الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 92

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 92

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 92، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

غزوة بني قينقاع وأسبابها التاريخية

غزوة بني قينقاع حدثت في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر، نتيجة لنقض اليهود العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام. كانت الغزوة في منتصف شوال بعد شهر تقريبًا من غزوة بدر.

أحداث غزوة بني قينقاع وتفاصيلها

حدثت حادثة خبيثة ضد امرأة مسلمة في أسواق اليهود، مما أدى إلى مقتل أحد المسلمين، فاستنفر النبي أصحابه وغزاهم في ديارهم. هناك خلاف حول ثبوت هذه الحادثة بين العلماء.

نتائج غزوة بني قينقاع وإجلاء اليهود

حاصر النبي بني قينقاع وخاف اليهود وألقى الله الرعب في قلوبهم، وتدخل عبد الله بن أبي بن سلول لإنقاذهم فأمر النبي بإجلائهم عن المدينة. شرع الله لنبيه الأضحية في عيد الأضحى.

ختام الحديث حول غزوة بني قينقاع

المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث حول غزوة بني قينقاع، ويُنهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُعتبر ختامًا للموضوع المطروح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وقيد قاعوا غزوهم في الإثر وبعد ضح يوم عيد النحر. هذا البيت، والذي نظمه لنا المؤلف رحمه الله تعالى، من الأبيات التي تشير إلى شيء مما وقع في سيرته عليه الصلاة والسلام، طبعا مع مراعاة السنوات. فنحن لازمنا في السنة الثانية من الهجرة، والمؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا أهم الحوادث من هذه الحوادث. قال: وقين قاع غزوهم، أي غزوة بني قين قاع في الإثر، هذه الحادثة الأولى في هذا البيت. قال: وبعد ضحى يوم عيد النحر، وهذه الحادثة الثانية، والتي سيأتي الكلام عليهما في هذا المقام. أول المسائل التي أشار إليها الناظم رحمه الله تعالى، مسألة غزوة بني قين قاع. قال: وقين قاع غزوهم. وقين قاع هي قبيلة يهودية كانت متواجدة في المدينة. لما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وجد أن قبائل من اليهود تقطن المدينة، تحديدا ثلاثة قبائل: بنو قين قاع، وبنو النظير، وبنو قريظة. هذه قبائل وعشائر يهودية كانوا من أهل المدينة. وصل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومع ما كان من الأنصار من الأوس والخزرج، مع هذه القبائل، طبعا عرض نبينا الإسلام على هذه القبائل، فأبوا إلا البقاء على دينهم. حينها تمت المصالحة بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين هذه القبائل الثلاثة اليهودية، باعتبارهم أنهم نسيج في مجتمع واحد، ولابد أن يحلوه السلام والوئام فيما بينهم. فتم عقد الكتب، والتي أبرم فيها نبينا صلى الله عليه وسلم العهود والمعاقدات التي بينهم وبين بعضهم على أنه لا أحد يتعد على الآخر، يبقونهم على دينهم كما أرادوا على اليهودية. فتم هذا الأمر. لكن ما استمر. تخيل نحن نتكلم الآن عن السنة الثانية من الهجرة. ما الذي صار؟ الذي صار أن اليهود، وهم قد عرفوا هذا قديما، وهو ما كان من الصفات المستفحلة فيهم، وهي النقض للعهد والميثاق، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. فكانت أول قبيلة نقضت العهد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام هم هؤلاء بنو قينقاع. نقضوا العهد، فغزاهم نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال الناظم رحمه الله تعالى: وقينقاع غزوهم في الإثر، أي في الإثر بسرعة. على ماذا يقصد المؤلف؟ أشرنا إلى مسألة أخرى أن هذه الحوادث، مع أنها وقعت في السنة الثانية للهجرة، والسنة كبيرة إثنا عشر شهرا، لكن هذه الحوادث التي يذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى تتبع غزوة بدر. تتبع غزوة بدر، بدأت الغزوة هنا، ماتت بنته عندما انتهت، بعد ذلكم تزوج علي من فاطمة، بعد ذلكم في رمضان جاءت زكاة الفطر، زكاة المال. كل هذه الأشياء تتبع غزوة بدر. ومما يتبع كذلكم غزوة بدر قريبا غزوة بني قينقاع. تمت غزوة بدر، بعدها وقعت غزوة بني قينقاع، ليس بالمدة البعيدة. ولهذا عبر عنها الناظم بقوله: وقينقاع غزوهم في الإثر، أي مباشرة بعد غزوة بدر. طيب، متى صارت غزوة بني قينقاع على التحديد؟ من أقوال جماعة من المؤرخين أنها وقعت في منتصف شوال، كهذه الأيام التي نحن فيها قريبا منها في منتصف شوال. لو رجعنا بالذاكرة قريبا، متى كانت غزوة بدر تحديدا؟ في سبعة عشر من رمضان. قل في منتصف رمضان، وقينقاع في منتصف شوال، فقط هذه المدة التي كانت فاصلة بين هاتين الغزوتين. ولهذا عبر المؤلف بهذا التعبير في الإثر، أي أن غزوة بني قينقاع ما تأخرت عن غزوة بدر. قام نبينا صلى الله عليه وسلم وغزا غزوة بني قينقاع إلى ديارهم، وطبعا كانت من طبيعة اليهود أنهم يعيشون في حصون، عندهم مدن وقلاع يغلقون الباب على أنفسهم ويعيشون داخل هذه الأسوار. فكان نبينا صلى الله عليه وسلم لكي يغزوهم حاصرهم، وهم في ديارهم حتى يواجهوا حتى يقاتلوا. فاستمر هذا الحصار خمسة عشر يوما، إلى بداية ذي القعدة، من منتصف شوال إلى بداية ذي القعدة، والحصار مضروب على بني قينقاع. ثم تدخل من تدخل. سيأتي معنا. بقي السؤال قبل أن نسترسل، قد يقولوا: وما الذي صار؟ ما الذي حصل؟ ما الذي حدث والذي أحدثه بنو قينقاع حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب منهم وأمر بغزوهم؟ الذي صار إخواني في الله، على الرواية الشهيرة، وسيأتي التعليق عليها، الرواية الشهيرة أن امرأة مسلمة ذهبت إلى أسواق بني قينقاع، وكانوا قد اشتهروا بالذهب وبيع المصوغات والمجوهرات. فذهبت امرأة مسلمة إلى أحد الصاغة، وهو في حي اليهود في أسواق بني قينقاع. فبينما هي جلست تبايع وتشتري، إذ بالصائغ ومن معه أخذوا من باب الاستخفاف بهذه المرأة المسلمة يطاوعونها على أنها تكشف شيئا من جسدها، إلا أنها أبت ورفضت. فكان من خبث بعضهم أنه استطاع أن يتسلل من خلف وربط طرف ثوبها بشعرها ونحو ذلك وربط. وهذا ما مؤداه، مؤداه الذي كان لما قامت، تعلق الثوب برأسها بشعرها، فانكشف شيء من بدنها، فتضاحك اليهود تضاحكا من هذه الحيلة الخبيثة الدنيئة التي توصل بها إلى كشف السوآت. لما كان هذا من صنيعهم، تواجد أحد المسلمين في هذه اللحظة، فغضب واشتد غضبه لما رأى من هذا القبح وهذا التطاول على أهل الإسلام. فسل سيفه وقتل من صنع هذا. قتل، فلما رأوا اليهود والحي حيهم والتجمع تجمعاتهم، فلما رأوا أن هذا المسلم قام بهذا قام وتجمعوا عليه وقتلوه. وصل الخبر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، حينها استنفر نبينا أهل المدينة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم جميعا، وأمرهم بأن يتوجهوا إلى ديار بني قينقاع، لأن هذا من النقض للعهد الذي بينهم وبين أهل الإسلام. فهذا إخواني في الله خلاصة هذه الحادثة، وكما أسلك بأن من الحوادث الشهيرة. لكن بقي: هل هذه الحادثة ثابتة في ميزان التدقيق والبحث العلمي؟ ليست بثابتة. أنا عم أتعرض جماعة من العلماء إلى نقض هذه الرواية، لأن من عللها أنها من طريق أبي عون ومحمد بن عبد الله، قال عنه: وهو من صغار التابعين، والتابع ما حضر هذه الحادثة أصلا، فكيف يرويها؟ أنه صار كذا وصار كذا. فهي تعتبر من المراسيل، من الآثار المرسلة المعلقة. هذا وجه ممن تكلم على هذه القصة. ووجه آخر أنها جاءت من طريق رجل، وهو المخرمي، وهو عبد الله بن جعفر المخرمي، وبينه وبين هشام صاحب السيرة بينهم مفاوز، أي انقطاع. ولهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى أن هذا الحديث إسناده ضعيف، إسناده ضعيف ظاهر الضعف. إلا أن جماعة من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حفظه الله، ومن المعتنين بالسيرة النبوية تصحيحا وتضعيفا، يرى أن هذه القصة مما يستأنس بها، مما يستأنس بها لشهرتها ولكثرة الرواية، وأنها لا تخالف شيئا من الشريعة. فالشاهد إخواني في الله، هذه القصة، فعلى فرض صحتها كان بها، وإلا علينا أن نعلم أن ما قام به اليهود قاموا بأمر عظيم، نقض به العهد، نقض به العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. بنقضهم للعهد لم يكن هناك مصالحة بينهم وبين المسلمين. فقام نبينا وأراد أن يغزوهم في عقر ديارهم. وكما أخبرنا حاصرهم خمسة عشر ليلة، وهم في ديارهم. وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم. ألقى الله الرعب في قلوبهم، وهكذا هم، ربما تغتر بأشكالهم، تغتر بأحجامهم، تغتر بعدتهم وعدتهم في الخارج في الظاهر، لكنهم في الباطن هواء، في الداخل فراغ، في قلوبهم قد أملأها الله رعبا وخوفا وقلقا وحيرة. وهكذا حال الكافر الذي لم يشرئب قلبه بحب الله ورسوله، ما هناك إلا الوجل والخوف والقلق والذعر. فألقى الله جل وعلا الرعب في قلوب اليهود من بني قينقاع. حينها تدخل عبد الله بن أبي بن سلول، وهو رأس النفاق، رأس النفاق. تدخل لكي يصلح الأوضاع. وبهذا نعلم العلاقة الوثيقة بين اليهود وبين أهل النفاق، العلاقة وثيقة جدا. إذا أردت أن تتعرف على صفات اليهود، أنظر إلى صفات المنافقين. إذا أردت أن تتعرف على صفات المنافقين، أنظر إلى صفات اليهود، فهي هي. وأضف إلى هذا فرقة ثالثة، وهم الرافضة، هم بالمثل. هذا الثلاث لا يكاد ينفصل، الكل يرضع من ثدي واحد، اليهود والرافضة وأهل النفاق. الشاهد، عبد الله بن أبي بن سلول قام وأراد أن يحرز اليهود، لعلمه أن النبي إذا ظفر بهم سيقتلهم، وهذه كانت نيته صلى الله عليه وسلم أنه سيقتل الرجال لأنهم نقضوا العهد. فتدخل عبد الله بن أبي كونه من المسلمين في الظاهر، فتدخل بحجة أنه حليف لهؤلاء اليهود، بينه وبينهم حلف. فتدخل بأن النبي يكف عنهم، وأنه يبقيهم ولا يسفك دماءهم. فلا يزال يلح على رسول الله بهذا الطلب، يلح. فأمام هذا الإلحاح، رضي نبينا صلى الله عليه وسلم بطلبه بأن يبقيهم أحياء، لكن لا يبقوا في المدينة، وإنما يجلون، يغادرون، لا يبقون فيها. أهل الخيانة والغدر لا تأمنهم، من لدغك سيلدغ، من لدغك سيلدغ، لأن هذا طبيعة فيهم. فلما كشف الله عوارهم في هذه المسألة، كان من حكمة الله ومن رحمة الله أن المسلم يتيقظ أمثال هؤلاء. فلما سامح نبينا في ترك قتلهم، لكن أمر بإجلائهم، وأن ينصرفوا من المدينة ولا يبقوا فيها. وأمهلهم على هذا ثلاثة أيام، يأخذوا أمتعتهم وما يستطيعون، وارتحلوا. فكانت هذه الفرقة والعشيرة اليهودية هي أول الفرق من اليهودية نقضا للعهد. وكذلك سيأتي الفرقة الثانية، وسيأتي الثالثة، لأن اليهود ملة واحدة قد أشربوا نقض العهد والميثاق، وقوالت الأمور. سيأتي ما كان من نقض بني القريضة، وما سيأتي من نقض بني النظير. والكل أجلاهم نبينا، ومنهم من قتله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد هذا إخواني في الله خلاصة هذه الحادثة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وقينقاع غزوهم في الإثر. ثم قال: وبعد ضحى يوم عيد النحر، أي كذلكم مما وقع لرسول الله من أعمال السنة الثانية للهجرة، ما وقع في ذي الحجة. وما هو الذي صار؟ أن الله شرع لنبيه عليه الصلاة والسلام الأضحية، شرع لنبينا عليه الصلاة والسلام الأضحية، وهي من السنن المؤكدة، والتي حرص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم منذ أن شرعها الله إلى أن فارق الدنيا. وكان عليه الصلاة والسلام يضحي، بل كان كثيرا أضحية، حتى عبر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: وكان رسول الله كثير الصلاة وكثير الزبح. كثير الصلاة وكثير الزبح، لعظيم مقام الزبح، وأنها من العبادات والقربات العظيمة التي شملت اللسان والجنان والأعمال وغيرها من أجل المقامات. فقال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد ضحى يوم عيد النحر، أي في عيد الأضحى شرعت الأضحية على رسول الله. وأضحية سميت أضحية لهذا المعنى، لأنها تذبح ضحى، تذبح ضحى بعد انتهاء الإمام من صلاة عيد الأضحى. حينها يشرع للأنام بأن يضحوا الأضاحي. فهذه الخصلة الثانية التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من أعمال السنة الثانية للهجرة. يكتفي إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.