رمضان والمقامات الحسان - مقام الإخلاص 4

رمضان والمقامات الحسان - مقام الإخلاص 4

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام الإخلاص 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام الإخلاص في رمضان وأهميته

يُعد الإخلاص من المقامات العظيمة في رمضان، حيث يُعتبر شرطًا لقبول الأعمال. يُشدد على أهمية الإخلاص في قبول العمل كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا.

شروط مغفرة الذنوب في رمضان والإخلاص لله

يشترط الإيمان والاحتساب لمغفرة الذنوب في رمضان، حيث يعني الإيمان التصديق بفرضية الصيام، والاحتساب طلب الأجر من الله. يجب عقد النية للصيام وعدم إرادة الأجر من غير الله.

مراقبة النيات ومقاصد الأعمال في رمضان

يجب على المسلم مراقبة نيته في كل عمل، وأن يخلص لله تعالى في صيامه وقيامه وغيرها من العبادات. الإخلاص شرط لصحة الأعمال ويجب أن يكون الدافع للطاعات هو طلب الأجر من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات الحسان التي يهدف إليها رمضان من خلال التشريعات والمسائل والأحكام أنه يدفع بنا دفعًا إلى مقام عظيم، هذا المقام الذي تفتقر إليه كل العبادات، وعليه تقوم كافة الطاعات، ألا وهو مقام الإخلاص. الإخلاص من اسمه يدل على تنقية الشيء وتهذيبه، الخالص والخلوص والاستخلاص. ولهذا كانت المعاني الشرعية قريبة من هذا المعنى اللغوي، ففسر جماعة من أهل العلم الإخلاص بأنه تنقية العمل عن التهمة والخلل، تنقية العمل. ومنه من يعبر بتصفية العمل، فالإخلاص هو أنك تصف النية وتخليها على أن يكون قصدك من الطاعة هو وجه الله جل وعلا، لا ترجو من أحد سواه. يكمن هذا المقام أهمية، أعني به مقام الإخلاص، من أن الشرع اعتبره شرطًا من شروط قبول الأعمال، فلا يصح العمل إلا بالإخلاص، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله تعالى، شارحًا ومفسرًا هذه الآية: "وهذان ركنا العمل المتقبل، أن يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله". وهذا الذي يهمنا في هذا الباب، على أن الشرع اعتبر شرط الإخلاص شرطًا في قبول العمل. ولست في هذا المقام، إخواني في الله، في صددي تتبعي فضائل الإخلاص ومسائل الإخلاص، لا، وإنما حسبي في هذا المقام أن أُذَكِر على أن رمضان من أعظم ما يهدف إليه من خلال تشريعاته أن يربينا على الإخلاص. تأمل، يا عبد الله، في هذا الفضل العظيم، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». شرط المغفرة للذنب من أن الله جل وعلا يغفر عن الذنوب، قيد هذا الفضل بهذين الشرطين: إيمانًا واحتسابًا. قال العلماء: إيمانًا أي تصديقًا بفرضيته وإذعانًا لشرعيته، واحتسابًا أي أنك تحتسب وتطلب الأجر من الله، ولا تبتغي الفضل من غير مولاه. هذا هو الاحتساب، أنك تبغي الأجر من عند ربك جل وعلا. وهنا وقفة، إخواني في الله، مع هذا الحديث: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا». أقفوا وقفتين. الوقفة الأولى: من هذا الحديث نستفيد جميعًا على ضرورة عقد النية، لأن الاحتساب كأنك تحتسب الأجر عند الله، هذا لا يكون إلا على نية معقودة. وقد دلت الأدلة على ذلك: ما من عمل إلا ويفتقر إلى نية. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». والصيام من الأعمال الذي يحتاج إلى نية، يحتاج إلى أنك تنوي. وجاء في الأثر الصحيح الموقوف: «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل». لا صيام لابد أن تعقد النية حتى تحتسب الأجر عند الله جل وعلا. والنية، إخواني في الله، أمرها سهل، أمرها ميسر، هو عزم القلب. أنت عازم على أنك تصوم، هذه نيتك. ولا تشق النية إلا على الموسوس. فما يفعله بعض الناس، مثلًا، أنه في الليل ينوي نفسه وينوي عياله: قولوا معي، أو قل: نويتوا صوم غد، يلقنهم، أو من يكون في المساجد يلقن الناس، هذه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. النية معقودة في القلب. والفائدة الثانية من هذا الحديث: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، فيه دلالة على أنك تريد بذلك أن تحتسب الأجر من الله، فمن أراد الأجر من غير الله، كمن يريد الثواب من الناس، يريد مدحًا، يريد ثناءً، يريد جاهًا، يريد مالًا، يريد منصبًا، فليس له شيء من أجل الصيام. كحال بعض الناس، لربما يصوم في قلبه شيء من الدخن لمصالح أرادها، صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقضى الأمر فلا صلى ولا صام. هذا إنما لأن نيته ما كانت تريد وجه الله، وإنما يريد شيء من حظوظ الدنيا. فلا بد أن الواحد منا يتفقد نيته: هل أراد بهذا الفعل وجه الله وما عند الله، أم أراد حظ النفس والهوى؟ ومن هذا الحديث: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، أفاد العلماء فائدة أخرى، على أن المسلم ليس فقط يحتسب الأجر من الله، لا، بل هناك قدر زائد، ألا وهو أنك عندما تتعبد الله بعبادة الصيام وتطلب الأجر من الله، أن يظهر منك المحبة والرغبة والشوق لهذا الفعل، لهذه العبادة. ولهذا أشار العلماء، كالخطابي وغيره: ليس من الاحتساب في شريعة الصيام أن تستثقل الصيام أو تستبطئ الليالي والأيام. إخواني في الله، إن مقام الإخلاص في رمضان ليس فقط يدور معنا في مسألة الاحتساب على ترك الطعام والشرب، بل الطاعات التي ينبغي أن نتعبد الله جميعًا في رمضان تقوم على الإخلاص. مع أن الإخلاص نحن مطالبون به على الدوام في كل العام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأنها شرط صحة الأعمال، لكن في رمضان آكد. في صومك تحتسب الأجر عند الله إخلاصًا، وهكذا في قيامك. قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وفي ليلة القدر قال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فتجد أن رمضان يربينا على الإخلاص في أقوالنا، في طاعاتنا، في عباداتنا التي نتعبد الله جل وعلا، خاصة في هذا الشهر المفضيل. دائمًا، يا عبد الله، تتفقد النية: ما الذي تريد بهذا العمل؟ ما كان من صلاتك، من صيامك، من اعتكافك، من زكاتك، من ذكرك، من إفطارك للصائمين، وكل عمل، ذكرك وقراءتك للقرآن، تقرأ لله أم أنك أردت أن تنافس إخوانك؟ لا، لا، لا، لا، لا تقرأ مسابقة، مزاحمة لا لله عز وجل. هذا ودع هذا، اقرأ لمن يقربك إلى الله، تستكثر، تستكثر من قراءة القرآن، لا مسابقة للخلق، لكن مسابقة إلى الله سبحانه وتعالى. فإن من مقامات الحسان التي جاء بها رمضان نتعلمها منه أن نربي أنفسنا على مراقبة نياتنا ومقاصدنا، بل وكل أعمالنا وأقوالنا، كما قال ربنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.