رمضان والمقامات الحسان - مقام التقوى 3

رمضان والمقامات الحسان - مقام التقوى 3

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام التقوى 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام التقوى في رمضان وتأصيل معنى الصيام

يتناول هذا الفصل أهمية مقام التقوى في شهر رمضان، ويوضح أن الصيام ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب بل هو وسيلة لتحقيق التقوى والابتعاد عن الذنوب والمعاصي. يُؤكد على أن حقيقة الصيام تكمن في ترك الحرام.

معنى التقوى والصيام عن المحرمات

يشرح هذا الفصل معنى التقوى وأهميتها في رمضان، ويبين أن الصيام يشمل الامتناع عن المعاصي والمحرمات وليس فقط الطعام والشراب. يذكر آراء السلف الصالح في ضرورة الحفاظ على الجوارح عن المحرمات أثناء الصيام.

علاقة الصوم بالتقوى وتقييم واقع الصائمين

يناقش هذا الفصل كيف أن الصوم وسيلة لتحقيق التقوى، ويجيب على تساؤل حول عدم تحقيق الكثير من الصائمين للتقوى رغم صيامهم، موضحًا أن السبب يعود إلى خلل في أداء الصيام نفسه. يُستفاد من الآية الكريمة أن عدم الحصول على التقوى قد يكون بسبب خلل في الصيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات الحسان التي أتى بها شهر رمضان من خلال تشريعاته وأحكامه ما كان من مقام التقوى، مقام عظيم، مقام جليل، من أعظم مقامات الدين، قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فربنا جل وعلا ما فرض علينا الصيام تنحيفًا للأجساد أو تنكيلاً للعباد، وإنما فرض ربنا عز وجل علينا الصيام لجلب مقام التقوى، لعلكم تتقون. وتحت هذه المسألة، أخواني في الله، عدة مسائل، أولاها: لعلكم تتقون، ذهب جماعة من المفسرين إلى أنها تعود إلى أمرين اثنين، لعلكم تتقون، أي لعلكم تتقون الطعام والشراب والغشيان وسائر المفطرات، والقول الثاني: لعلكم تتقون، أي لعلكم تتقون الله، وهذا الذي عليه أكثر العلماء من المفسرين، فربنا عز وجل شرع علينا الصيام حتى نستشعر بمقام التقوى، نتقي الله جل فعله. ومن أعظم ما يتقى الرب سبحانه وتعالى أن نتقيه بالابتعاد عن الذنوب والآثام وعن فعل المعاصي والحرام، ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة المتكاثرة التي فيها يخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن حقيقة الصيام إنما هي بالابتعاد عن الحرام، ليس فحسب بالابتعاد عن الشراب والطعام، لا بل بالابتعاد عن الحرام. ولهذا روى الإمام البخاري في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، من لم يدع قول الزور، الزور من الإزويرار، وهو الميل والانحراف، هذا هو الزور مأخوذ من الإزويرار، وهو الميل والانحراف، فقول الزور هو كل قول منحرف عن الحق عن الخير، فيدخل في ذلك السب والشتم واللعن والقذف والغيبة والنميمة والريبة. فمن لم يدع قول الزور، أي القول المحرم، أو فعل الزور، وهو كل فعل منحرف من الأذى والأذية ومن السرقة ومن البطش، فليس لله حاجة، أي إذا كان الإنسان ما يرعوي عن قول الحرام في فترة الصيام، ولا عن فعل الحرام في أيام رمضان، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ما هي الفائدة؟ ما هي الفائدة؟ ومثله ما رواه الإمام الطبراني في معجمه، من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس من قيامه إلا طول السهر»، هذا حال بعض الناس، ما يخرج من صيامه إلا خرج بالجوع والعطش، ما نال أجر الصيام، ما نال فضيلة رمضان، وإنما تعبد الله بمحض الجوع والعطش. ورب قائم ليس من قيامه إلا طول السهر، فهذه الأحاديث، إخواني، تدل بكل وضوح على أن حقيقة الصيام تكمن في ترك الحرام، لا في ترك الشراب والطعام، ولهذا قال بعض السلف: «أهون الصيام ترك الشراب والطعام»، هذا أهون شيء من درجات الصيام، لكن أين هذا عند كثير من الناس؟ بعض الناس يرى أنه إذا أذن المغرب فأفطر، أنه وصل القمة، وصل إلى المنتهى، وأنه هو ولا يبالي بما فعل في يومه من معاصيه وذنوبه. لا يا عبد الله، تفقد هذه الأشياء، هذه أحرى أن تتفقدها، كما أنك تتفقد اليوم هل تناولت مفطرًا؟ الحمد لله ما تناولت شيء من المفطرات، سل نفسك هل ارتكبت شيء من المحرمات؟ فإذا عثرت أنك وقعت في شيء من المحرمات، عليك أن تعض على أصابع الندم. ولهذا، إخواني في الله، كان من عبارات سلفنا الصالح على ضرورة الحرص على هذا المعنى من معاني التقوى، من أن كفة سائر الجوارح عن فعل الحرام في أيام الصيام، قال جابر رضي الله تعالى عنه: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب وعن المحارم، إذا صامت البطن عن الأكل والشرب، فهكذا سائر الجوارح تصم عن المعاصي». وقال علي رضي الله تعالى عنه: «ليس الصيام بترك الطعام والشراب، وإنما الصيام بترك الكذب والباطل واللغو»، ولعظيم هذا المقام، مقام ترك المعاصي في أيام ونهار رمضان، وفي فترة الصيام، أوصل هذا الأمر إلى جماعة من الفقهاء إلى أن يحكموا بالبطلان على صوم أي صائم وقع في معصية، كما هو مذهب جماعة من أهل العلم. كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى: «ومما يبطل به الصوم التعمد في فعل المعصية، إن فعلها صاحبها عامدًا ذاكرًا لصومه، يبطل الصوم»، يعني أن رجلاً يفطر بالأكل، يفطر بالشراب، يفطر كذلك بذا، فعل معصية، إن سب، قال: «أفطرت؟» أعض عليك إعادة سب، شتم، لعن، قال: «ويبطل الصوم بفعل المعصي، بفعل كل معصية إن فعلها صاحبها عامدًا ذاكرًا لصومه». وعلى هذا ذهب الإمام الأوزاعي وجماعة من أهل العلم، خاصة المعصية التي يفطر بها الصائم، إن كانت في حد الغيبة والكذب ونحوها، كما قال عبيدة السليماني رحمه الله: «اتقوا المفطرين الكذبة والغيبة»، وأثير عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إذا اغتاب الصائم فقد أفطر»، وقال رجاء بن أبي سلمة: «قلت لمجاهد: يا أبا الحجاج، الغيبة تنقض الوضوء؟ قال: نعم، وتبطل الصوم». فهذا جماعة من السلف أنهم كانوا يشددون في أمر مثل هذه المعاصي أنها تفطر، وإلا فمذهب جماهير العلماء على أنهم لا يفطرون بالمعاصي، لكنهم يرون أن المعاصي تنقص في الأجر وتخدش في الفضل، ما يستويان، لا يستويان، لا يستوي أحد صام وأمسك عن المحارم، فأغلق فمه، فما سب، ولا شتم، ولا اغتاب، ولا طعن، ولا غمز، ولا همز بين شخص آخر، نعم هو صائم، لكن لو أطلق لنفسه العنان بفعل الذنوب والمعاصي والمحرمات، ما يستويان عند الله، ذاك صومه أكمل، وهذا صومه أنقص. ولهذا، إخواني في الله، فإن من معاني التقوى: لعلكم تتقون، أي تتقوا فعل الحرام، حتى تصل إلى مقام التقوى، فهذه الفائدة الأولى من قوله تعالى: لعلكم تتقون. الفائدة الثانية من قوله تعالى: لعلكم تتقون، نعلم حينها أن الصيام من أعظم الوسائل الموصلة إلى الدرجات العلا، ليس فقط إلى التقوى، سأتي معنا في الرمضان والمقامات الحسان، سأتي معنا أن كثيرًا من المقامات يمكن أن نتوصل إليها عن طريق الصوم، الصوم وسيلة وسيلة لكل خير، وسيلة لكل منقبة، كم من مقامات لربما الواحد يعجز عنها، لكن بصيامه يصل إليها، مثل التقوى. لماذا سهلت لنا التقوى في أيام رمضان؟ قال العلماء: إن في خلال صومك، يا عبد الله، مضيق ومضايق مجرى الشيطان، تضيق لأننا نعلم وينبغي أن نعلم بأن الشيطان يجري منا مجرى الدم، أمكنه الله أنه يسري في عروقنا، ولهذا يوميًا في كل آن، وهو يبث الشر والوسواس في صدورنا، في عقولنا، في قلوبنا، ابتلاء وفتنة. فالشيطان يجري منا مجرى الدم، فعلى قدر مجاري الدماء يكون التدفق، ففي أيام البطر والشرة يزيد، وفي أيام الصوم عندما تضيق بنا العروق، فالعروق تضيق به، يحس يضيق في تحركه وتنقله، فلا يجري مثل ما كان يجري من ذي قبل، ومن هنا فإن الصائم يجد من الراحة والأريحية في رمضان، وفي فترة الصيام، ما لا يجدها في أي وقت آخر. ولهذا تعلم، يا عبد الله، أن الصوم وسيلة إلى كل خير، لأنك بصومك تحارب الشيطان، فتنطلق لك العنان بفعل ما تريد من البر والتقى والإحسان. الفائدة الثالثة، إخواني في الله، لعلكم تتقون، لعلكم تتقون، هي الغاية التي ينبغي أن يتحصل عليها الصائم من صيامه، يأتي السؤال، قد يقول قائل: لعلكم تتقون، لعلكم تتقون، ما لنا نرى الكثير من الصائمين ما اتقوا الله؟ ما نرى الكثير من الصائمين ما حصلت منهم التقوى؟ نجد من أهل الصيام من لربما هو صايم ضايع، كما يقال، فاجر ماجن. فكيف يقول ربنا: لعلكم تتقون؟ والتقوى ما جاءت من شريعة الصيام؟ الجواب، يا عبد الله، إذا وجدت أن الله جل وعلا علق سببًا أو علة لأمر ما، وما تحققت هذه العلة، اعلم أن الغلط في هذا المعلول، فلما قال ربنا جل وعلا: لعلكم تتقون، أي تكون منكم التقوى من خلال الصيام، إذن الخطأ أي الخطأ في صيامنا، الخطأ يقمن في صيامنا. وعد ربنا وعد وعده حق، لا يخلف، من أقام الصيام سيحقق ولابد باب التقوى، سيحققه هذا من إذا حقق الصيام، فإذا وجدت أنت، يا عبد الله، أن التقوى ما احتحصت عليها، أعد نظرًا في صيامك، أعد نظرًا في صيامك، فربنا أخبر أن من حقق الصوم يتحصل على التقوى. هذا مثله كقول ربنا جل وعلا: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، قد يقول قائل: كيف هذا؟ ونرى من المصلين من هو باظ، من هو عاد، من هو مؤذي لعباد الله، وهم مصلي، وكيف ربنا يقول: إن الصلاة تنهى؟ نقول: إذا رأيت الأمر كذلك، إذن يقال في هذا المعتدي: أعد نظرًا في صلاتك، أعد نظرًا في صلاتك، وعد الله لا يخلف، الله وعده جل في علا. فإذا أخبر ربنا أن الصلاة تنهى، وأن الصيام يجلب التقوى، فما وجدنا الزجر لا هنا ولا هنا، أعد نظرًا، يا عبد الله، في عبادتك، كيف أديتها؟ كيف أديتها؟ وهذا هو المحك الذي ينبغي كل واحد مننا أن ينظر إلى طاعاته وعباداته، لربما ذاك المصلي يصلي، وقد أخلى بالشروط وأخلى بالأركان، لا حضور قلب، لا خشوع بدا، لا تفكر، لا تدبر، لا الاتيان بالأمور على وجهها، فلما أخلى في صلاة، قل تأثيرها. وهكذا قل في حق الصائم الذي صام، لربما ملتزم بالصيام الصحيح كما صام نبينا عليه الصلاة والسلام، لربما أخطأ وزل ووقع فيما لا مما يخدش صومه، فلما كان صومه ضعيف، ما استطاع أن يأتي بالتقوى المطلوبة الذي ينبغي أن يرجوها كل مسلم. فلهذا، إخواني في الله، فمما يستفاد من قوله تعالى: لعلكم تتقون، أنه إن وجدنا أن التقوى ما تحصلنا عليها، إذن فلننظر في صيامنا، فإن فيه خلل، وإن فيه زلل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.