الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام الفرح بالدين 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية الفرح بالدين وعدم الاقتصار على الفرح الدنيوي، ويُبين أن هذا الفرح يظهر التعظيم للشعائر الدينية. يُعد وسيلة للإقبال على الطاعات والاعتزاز بالدين.
يفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق في تعاملهم مع الطاعات بحسب الفرح أو الكره لشرع الله. أهل الإيمان يفرحون بما أنزل الله ويعملون الطاعات بمحبة.
يُناقش المقطع أهمية الفرح بشهر رمضان ومشروعية التهنئة بقدومه، ويستدل بحديث النبي حول استقبال رمضان. يُفسر الفرح بالصيام عند الإفطار ولقاء الله يوم القيامة.
يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من المقامات العظيمة التي دلت عليها أدلة الشريعة، وقد رغب الله جل وعلا بها وحث عليها ودع الناس إليها، ألا وهو مقام الفرح بالدين. الفرح، إخواني في الله، مما نجده عند كثير من الناس أنهم اختزلوه وحصروه فيما يكون من الفرح الدنيوي، من بشر بمال وبأرزاق وبغيرها من نعم الدنيا فرح بها. وليس الأمر كذلك، يا عبد الله، بل إن كان من فرح ينبغي على المسلم، على كل مسلم، أن يقوم بإظهاره، فهو الفرح الديني. أن تفرح إذا يسر الله عز وجل عليك عباده، أو يسر لك بطاعة فأديتها على أحسن وجوهها، فحينها يحمد الله المسلم ربه دائما على ما أسبغ عليه من نعمه، ويكون فرحا مسرورا. قال ربنا جل وعلا: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمع﴾. هذا الفرح فرح بدين الله، بفضل الله وبرحمته. فضل الله، ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه القرآن، هو فضل الله. قول: ﴿بفضل الله وبرحمته﴾ الرحمة هنا هي الدين، الملة، الشريعة، وسميت الشريعة رحمة؛ لأن الشريعة من أولها إلى آخرها، في أصولها وفروعها، قائمة على الرحمة، كما قال إمام السعدي رحمه الله: "الشريعة كلها قائمة على الرحمة". فوصفها ربنا برحمته، أي بدينه. ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمع﴾ مما تجمع وتحصد من هذه الدنيا، لا شيء أمام ما أعطاك الله به من الدين، ما أعطاك الله من الدين. روى ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في تفسيره أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج مع غلام له إلى إبل الصدقة، فلما وقف عليها ورآها كثيرة حمد الله، فقال: "الحمد لله". إلا أن غلامه قال: "يا أمير المؤمنين، هذا هو والله فضل الله ورحمته"، أراد الآية: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. قال الغلام: "يا أمير المؤمنين، هذا والله لهو فضل الله ورحمته". فالتفت إليه عمر وقال: "كذبت، كذبت". والكذب في اللغة يأتي بمعنى الخطأ، أي مصد لم تأتي بالجواب السديد، ليس كذلك. قال: "ليس هذا فضل الله ورحمته، هذا مما تجمعون، هذا مما تجمعون". ثم أشار رحمه الله، أو رضي الله تعالى عنه، إلى أن فضل الله هو القرآن، هذا الذي ينبغي أن نفرح به وبدينه وبشريعته. إخواني في الله، إن الفرحة بمباني الإسلام، بأركانه العظام، بما أنزل الله عز وجل من شرائع وأحكام، له أثره، له أثره العظيم في حياة المسلم. فمن خلال الفرح بالدين يظهر منك التعظيم، ما يليق الفرح إلا لإنسان قد عظم شعائر الدين. وقد قال ربنا: «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب». فلا يكون التعظيم إلا من رجل فرح بهذا الدين، بهذه الأحكام والشرائع. الفرح بالدين، يا عبد الله، أعظم وسيلة تجعلك وتدفعك إلى الإقبال والإندفاع. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». لما كانت الصلاة هي الأنس، وفيها البهجة وفيها البهاء للقلوب، كان يقول نبينا: "أرحنا بها يا بلال، أرحنا بها". الإنسان يجد راحته في طاعة، إلا إذا كان فرحا بها. إذا كان الإنسان فرحا من عبادة، فرح بالطاعة، فتجد أن من أثر هذا الفرح الاندفاع. من آثار الفرح بدين الله عز وجل الاعتزاز، أنك تعتز بدينك، ترفع رأسك أمام الشرق وأمام الغرب وأمام ميل الكفر، تعتز بهذا الدين؛ لأنك تفتخر به. لا يكون حالك كحال بعض المخذلين ممن أخذ بهذا الدين بطرفه، فإذا واجهت لكم المجتمعات الكافرة، لربما استتر بدينه، ما يريد أحد أن يعرف أنه مسلم. ما يريد أحد أن يعرف. يرى أن هذا خزي. لا، يا عبد الله، أنت الخزي. الإنسان إذا كان فرحا بدين الله، يرفع به رأسا ويرفع به قدرا، ولا يبالي بأحد. فلهذا كان الفرح بشعائر دين من أعظم مقامات الدين. لهذا أمر الله به: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾. تفرح، يا عبد الله، وعود نفسك على الفرح. بل جعل هذا الضابط، وهو الفرح بدين الله، من أعظم الفوارق التي تفرق بيننا، بين أهل الإسلام والإيمان، وبين أهل النفاق، بين أهل الشك والارتياب. هذا هو الفيصل. كيف التعامل؟ وكيف هي الشعور مع طاعات الله وعبادات الله؟ قال ربنا في حق أهل النفاق: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾. تأمل إلى حال المؤمن، يفرح بما أنزل الله. المنافق يكره ما أنزل الله. يكره هذا الكره قد يكون في قلبه. المنافق قد يعمل بعض الأعمال معنا، يعمل بعض الأعمال، لكنه في قلبه كاره. ولهذا قد أحبط الله عمله. كالذي يخرج الزكاة، كما إذا وجدت مثل اللجان التي تتبع إخراج الزكاوات، لربما يأتون عند إنسان: "زكاة يا عبد الله، زكاة، خذ، خذوا الزكاة". لكنه في قلبه كاره، كاره إخراج هذا المال. فيما بينه وبين نفسه يحدثها بأن هذه قرصنة، قرصنة. إيش زكاة؟ زكاة. بعد كل لسان يأتون يأخذوا مني قصة من المال. ليش؟ من أين أخذوا هذا المال؟ أنا أتعب وأشقى عليه ليل ونهار، ثم يأخذونها بردا وسلاما. هذا شرع يا عبد الله. لا تأخذ لأحد الناس، ها لعامة المسلمين. يقولوا: "إيش علينا فيهم؟" كما يقول بعضهم: "إيش علينا في المساكين؟ لهم يشتغلون يكدون". هذا منافق، يعطيك الزكاة، لكن في قلبه كاره لها. وهكذا تلكم المرأة التي لربما تخرج للناس بعبايتها بجلبابها، لكنها تود تود أن تسنح لها فرصة فتذهب بعيدا ثم تخلع الحجاب. تخلع الحجاب. إذا لبست الحجاب أو النقاب أو الجلباب كأنها لبست الكفن. كأنها لبست كفن. طب ما الذي ألزمك بهذا الكفن؟ يقول: "يا أخي الوبع ما أستطيع أخذ للناس هكذا كاشفة ما أستطيع". ما منعها؟ ما منعها من كشف الوجه؟ الخوف من الله؟ لا، وإنما إرضاء الناس. وإلا هي كارهة. ولهذا، إخواني في الله، كان من الفوارق بين فعل أهل الإيمان وفعل أهل النفاق أن أهل الإسلام إن عملوا بالطاعة والعبادة كان عن محبة وعن شوق وعن إعظام وإجلال لرب العبادة. لكن المنافق إن عمل، كاره، كاره. لربما هذا الكره من أهل النفاق يظهر يظهر في الألسنة. قد يكون كما قلنا سلفا في قلبه يحدث نفسه. لكن أحيانا، وخاصة إذا خلا بعضهم إلى بعض، تحدثوا تحدثوا بشعائر الدين بالإزدراء والتهكم والسخرية والاستهزاء. يتطاول يتطاول على شريعة الصلاة، على شريعة الصيام، على شريعة الحج. يوجد يوجد هذا في بعض المنتديات الذين هم للملاحدة مثلا يتضاحكون على شعائر الدين، يتضاحكون على المسلمين، وهم ممن يظن أنهم من الأمة الإسلامية، لكنه ملحد. فذكر جماعة من المؤرخين عن غلام، وكان هذا الغلام فاجرا ماجنا، وكان لأحد الأمراء. وبلغ من بلغ من فجور هذا الغلام أنه كان من ممن قد أدمن الخمر حتى أنه ذكر برمضان، وأن رمضان على الأبواب، فقال فأنشد أبياتا يقول في مطلعها: "دعاني شهر الصوم ما كان من شهري ولا صمت شهرا بعده أبد الدهري". ثم ذكر أبياتا لو أن الناس أعانوه على أن يقضون على رمضان، ولا يريد رمضان في حياتنا. هذا السفيه الفاجر الماجن بتهكمه بهذا الشهر الفضيل، ابتلاه الله كما قال المؤرخون ابتلاه الله بالصرع، فكان يصطرع في اليوم الواحد عدة مرات. عافانا الله. أي أكو من هذا المرض يصطرع عدة مرات، فلا يزال هذا حال حتى مات، مات على سوء خاتمة، على ما كان من تهكمه بهذه الشريعة العظيمة. والإنسان، إخواني في الله، الكاره لشرع الله، والكاره لأحكام دين الله، إن لم يصرح هذا بلسانه، فإن أعضاءه وجوارحه تفضحه تفضحه؛ لأن كما قلنا إذا كان الفرح بدين الله يعتبر من أعظم الدواعي للإقبال على الطاعة، فإن الكره الذي في القلب يثمر التباط والتكاسل. ولهذا قال الله عن المنافقين: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾. من أين جاء هذا الكسل؟ من الكره. أثمر الكره الذي في القلب أثمر أثمر التباط والتقاعس والتخاذل. فما في القلب ينفضح للعيان بفعل الأعمال والجوارح. فالحاصل، إخواني في الله، أن الفرح بدين الله جل وعلا مقام عظيم. ورمضان من الأزمان الفاضلة والمواسم المباركة التي جاء الإسلام بالفرح بها. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لقد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه». قال العلماء في شرحه لهذا الحديث: ما الذي أراد نبينا من هذا الكلام؟ «لقد جاءكم رمضان شهر مبارك». هل أراد محض الإخبار؟ قال العلماء: لا، أراد الإخبار المشوب بالسرور والفرح والاستبشار. أي كأن النبي يخبرهم بخبر مفرح: قد جاءكم رمضان. ومن هنا استفاد العلماء على أن هذه المواسم المباركة ينبغي أن يفرح لها. ومن صور الفرح بشعائر الدين، كما استفاد لذلك من ذلك جماعة من أهل العلم التهنئة، لا بأس بها. كما قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا الحديث أصل أصل في مشروعية التهنئة، تهنئة الناس بعضهم بعضا. وهذا الذي دأب عليه الناس ولله الحمد، منه من اعتبرها من الأمور المستحبة، من السنن الأفعال المستحبة. ومنه من اعتبرها من العادات الحسنة. إذا ما اعتبرناها سنة فنعتبرها عادة حسنة من العادات الحسنة، أنك تهنئ، يهنئ المسلم أخاه المسلم على هذه المواسم بالبركة: "علينا الشهر، برق عليكم الشهر". وهكذا يتهانى الناس، يأتي العيد يتهانى الناس، وهكذا كل ما حل عليهم الموسم هنى بعضهم بعضا. قال العلماء: هذا مما يستحسن. لماذا؟ قالوا: لأن فيه إظهار للفرح، إظهار للفرح بدين الله جل وعلا. إخواني في الله، إن الفرح في رمضان ليس فقط يكمن في استقباله، بل يستمر معنا إلى نهايته. ينبغي أن نفرح دائما في كل يوم يمر علينا من رمضان. دليله ما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «وللصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». الإنسان يفرح عند فطره، وعند الفطر عندما تتناول إفطارك، يا عبد الله، هنا المسلم يفرح فرحا لغايتين اثنتين، ولأمرين عظيمين: فرح جبلي وفرح شرعي. فرح جبلي: أنك تفرح، يا عبد الله، بعد من قطعت عن تناول الشراب والطعام، ومنعت من ذلك، فكانت النفس تواقة لأن تذوق طعاما أو تحتسي شرابا. فلازلت تمنعها حتى إذا جاء وقت المغيب وجاء وقت الإفطار أكلت، ففرحت بأن الله أباح لك ما منعك، وانتعش جسمك ودبت عليك القوة والصحة والجد والاشتهاد، فتفرح. هذا فرح جبلي. والفرح الآخر الفرح الشرعي: أنك تفرح لأن الله أعانك على إتمام اليوم من الفجر وأنت ممسك إلى المغيب، أفطرت لله، الحمد تحمد الله وتفرح. «وللصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». فدل على أن الإنسان إذا وفق إلى أداء عبادة من العبادات يفرح بأن الله أعانه على إكماله وإتمامه. ثم قال نبينا: «وفرحة عند لقائه بربه». هذا فضل عظيم، يا عبد الله، فيه فائدة على أن الجزاء من جنس العمل، وعلى قدر تعاملك مع الطاعات والعبادات، فالله جل وعلا يعاملك بالمثل. لما كنت، يا أيها الصائم، فرحا فرحا بشعيرة الصيام، بحيث أنك أتممتها وأنت فرح، قابلك الله بمثل هذا الفرح. فربنا جل وعلا سيفرحك يوم القيامة، لا يخزك، لا يخزيك. «لصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقائه بربه». لما كنت فرحا سيفرحك الله جل وعلا. فتأمل، يا عبد الله، في سائر مشاعرك وأحاسيسك وأنت إزاء فعلك للطاعات والعبادات، كيف أنت؟ كاره، صاخط، متذمر، مشتكي؟ أم أنك ولله الحمد فرح مسرور، تحمد الله ليل نهار؟ وهذا الذي ينبغي، إخواني في الله، أن نكون عليه في كل ليالي رمضان، أننا نحمد الله، وأن نشكره في عليائه، ونكثر سبحانه وتعالى من ذكره وحمده وثنائه على ما أسبغ علينا بهذا الموسم العظيم، نتقلب فيه، نتقلب فيه لكثرة فضائله. فلازمنا نستبشر ونفرح بهذا، نفرح بهذا الشهر. بفرحنا بهذا سيفرحنا الله جل وعلا يوم أن نلقاه. فالجزاء من جنس العمل. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.