازل السالكين والسائلين، وهو مقام يتمسك به من أراد مرضاة رب العالمين. قال بعض السلف الصالح رحمهم الله: ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعا، وما هذا التكرار للصبر في القرآن إلا لبيان منزلة الصبر في الإسلام، وأن من تمسك به عصمه الله جل وعلا من الخسران. ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾، من تمسك بالصبر سلم من الخسارة. ولا أدل -إخواني في الله- على عظيم مقام الصبر في الدين من أن الله جل وعلا أمر به، ولا يأمر ربنا إلا بعظيم. قال جل في علاه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾. وقال ربنا جل في علاه: ﴿ واصبر وما صبرك إلا بالله ﴾، فالأمر بالصبر دل على عظمته عند ربه سبحانه وتعالى. بل إن أهل الجنة ما دخلوا الجنة بمثل تحليهم بخلق الصبر، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقب الدار ﴾. فلما كان هؤلاء من أهل الصبر استحقوا الجنان. إخواني في الله، لست في هذا المقام بصدد أن أتتبع فضائل الصبر، وإلا ففضائله كثيرة جدا، وإنما ذكرت هذا المقام في هذا المقام لكي أدلل على أن رمضان من أعظم ما يهدف إليه أنه يهدف إلى أن نحقق هذا الخلق العظيم، وهذا الخلق الجليل، ألا وهو أن نكون من الصابرين. والأدلة على ذلك كثيرة، حسبي في هذا المقام أن أبين لكم أن الشرع الحكيم هو بنفسه قد سمى شهر رمضان بشهر الصبر. ولا يوجد شيء بعد هذا الاستدلال، جاء في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر هو صوم الدهر». قال عليه الصلاة والسلام: «شهر الصبر». ما هو شهر الصبر؟ رمضان. رمضان شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر هو صوم الدهر. والحديث أورده الشيخ الألباني في صحيح الجامع. وجاء كذلك من حديث «كهمس الهلال» رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بهذه الوصية فقال: «صم شهر الصبر ويوما من كل شهر». فالشاهد أن النبي قال له: «صم شهر الصبر». ما هو شهر الصبر؟ رمضان. رمضان وصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه شهر الصبر. بل إن الإمام البغوي رحمه الله تعالى فسر قول الله جل في علاه: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾، قال رحمه الله: «والصبر هاهنا الصوم». الصوم بمعنى: ﴿ واستعينوا بالصوم والصلاة ﴾. تستعين بهما في مجاهدة النفس، تستعين بهما في قربك إلى الله، من أعظم ما يستعان به في الطاعة والقرب من الرحمن بمثل الاستعانة بالصلاة والصيام. الشاهد أن هذا الإمام رحمه الله تعالى فسر الصبر هاهنا بالصوم. وهكذا ما جاء في قوله ربنا عز وجل: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال «والصابرون في هذه الآية هم الصائمون على قول أكثر العلماء». ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾، أي: إنما يوفى الصائمون أجرهم بغير حساب. الصبر يفسر بالصوم، والصوم يفسر بالصبر، لتعظيم العلاقة بينهما. ومما يؤيد معنى هذه الآية: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾، ما جاء في الحديث القدسي، قال الله: «والصوم لي وأنا أجزي به». لأن الآية تقول: ﴿ إنما يوفى الصابرون بغير حساب ﴾، أهل الصبر لهم أجر بغير حساب. فسر الصبر بالصوم، وهذا الحديث يدل على ذلك، لأن الصائم أجره بغير حساب: «الصوم لي وأنا أجزي به». يجزي ربنا عز وجل على الصوم الأجر الكثير. حتى قال إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «أما إنهم لا يوزن لهم ولا يكال لهم، وإنما يغرف لهم غرفا». أي: أن أهل الصيام إذا بعثوا عند الله جل وعلا، وأرادوا أن ينالوا ثواب صومهم، فالثواب الذي يجدونه من الله ليس عبارة عن حساب كيل أو ميزان، لا، ما لهم كيل ولا لهم ميزان، وإنما قال الأوزاعي: «يغرف لهم غرفا»، لأن هذا هو معنى الآية: ﴿ بغير حساب ﴾، بغير حساب يعطون الأجر العظيم. الشاهد -إخواني في الله- من خلال هذه الأدلة التي سمعتموها من أقوال العلماء، تجد مدى علاقة الصوم بالصبر، فصوم رمضان هو شهر الصبر. تأتي المسألة: من أي وجه؟ من أي وجه أصبح الصيام يرتبط هذا الارتباط الوثيق بالصبر؟ وجه الارتباط -إخواني في الله- لدرجة أن الصيام يعبر عنه بالصبر، يرجعنا هذا إلى مسألة وهي مسألة الصبر. نبدأ بالصبر. الصبر عند أهل العلم، من خلال استقرائهم للكتاب والسنة، وجدوا أن الصبر ينقسم إلى أقسام ثلاثة: صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي والسيئات، وصبر على الأقدار المؤلمة. الصبر على الطاعات مفاده أن المسلم والمسلمة، الكل ينبغي أن يلزم نفسه إلزاما بأداء ما أمر الله جل وعلا به من الفرائض والواجبات، والحث والترغيب والتحضيض على النوافل والمستحبات، ولو كانت النفس مستكرهة، ولو كانت النفس كارهة لذلك، ينبغي أن تأطها، تضغط على النفس بضرورة فعل الطاعة، هذا صبر على الطاعة. وأن تستمر على هذا المنوال، كلما ضعفت النفس قمت -يا عبد الله- وهذبتها وربيتها على أن تنضي قدما في الطاعة. النوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر عن المعاصي والسيئات، وهو أنك تكبح جماح نفسك من أن لا ترتكب ما يغضب الله جل وعلا من فعل الذنوب والسيئات والحرمات والمحرمات والعظائم والموبقات، ينبغي أن تمنع نفسك. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ولو كانت النفس مشتاقة تواقة لفعل هذه الذنوب والمعاصي، فإنك تكبح جماحها، تمنعها منعا، ولو أن تبقى في صراع معها، تبعدها، تبعدها حتى تلقى الله وأنت على هذا الإبعاد عن الذنوب والسيئات. الصورة الثالثة من أقسام الصبر: صبر على الأقدار المؤلمة، وهو ما يقدره الله على العباد من الآفات، من الأمراض، من الأسقام، من شدة، من بلية، من فتنة، من محنة في المال، وضيق في المعيشة، وشدة في المؤونة، في نفسك أو في أهلك أو في عيالك، هذه الأوضاع المأساوية يبتل الله جل وعلا من يشاء من عباده لكي يختبر صبرهم. اصبر، لا تتسخط، ولا تتذمر، حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، هذا هو الصبر على أقدار الله المؤلمة. وهذه قد جمعت في قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾، ثلاثة أنواع من أنواع الصبر جمعها الله في هذه الآية: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾، صبر على الطاعات والعبادات، صبر عن المعاصي والسيئات، صبر على الأقدار المؤلمة. نأتي الآن إذا فهمنا هذا، نأتي الآن إلى رمضان، وجه علاقة أن رمضان هو شهر الصبر، لأن هذه الأقسام الثلاثة تجدها موجودة كلها في رمضان. في رمضان ستجد -بل ويجب أن تتسلح- بالصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله في رمضان، شعرت بهذا أو لم تشعر. في رمضان تحتاج -عبد الله- إلى أن تصبر على الطاعات، لأن رمضان فرض من فرائض الله، أوجب الله جل وعلا فيه ما أوجب من الطاعات، فيه شعيرة الصيام واجب، واجب أنك تصوم، ولا تهاون في قضية الصيام. ثم تأتي ما يتعلق بزكاة الفطر، وما تأتي بعد ذلك من السنن المؤكدة التي تكون في رمضان، من الحرص على قيام الليل، على التراويح أو التهجد، على الاعتكاف، على قراءة القرآن، هذه الطاعات والعبادات كيف تقوم؟ ما تقوم إلا بالصبر. ولهذا الناس في رمضان يتفاوتون في إقبالهم على الطاعات على مقدار صبرهم، هذا يقرأ الكثير من القرآن، وهذا يقرأ القليل من القرآن، ما الذي فرق بينهما؟ مقدار الصبر. فرمضان يحتاج إلى صبر على الطاعة والعبادة حتى تستطيع أن تؤدي ما أمر الله، وما حث ربنا عليه في رمضان. تحتاج إلى النوع الثاني ولابد، وهو الصبر عن المعاصي، من كان متابعا معنا في المقام الثاني، وهو مقام التقوى، رمضان ومقام التقوى، أشرنا إلى أن أعظم ما يتقى به الرب جل وعلا في رمضان هو الكف عن المعاصي وعن المحارم، كما أشرنا في ذلك الدرس، فكان ينبغي على من أراد أن يكمل له رمضان بالأجر والثواب، كما أنه يقبل على الطاعة، يحجم عن المعصية، يحجم عن السيئات، فلا يقع فيما يغضب ربنا جل وعلا. من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في ذلك، قول الزور: القول المحرم، فعل الزور: الفعل المحرم. فإن لم تكف أو ترعوي عن فعل المحرمات في شهر رمضان، فما الفائدة من صيامك؟ ولن تستطيع أن تكف عن المعاصي إلا بالصبر، تصبر -يا عبد الله- بابتعادك عما يغضب الله جل وعلا. ثم ثالثا: الصبر على الأقدار المؤلمة، رمضان نعم، يجد الإنسان فيه المشقة، ما يجده من ألم الجوع أحيانا، بعضهم سيجد جوعا، ومع ذلك يصبر على هذا الجوع، يجد حرارة، ماذا؟ الضمأ، لربما يرى الماء أمامه فيحس بماذا؟ بحرارته في جوفه، أو كذلك لربما يبتلى في بعض المواسم وفي بعض الأزمان بطول ساعات النهار، لربما بلغت ساعات النهار تسع ساعات، عشر ساعات، أو أكثر، عشر ساعات في بعض المواسم. أو لربما يبتلى الإنسان في بعض مواسم رمضان بشدة الحرارة تضرب على رأسه، هذه أقدار مؤلمة، ما الذي يفعل الصائم إزاءها؟ يصبر، يصبر. فتجد أن الصائم في رمضان يتقلب بين أنواع الصبر الثلاثة، فهو صابر على الطاعة، صابر عن المعاصي، صابر على الأقدار المؤلمة، فكان رمضان هو شهر الصبر. ولهذا قال العلماء -كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى-: وفي رمضان اجتمعت أنواع الصبر الثلاثة، فليس فقط لا تظن أنك -يا عبد الله- في رمضان تتعلم شيئا من أنواع الصبر، لا، بل أنت في رمضان قد وصلت إلى أعظم مراتب الصبر. لهذا قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وأفضل أنواع الصبر الصيام»، أفضل أنواع الصبر الصيام. فمن أراد أن يكون من عباد الله الصابرين حقا وصدقا، فليكثر من الصوم، لأن هذا قمة الصبر: تصبر على الطاعة، تصبر عن المعصية، تصبر على أقدار الله المؤلمة. وبهذا نعلم -إخواني في الله- عظيم هذه العلاقة الوثيقة الوطيدة بين الصيام وبين الصبر. ومن هنا -إخواني في الله- تأتي الفائدة، إذا وجد الإنسان من نفسه، وها هو في رمضان، تمر عليه الليالي والأيام وهو يصوم ساعات النهار صابرا محتسبا، وتمر عليك هذه المدة شهرا بأكمله، ثلاثين يوما، عن ماذا كففت؟ كففت عن الطعام والشراب، وهما أساس الحياة، قوام الإنسان على طعامه وشرابه. فبلغت من القوة والعزيمة والإرادة أنك -يا عبد الله- استطعت أن تغض الطرف عن مادة الحياة، عن الماء وعن الطعام والزاد. فإذا استطعت على ذلك -يا عبد الله- فما أظنك أن ما دونها أنت عليه أقدر، بالتخلص منه. إن كففت عن الطعام والشراب هذه الساعات وهذه الليالي والأيام، فوالله ما دونها -أي المعاصي والسيئات والعادات السيئة- أهون عليك. كم من مبتلين ببعض ما لربما يتعبنا في نصيحته وإرشاده؟ يا عبد الله، دع هذه البلية، دع التدخين، دع السجائر، دع الشمة، دع هذه البلية. لربما واجهك: أخي، ما أستطيع، أنا ما أقدر، يا أخي، أنا إذا جاء الظهر وأنا ما خزنت، أنا أجد نفسي مضطربا، ما أنا مرتاح، ما أستطيع. أو أن ثم يأتيك بهذه الحجج، ويكأنه سيموت وسيهلك أو سيصرع إذا ما أدى هذه الأفعال المشينة السيئة. لكن بيننا وبينك -يا عبد الله- رمضان، تعال -يا عبد الله- صائم، قال: نعم، صائم. كم لك صائم؟ أيام وليالي تركت الطعام والشراب، وتركت العادات السيئة، قال: نعم. إذن تستطيع. والله لو أن الإنسان صدق مع نفسه لعلم أن السيئات والمعاصي والذنوب والعادات السيئة أنها دخيلة عليه، هو الذي أدخلها على نفسه، ما هي هجمت عليه، هو الذي أدخلها ويستطيع أن يخرجها كما أدخلها. إذا استطاع أن يمتنع عن الطعام والشرب وهو أساس الحياة، فما دونها أهون، لكن يحتاج إلى عزيمة، يحتاج إلى إرادة، يحتاج إلى صدق مع الله، سيعينه الله. أما أنك تخادع نفسك، تخادع من ينصحك، تخادع ربك، يخادعون أنفسهم، ولا تخدع ربك عز وجل. فيا عبد الله، اجعل من هذا الشهر خاصة، ومن هذا المقام بشكل أخص، مقام الصبر، مدرسة تتعلمها. كلما وجدت نفسك أنك على عادة سيئة، اعلم ما كان من تربية الصيام لك، الصيام ما أراد إلا أن يربينا على الصبر، نصبر على الطاعة، نصبر عن المعصية، ونصبر على أقدار، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.