الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 91

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 91

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 91، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إسلام العباس بن عبد المطلب وتاريخ إسلامه

يتحدث عن إسلام العباس عم رسول الله وخلاف العلماء حول تاريخ إسلامه، حيث وردت روايات مختلفة تشير إلى إسلامه قبل الهجرة أو بعدها أو بعد غزوة بدر. يرجح أكثر العلماء أن إسلامه كان بعد أسره في غزوة بدر.

أسر العباس في غزوة بدر وفداؤه

وقع العباس في الأسر في غزوة بدر وكان كافرا، فطلب النبي منه فدية لتحريره وأصر على دفع عشرين أوقية من ذهب. دفع العباس المبلغ بعد أن أخذ منه النبي مثلها كغنيمة، ثم أسلم العباس بعد ذلك.

فضل الله على العباس ومقامه عند الصحابة

بعد إسلامه عوضه الله بخير مما فقده، حيث أعطاه عشرين عبدا بعد أن أخذ منه عشرين أوقية من ذهب. كما يذكر إجلال النبي وتوقيره للعباس وتقديم الصحابة له في مختلف المواقف.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وفي زكاة المال خلف فدري وماتت ابنة النبي البر وفيه رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان وعرص الطهري فاطمة على علي القدري وأسلم العباس بعد الأسري. هذه الأبيات إخواني في الله، والتي نظمها لنا المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المنظومة، وهي التي تتعلق بذكر سيرته عليه الصلاة والسلام، وما يتعلق بأهم حوادثه التي مرت به في حياته. أشرنا إخواني في الله إلى هذه المسائل في مسألة فرضية زكاة الفطر وزكاة المال وغيرها، وكيف أنها من المسائل التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، وكلها كانت قريبة من غزوة بدر. كما قلنا، غزوة بدر وقعت في السنة الثانية في سبعة عشر من رمضان، وبعد عشر ليال فرضت زكاة الفطر، وأيضا على القول الصحيح فرضت زكاة المال، لكن بذكر الأنصبة والمعايير، وبعد وفي انتهاء غزوة بدر، لما جاء البشير يبشر أهل المدينة بالنصر، وجدوا أنهم قد سوّوا قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك، بعد غزوة بدر وقع زواج فاطمة على علي رضي الله تعالى عنهما، فتجد أن هذه الحوادث توالت كلها في السنة الثانية وقريبة من غزوة بدر. ثم قال المؤلف رحمه الله: وأسلم العباس بعد الأسر. هنا وقفنا على هذه الفقرة، وهي مما تتحدث أيضا عن حوادث السنة الثانية من الهجرة، وهي كذلك مما لها تعلق أيضا بغزوة بدر. قال: وأسلم العباس بعد الأسر، هذه الفقرة تتحدث عن مسألتين من مسائل السيرة التي تتعلق بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهو العباس بن عبد المطلب، هذا البيت يتحدث عن مسألتين: الإسلام والأسر، أسلم العباس وأسر العباس. فقال: وأسلم العباس بعد الأسر، مسألة الأولى إخواني في الله حول إسلام العباس. العباس بن عبد المطلب كان كافرا وكان مشركا، ثم من الله سجل وعلا عليه بالهداية فأسلم، فكان من أعمام رسول الله الذين دخلوا في الإسلام. بقي متى أسلم العباس؟ هذا السؤال متى أسلم العباس؟ فمن الأسئلة التي حيرت العلماء. وجه الحيرة في هذه المسألة لكثرة الروايات المذكورة والمبثوثة في كتب السير والمغازي والأحاديث التي تتعلق بوقت إسلامه رضي الله تعالى عنه. فمثلا من الروايات الموجودة في كتب السيرة منها من ينقل أن العباس رضي الله تعالى عنه أسلم قبل الهجرة، ومن الروايات من يقول أنه أسلم بعد الهجرة، ومن الروايات من يقول أنه أسلم بعد غزوة بدر، ومن الروايات ما تحكي أن عباس أسلم في عام خيبر، ومن الروايات ما تقول أن العباس أسلم في عام الفتح. هذه الروايات الموجودة والمذكورة جعلت العلماء يحتارون متى أسلم العباس تحديدا، فأصبحت المسألة خلافية مبسوطة في كتب السير والمغازي. فتجد أن منهم من يرجح هذا، ومنهم من يرجح ذاك. وأكثر العلماء ذهبوا إلى ما أشار إليه الناظم رحمه الله أن إسلام العباس كان بعد غزوة بدر، بعدما وقع في الأسر أسلم رضي الله تعالى عنه. فقال هنا الناظم: وأسلم العباس بعد الأسر، أي بعد الأسر في غزوة بدر، هذا الذي عليه أكثر العلماء. طبعا هناك رواية شهيرة نشير إليها لشهرتها، هناك رواية شهيرة من أن العباس كان قبل غزوة بدر مسلم، كان قبل غزوة بدر مسلم وكان في مكة، فلما خرج جيش مكة لقتال النبي في بدر خرج العباس معهم. قد يقولوا: قال وكيف العباس يقال أنه أسلم وخرج مع الكفار؟ قال العلماء من ذهب إلى هذا القول بأن العباس خرج مكرها، خرج مكرها، ألزم لأن العباس كما يتذكر هذه الرواية كان مستخف بإيمانه، وكما قالوا هذه من الروايات التي يذكرها جماعة من أهل العلم أن العباس كان قبل بدر مسلما، لكن كان مستخف بإسلامه. فلما جاء النفير لكفار قريش في الخروج لملاقات رسول الله خرج العباس معهم، لكنه خرج مكرها. إلا أن هذه الرواية مع شهرتها، جماعة من المحققين من أهل التحقيق والحديث أعلوا هذه الرواية، وعلى رأس من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، أعل هذه القصة وضعفها، وأنكرها لأنها أولا من طريق الواقدي، وواقدي متكلم فيه، وفي روايات التي تأتي من طريقه. زد على ذلكم أن الروايات الكثيرة أثبتت على أن العباس فدى نفسه بنفسه، فدى نفسه بنفسه، حيث قال: وإني فاذيت نفسي وعقيلا في بدر، فاذيت أنه فاد فاعترف وأقر على نفسه أنه فاد دفع فدية، فهذا أقر على أنه كان مع الكفار وأنه أفدى نفسه كما يفدي الكافر من المسلم. فالصحيح أن العباس لما خرج في غزوة بدر كان حينها كافرا، ولهذا على قول أكثر العلماء وهو الصواب أن إسلام العباس كان بعد غزوة بدر. المسألة الثانية هذه مسألة الأسر، نعم، وقع العباس كما قلنا في أسر بدر. وأشرنا من كلامنا في خضم كلامنا على غزوة بدر أن من الأمور المشكلة عند الصحابة كان كيفية التعامل مع الأسراء، وكان الذي ذهب إليه نبينا صلى الله عليه وسلم ومال إلى قول أبي بكر الصديق أن الأسراء يمكن أن يستعوضوا بفداء، أن يأتي أهاليهم ويفدوهم، أو أن هذا الكافر يفدي نفسه بنفسه. فكان العباس رضي الله تعالى عنه ممن أفدى نفسه بنفسه، فكان ذا تجارة وكان على أموال، طلب منه نبينا الفداء، طلب منه نبينا أنه يفدي نفسه إن أراد أن يفك أسره. فهنا عارض الأنصار رضي الله تعالى عنهم، الأنصار لعظيم حبهم وإجلالهم وإعظامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما رأوا أن عمه وقع في الأسر، وأن النبي طالب العباس بفدية، هنا قالوا: يا رسول الله، ما نريد منه شيئا، تركه يذهب، أطلق سراحه من غير فدية. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض ذلك، رفض ذلك، بل قال عليه الصلاة والسلام: فوالله لا تذرون منه درهما، أي لا تتركون منه ولو درهم واحد، لا تسامحوا في شيء. وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، والله لا تذرون منه درهما، أي لا تسامحونه وإن كان عمي، يدفع يدفع كبقية الناس. وقد أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ما الحكمة من أن النبي رفض المسامحة في حق عمه؟ قال الحافظ رحمه الله تعالى: أراد نبينا أن يعلم الناس أن لا محاباه، لا يحاب أحد على حساب أحد، ما كمحاباه، وإن كان عمي، لكن هو كحال البقية ممن وقع في الأسر. إن من أراد أن يطلق سراحه يفدي بمال، عمي ولا غير عمي، وهذه فيها التربية للأمة إخواني في الله، بما ابتلين به في مثل هذه الأزمان، بما يسمى مثلا في مثله هذه الأوقات بالمحسوبية. فالإنسان إخواني في الله من كانت عليه مستحقات ينبغي أن يدفعها كبقية الناس. لأنه يأتي عند ذلكم المسؤول فقط لقرابته ولمعرفته يسقط هذا حق، وهذا الحق، وهذا الحق، وأصبحت المديونية ترفع وتزداد على البلاد والعباد، ثم يتحملها الغير. لا، يا عبد الله، الكل يدفع، الكل متساوي أمام ما ينبغي أن يدفع للجهات الرسمية، ولمن يدفع لخدماته كبقية الناس. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أن الأنصار طلبوا منه أن يسامح عمه، قال: لا، والله لا تذرون منه درهما واحدا. ما الذي طلب نبينا من عمه العباس؟ طلب نبينا من عمه عشرين أوقية من ذهب، مبلغ كبير، لكن مقابل أنك تعود وتسلم برقبتك وبحياتك وتنجو. طلب منه نبينا عشرين أوقية من ذهب، كما جاء ذلكم في مسند إمام أحمد، وفي غيره. طيب، العباس ماذا كان رده حينها؟ العباس لما وقع في الأسر كانت عنده أموال، لما خرج إلى المعركة كانت عنده أموال، وكانت حينها عنده عشرين أوقية من ذهب عنده. فلما وقع في الأسر وأخذت الغنائم من العتاد والعدة ومن الأموال والتروس والدروع وكل ما كان في ساحة الوغى، وما كان عند الأسر، وجد أن مع العباس عشرين أوقية من ذهب، أخذها نبينا في الغنيمة. فلما جاء وقت الفداء، طلب نبينا من العباس إن أردت الفداء ادفع كم؟ عشرين أوقية من ذهب. فحينها قال العباس: يا محمد بن عبد الله، قد أخذت من مال عشرين أوقية. فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من مال الله، وإنما الفداء مال آخر، هذا لا تتكلم في هذا المال، هذا المال من الغنيمة أخذ منك على أنه غنيمة، هذا لا يعتبر من الفداء، وإنما تدفع مالا آخر، تدفع عشرين دينارا أخرى. هذا الذي جعل الأنصار يتدخلون وطلبوا من نبينا أن يسامح عمه، فأبى نبينا، فأبى نبينا ذلك. فحينها دفع العباس هذا المال، دفع عشرين أوقية، ناهيك عن العشرين لأخذت غنيمة، دفع عشرين مثلها، وهذه فداء لك أن يخرج ماذا من الأسر؟ لكن بعد ذلك أسلم، هدى الله عز وجل العباس للإسلام. فكان بعد ذلكم العوض، فقد أخبر العباس رضي الله تعالى عنه أن هذا المال والذي كان سببا في عتقه ومن ثم في إسلامه، أن الله عز وجل عوّبه بخير منه، كما جاء عند الحاكم، قال: بأن الله عز وجل وإن أخذت علي عشرين أوقية من ذهب، قال: فأعطاني الله جل وعلا في إسلام عشرين عبدا. أخذت علي عشرين أوقية، وعوّضه الله بعشرين عبد، قال: كل واحد منهم عنده مال يضارب به، أي يتاجر به. انظر يا عبد الله للعوض من عند الله عز وجل، انظر يا عبد الله للعوض من عند الله سبحانه وتعالى. فربنا لما علم في قلوب هؤلاء الخير، أي من صدق الإذعان وصدق الإيمان، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم، يعطيكم الله خيرا مما أخذ منكم. فلما أعطى عشرين أوقية من ذهب، ثم كانت هذه الدنانير فضلا في إسلامه، أعطاه الله بعشرين عبد في مدة يسيرة. وهكذا تعلم يا عبد الله أن فضل الله واسع، وأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. إن كان خرج مهاجرا فترك بلد الكفر، ترك أهله، ترك بيعه وشراه، ثم انتقل إلى بلاد المسلمين، يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعا. خرج مجاهدا في سبيل الله، يعطيه الله من المال الكثير من المغنم والفيء. وهكذا قل يا عبد الله، ابتلاك الله بعمل فيه حرمة، ثم وجدت الضيق والحرج، وأن نفسك لا تطاوعك على هذا العمل، فتركت هذا العمل لله، عوضك الله بما هو خير منه. فمن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا مما أخذ منه. فالشاهد أن بعد ذلكم عوضه الله عز وجل بهذا المال الكثير. هذا إخواني في الله ما يتعلق باقتصار حول مسألتي إسلام العباس وما كان في وقوعه من الأسر. ومما يضاف إلى هذا الباب، ونحن نتحدث عن العباس بن عبد المطلب، وقد لا يتكرر معنا في باقي المنظومة ما يذكره العلماء من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يجل عمه إجلالا عظيما. يجله، يعطيه من المهابة والإحترام، بل كان يقول: عم الرجل صنو أبيه، أي هذا بمقام الأب، عمي بمقام أبي. فكان نبينا صلى الله عليه وسلم بعد إسلام عمه يوقره ويبجله، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أحدا ما يكرم العباس، ما يكرم العباس، رواه الطبراني بإسناد حسن. فكان به يعطيه من الإجلال والتوقير، وعلى هذه درجة السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يكرمون العباس كما كان في حادثة الاستسقاء، كما قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الناس في زمن عمر بن الخطاب إذا استسقوا، أي دعوا وصلوا الصلاة الاستسقاء أيام القحط والجدب والجفاف. كان عمر يقوم ويقول: اللهم إن كنا نستسقي بنبيك فتسقنا، وإنا نستسقي بالعباس، فإنا نستسقي بعم نبينا بالعباس، خم يا عباس واستسقي لنا، فكان يدعو لهم ويسقيهم ربنا سبحانه وتعالى. كل هذا من إجلال الصحابة لمقام العباس رضي الله تعالى عنه. وفي هذه لفتة على أن الرجل إذا جمع بين مسألة آل البيت، وهي المنزلة العلية التي أوصى بها نبينا: أوصيكم الله وأهل بيتي، فإذا جمع الإنسان بين هذه المنزلة العلية من كونه من آل البيت، مع ما يكون من توحيده واستقامته وسنته، فإن أمره يعظم في قلوب الخلق. فليس العبرة يا عبد الله بأنه من آل البيت فقط، لا، ليست هذه العبرة، وإلا النبي قال: يا فاطمة، اعمل ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئا. وفي رواية: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. بل هو القائل عليه الصلاة والسلام: من بطأ به عمله لم يسرع به نسبية، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. ما يفيدك النسب شيء إذا ما أفادك العمل، فلابد من العمل. فلما كان العباس قد جمع بين الأمرين، كونه من آل بيت رسول الله، ومع ما كان من توحيده وإسلامه وصحبته برسول الله وتمسكه بشريعة الله، عظم في قلوب الصحابة، فكان يقدمونه في هذا المقام الرفيع. والعباس دامت حياته حتى بلغ إلى سن الثمانين والثمانين سنة، فتوفي في هذا العمر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، ودفن في البقيع. هذا ما يذكر إخواني في الله عن هذا البيت، والذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وأسلم العباس بعد الأسر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.