الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 90، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تحدث الناظم عن زواج عثمان بن عفان برقية ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاتها أثناء غزوة بدر، حيث خلفه النبي عليها لمرضها ومنحه أجر المشاركة في الغزوة. كما أشار إلى أحداث وقعت في السنة الثانية للهجرة.
تناول المقطع أحداث السنة الثانية للهجرة، منها وفاة رقية قبل رجوع أهل غزوة بدر، وزواج فاطمة من علي بعد الغزوة، وتيسير النبي لهذا الزواج بدرع الحطامية.
اختتم المقطع بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه، مؤكداً على علم الله تعالى وإنهاء الدرس بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله: ووجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر، وفي زكاة المال خلف فدري. أشرنا إخواني في الله إلى ما يتعلق بهذه الأبيات مما وقع من أحكام السنة الثانية من الهجرة، من وجوب زكاة الفطر، وهكذا على القول الصحيح من إنزال مقادير وأنصبة زكاة المال. ثم قال الناظم رحمه الله: وفي زكاة المال خلف فدري، وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان، وعرس الطهري فاطمة على علي القدري، وأسلم العباس بعد الأسري. في هذه الأبيات أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى بعض الحوادث التي وقعت في سيرته، وخصوصًا في السنة الثانية من الهجرة. وحسبنا في هذا المقام الإشارة إلى ما جاء في قول الناظم: وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان، وعرس الطهري فاطمة على علي القدري. في هذه الأبيات التي سمعتموها، أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى بعض حوادث السنة الثانية من الهجرة، وهي مما تتعلق ببناته عليه الصلاة والسلام، تحديدًا على بنتيه، إذ وقعت لهما حادثتان. إحدى هذه الحوادث مؤلمة محزنة، وحادثة أخرى تعتبر مناسبة مفرحة. فنبدأ بالحادثة الأولى، والتي أشار إليها الناظم بقوله: وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان. هذه حادثة من الحوادث التي وقعت في حياته عليه الصلاة والسلام، ما كان من موت بنته رقية رضي الله تعالى عنها وأرضاها. ورقية كما أشار الناظم إلى أنها توفيت قبل رجوع السفري، أي قبل أن يرجع أهل السفر. ومن الذي يعنيهم الناظم؟ هو ما جاء في السيرة النبوية من أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج إلى غزوة بدر في هذه الفترة، كانت ابنته رقية مريضة، وهي زوجة عثمان. كما أشار الناظم: زوجة عثمان رقية زوجة عثمان رضي الله تعالى عنها، أصابها وألم بها مرض عند سفر رسول الله إلى غزوة بدر. فلما علم نبينا بمرضها خلف لأجلها عثمان رضي الله تعالى عنه، مع أن هذه الرحلة تعتبر من أعظم غزوات أهل الإسلام، لكن لعظيم شأن رقية عند أبيها عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، خلف نبينا عثمان عند بنته. قال: ابق عند زوجتك، لماذا؟ ليستطبها وليقوم على شؤونها ويقوم على علاجها. وفي ذلك إشارة إلى منزلة رقية رضي الله تعالى عنها. فذهب نبينا، وكانت بنته مريضة، وقعت الغزوة، وفي أثناء الغزوة وبعد انتهاء الغزوة، قد مر معنا أن الغزوة استمرت هذه الأيام، ثم بعد انتصاره جلس ثلاثة أيام في موقعة بدر على السنة المعروفة. فلما رجع أرسل نبينا البشير، وهو الذي يرسلهم نبينا سراعًا إلى أهل المدينة لكي يبشرهم بالنصر. فما وصل البشير إلى المدينة إلا وقد وجد الناس قد سووا قبر رقية، أي وصل البشير ورقية قد ماتت رضي الله تعالى عنها. هذه من الحوادث التي وافقت غزوة بدر، وكلاهما كان في السنة الثانية من الهجرة. ولهذا جاء في رواة البخاري عن حيث بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال ابن عمر: إنما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان هذا سر غيابه في غزوة بدر، فما تخلف عثمان إلا بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس كذلك، ليس فقط أن النبي أعطى عثمان رخصة في التخلف، بل أعطاه مشاركة في الغزوة. فقال ابن عمر: وقال عليه الصلاة والسلام: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه. أي زيادة على ذلكم أن النبي أعطى عثمان سهمه، سهم ممن يجد المجاهدون في غزوة بدر والمقاتلون. فإن عثمان يجد سهمهم، ليس فقط سهم الدنيا، قال: وأجره وأجر المجاهد. واتعلمون عظيمًا أجر المجاهدين والمقاتلين في غزوة بدر. لو لم يكن إلا ذلكم الفضل، إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فإني قد غفرت لكم، لعظيم شأنهم ورفعة منزلتهم. وعثمان منهم، وإن لم يحضر، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بذلك بأن له سهم من أسهم سهم بدر، وله أجر كأجر أهل بدر. وهذا الأثر إنما أدل به ابن عمر رضي الله تعالى عنه أمام الثوار الذين طعنوا في عثمان، ووجدوا أن من مطاعنهم على حد زعمهم أن عثمان تخلف عن بدر. فأخبرهم ابن عمر عن سر تخلفه، وأن ما تخلف إلا بماذا؟ إلا بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كما قلنا، وكذلك جاء من حيث أسامة، قال: فإن الخبر قد جاءنا، أي خبر أسامة يقول: أن خبر انتصار أهل بدر قد جاءنا، وقد سوين التراب على رقية. سوين التراب على رقية. فالشاهد أن هذه الحادثة وقعت في السنة الثانية، وهي من الحوادث التي لازمت غزوة بدر. فقال الناظم رحمه الله: وماتت ابنة النبي البري عليه الصلاة والسلام، وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفر، أي قبل أن يرجع أهل السفر ممن سافر إلى غزوة بدر، قد ماتت، وقد أفضى روحها قضت روحها إلى باريها قبل رجوع السفر، زوجة عثمان، أي رقية زوجة عثمان بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه إذن الحادثة الأولى. ثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى حادثة ومناسبة أخرى وقعت قريبًا من هذه المناسبة، وهي مما قارب من غزوة بدر، فهي في السنة الثانية من الهجرة، وهي أيضًا تتعلق بماذا؟ بأحوال وأحداث بعض بناته رضي الله تعالى عنهن. وهنا هذه الحادثة تتعلق بفاطمة، وما الذي صار لفاطمة؟ قال الناظم رحمه الله تعالى: وعرص الطهر فاطمة على علي القدر، أي مما يذكر من حوادث السنة الثانية أيضًا ما كان من زواج فاطمة رضي الله تعالى عنها من علي رضي الله تعالى عنه، والذي وصفه المؤلف بقوله: علي القدر، أي علي القدر رضي الله تعالى عنه. فقال رحمه الله: وعرص الطهر، أي الطاهرة العفيفة، وعرص الطهر فاطمة على علي القدر. فهذه الحادثة الثانية كذلك من الحوادث المهمة التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة. وهذه الحادثة إخواني في الله مما يدل على أنها وقعت، مما يدل على أنها وقعت بعد غزوة بدر، ما جاء في الصحيحين، قال علي رضي الله تعالى عنه: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم من الخمس. كانت لي شارف من نصيبي من المغنم من الخمس. وقد أشرنا إلى أن أول مغنم حصده المسلمون إنما كان من غزوة بدر. إنما كان من غزوة بدر. وهذه المسألة إخواني في الله، وما كان من زواج علي من فاطمة رضي الله تعالى عنه تحته مسائل من أهم المسائل. هذه المسألة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله، هل صحيح أن عليًا تزوج من فاطمة بعد بدر أم لا؟ وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة. والصحيح والذي عليه أكثر من العلماء من أن العقد عقد الزواج، عقد القران بين علي وفاطمة قد تم في صفر، في شهر صفر، لكن الدخول، أي أن عليًا دخل على فاطمة كان ذلك بعد غزوة بدر، كان ذلك بعد غزوة بدر. وهذا الذي عليه أكثر العلماء كما يذكره أهل السير والمغازي. بقي مسألة كذلك، كم كانت أعمارهما؟ كم كانت أعمارهما حين تزوج علي من فاطمة رضي الله تعالى عنهما؟ أكثر العلماء على أن فاطمة كانت في سن خامسة عشر من عمرها، هذا هو سن فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهي التي وصفها نبينا بأنها سيدة نساء العالمين رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وعلي رضي الله تعالى عنه كان عمره حينها على القول الشهير 24 سنة، 24 سنة. هذا هذه الأعمار الذي حققها العلماء بين علي وفاطمة حين الزواج من بينهما البين علي 24 وبطعة أشهر، وهكذا فاطمة كانت خمسة عشر سنة. طبعًا لما تزوج علي رضي الله تعالى عنه قصة طويلة يرجع مضانها في مصادرها. إلا أن عليًا لم يكن يملك حينها شيئًا حين أن تقدم للزواج من فاطمة، فقاله نبينا صلى الله عليه وسلم: أعطها شيئًا، أعطها شيئًا، أي شيئًا. فقال علي: يا رسول الله ما عندي من شيء، ما عندي ما عندي ما عندي مال ولا عندي أراضي ولا عندي عقار ما عندي شيء. فقال عليه الصلاة والسلام: فأين درعك الحطامية؟ أين درعك الحطامية؟ فقال: يا رسول الله هي عندي، قال: أعطها إياها، أعطها إياها. والدرع هو ما يلبسه المحارب، ما يلبسه المحارب ويكون مصنوعًا من حديد من حلق الحديد. وكان المقاتل يلبس هذا اللباس وهو الدرع اسم على مسمى يتدرع به حتى يحميه من ضربة السيوف من ضربة السيوف فيسمى بالدرع. والحطامية قيل: نسبة إلى القبيلة التي تصنع هذه الدروع، وهي قبيلة حطمة أو حطمة، فتسمى هذه الدروع نسبة إليها الدروع الحطامية. وقيل: لا، إنما سميت بالدروع الحطامية لأن هذه الدروع كانت تتحطم عندها السيوف. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من علي أن يدفع لها أي شيء. فلما قال: ما أملك إلا هذه الدرع، قال: أعطها إياها، أعطها إياها. وانظر يا عبد الله، نتحدث عن من؟ عن خيرة البشر بعد الأنبياء والرسل، علي رضي الله تعالى عنه ابن عم رسول الله من أهل الجنة، وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة نساء العالمين. وانظر لهذا الزواج الميسر المسهل، فليس العبرة يا عبد الله في المال، وإنما العبرة في الرجال، ليس العبرة يا عبد الله بالمال وإنما العبرة بالرجال. ولك عبرة بزواج هذا الصحب الكرام من زواج فاطمة من علي رضي الله تعالى عنهما. وهنا فائدة أختم بها المقام، ذكر عبد الله بن بريدة عن أبيه أن أبا بكر وعمر خطب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة، أي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت محط أنظار الرجال، ليس لشأنها مع أنها عالية القدر، بل لكي يصل إلى الصهورية والمصاهرة برسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان من أعظم من يتطلع إلى أن يتقرب إلى هذه المسألة العظمى أبو بكر وعمر، فكانوا يتقدمون إلى رسول الله في أنه ماذا؟ يخطبوا فاطمة رضي الله تعالى عنها، إلا أن النبي كان يردهم بقوله: إنها صغيرة، إنها صغيرة. قال: فخطبها علي فزوجها منه، فزوجها منه رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده، وأورده شيخ مقبل رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وهذا الحديث كما قال الشراح فيه بيان على أن المهلة ليست بعيدة، أي جاء أبو بكر ورده، جاء عمر ورده، وجاء علي وزوجه. لكن عذر نبينا إزاء أبي بكر وعمر أن فاطمة كانت صغيرة، تقدم إليها قال: إنها صغيرة، فلما جاء علي زوجها. قال علماء: لأن النبي هاهنا راع السن، نظر إلى السن ووجد أن سن فاطمة بالمقارنة مع عمر وأبي بكر كان الفارق كبيرًا، ولما بخلاف ما كان كما رأينا في تحديد سن علي وفاطمة، كان الفارق الزمني يسير. فماذا؟ فزوج نبينا صلى الله عليه وسلم فاطمة لعلي. قد يقول قائل: وهذا إشكال يطرح، إذا كان النبي راع السن فكيف تزوج نبينا من عائشة مع الفارق الكبير بين أعمارهما؟ قال العلماء: نعم، هنا النبي ما راع السن وإنما راع الفضل، فالفضل هنا كبير، الفضل هنا كبير والمصرح هنا عظيمة. فلم يراع هنا ماذا؟ حد السن ولا حد العمر، فهنا تجاوز النبي عن هذا. لكن في غير ذلك إذا تساوت الفضائل فالسن هنا يراع فيه في مسألة التقدم بين الذكر والأنثى. فالشاهد إخواني في الله أن المؤلف والناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات التي سمعتموها أشار إلى حادثتين اثنتين وقعتا لبناته، إحداهما لرقية وما كان من وفاتها، والثانية لفاطمة وما كان من زواجها. فقال رحمه الله تعالى: وفي زكاة المال خلف فدري، وماتت ابنة النبي البري رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان، وعرص الطهري فاطمة على علي القدري، وأسلم العباس بعد الأسري. وهذه الفقرة الأخيرة تترك إن شاء الله في درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.