التعليق على عقيدة السلف للصابوني 15

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 15

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقيدة السلف وأهمية التواصي بالحق والصبر

يشرح الشيخ أهمية التواصي بالحق والصبر والتحاب في الدين. هذه الخصال من أصول النجاة كما جاء في سورة العصر.

ضوابط التعامل مع المخالفين وآداب النصح

ينبغي للمسلم أن يصبر على المخطئ ويناصحه، ويتفادى الجدال إذا أدى إلى الفرقة. يراعى في ذلك المصالح والمفاسد.

منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الخصومات

يتناول المقطع منهج أهل السنة في التعامل مع الخصومات وأهل البدع، مع ضرورة الاقتداء بالنبي وأصحابه والتعامل بالرفق.

خطوات الشيطان وضرورة الاعتصام بالدين

الفتنة تدرج الناس من المعاصي إلى الكفر، والاعتصام بالله واتباع النبي يحمي من الشيطان وطرقه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى- تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذا الكتاب النافع الماتع، كتاب الإمام الصابوني -رحمه الله- في عقيدة السلف أصحاب الحديث. قال -رحمه الله تعالى-: «ويتواصون بالحق وبالصبر، ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الدين والخصومات والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات». وهذا كذلك من عقيدة السلف وأصحاب الحديث اتباع الكتاب والسنة، أنهم يمتثلون ما أمرهم الله عز وجل به في كتابه، وما أمرهم به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وما كان عليه خيار الناس، صحابته -رضي الله عنهم وأرضاهم- عليه، ومن اتبعهم بإحسان، إن صالح المؤمنين من التابعين، واتباع التابعين، إمة الدين. فقوله: «يتواصون بالحق والصبر» إشارة إلى قول الله عز وجل في وصف أهل النجاة من الخسارة في سورة عظيمة ذكرها الله عز وجل في كتابه. قال بعض أهل العلم، كما روي عن إمام الشافعي: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم، لعظيم ما فيها من أصول النجاة من الخسارة»، وهي سورة العصر، في قول الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. التواصي بالحق هو التواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل ما أمر الله به في كتابه، أمر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، أو نهى عنه سبحانه في كتابه، ونهى عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وما دلت عليه الشريعة بعمومات أدلتها وثوابت هذا الدين وقواعدها، فكل هذا من الحق الذي هو أحد الأسباب الأربعة للنجاة من الخسار. فقد أخبر الله عز وجل في هذه السورة العظيمة، بعد أن أقسم بالعصر -وهو الزمان، وقيل: صلاة العصر، والراجح الأول- والله يقسم بما يشاء من خلقه، تنبيها لعظم ما أقسم به، بأن كل إنسان خاسر، إلا من اتصف بهذه الصفات الأربعة: الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. التواصي بالحق -كما تقدم معنا- هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة للخير والبر والهدى الذي به خيرية هذه الأمة، كما قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فخيرية هذه الأمة هو بالقيام بهذا الواجب، واجب النصيحة، وواجب التواصي بالحق، ولهذا كاد الدين أن يجتمع في هذا الأصل، ولهذا قدمه الله عز وجل في صفات أهل الإيمان على سائر الواجبات، لأن كل الواجبات تقوم عليه. كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية، فدل على أن من أعظم صفات أهل الإيمان الذين هم طبقوا هذا الإيمان بحق وصدق، أنهم يقومون بهذا الواجب، وكل الواجبات تبع له. فإذا أمر نفسه بالتواصي بالحق، فإنه سيقيم دين الله، أركان الدين، وأركان الإيمان، والإحسان، وسائر ما أمر الله عز وجل به، وأمر به رسوله -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا كذلك في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح المشهور، حديث برقية ميم أو سداري -رضي الله عنه أرضاه-: «الدين النصيحة». وفي رواية خارج الصحيح كررها ثلاثا، في رواية مسلم كررها ثلاثا -يعني خارج البخاري- قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، كررها ثلاثا تأكيدا وتنبيها، أن الدين كاد أن يجتمع لعظم هذا الواجب في النصيحة، وهو التواصي بالحق، والأدلة في هذا كثيرة. فلذلك نبه عليه في هذه العقيدة، لأن به يصلح دين الفرد والمجتمع، وبالصبر -وهو الخصلة الرابعة من خصال النجاة من الخسارة- الصبر على الإيمان. إذا اجتمع الإيمان والعمل الصالح، صار الإيمان العلم والاعتقاد، والصبر على العمل الصالح، الصبر على العلم والاعتقاد وتعلمه، والصبر على العمل الصالح والثبات عليه، والصبر على التواصي بالحق والثبات عليه، فإذا حقق هذه المعاني من الصبر، فإنه -بإذن الله- سينجو من الخسارة. ومن ذلك الصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى. وقوله: «ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه»، الحب في الله والبغض في الله من أعظم عرى هذا الدين، كما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهو مثل كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، فكلمة التوحيد نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله عز وجل وحده. فأنت تحب الله عز وجل ورسوله ودينه، وتبغض كل ما عارض ونافى ذلك، وأنت تحب كل من يحب الله ورسوله ودينه، وتبغض كل من عادى ذلك، ولهذا صار من علامات الإيمان الكامل والصحيح الحب في الله والبغض في الله. ولا يجتمع إيمان وحب من هو عدو للإيمان، لا يجتمع حب الله وحب عدو الدين، عدو الله، لا يجتمع حب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحب من يعادي دين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، والآيات في هذا الباب كثيرة. و(صح) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين، من حديث أنس، وجامع نعيم -غيره-: «أن أعلى مراتب هذا الحب أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فلا يكفي أن تحب، بل تحب لأخيك ما تحب لنفسك. ومن ذلك، وأعظم ذلك، أن تحب له الدين والعقيدة الصحيحة، والاستقامة على السنة، وفي المقابل تبغض له ولنفسك كما تبغض لنفسك الشرك والكفر والإلحاد والنفاق والبدعة والمعاصي، وهذا هو الحب في الله والبغض في الله. وكلما كملت هذه المحبة، كمل الإيمان، وكلما نقص الإيمان، نقصت المحبة. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، في السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وافترقا عليه» -يعني اجتمعا لأجل طاعة الله، واتباع أوامره، وافترقا كذلك على ذلك-. وهذا الافتراق هو من البغض، لأنك تبغض كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، ومن يفعل ما يبغض الله سبحانه وتعالى. ولا يعني ذلك أن نستعجل الهجر، وكذلك نستسهل ونستشرف الفرقة، بل الفرقة شر، والاجتماع مطلوب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وكما قال الله عز وجل -محذرا من الفرقة، ومبينا أنها ليست طريق المؤمنين، بل طريق الكافرين-: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. والناس في هذا الباب طرفان ووسط، فإن من الناس من يريد أن يجمع الحق والباطل، فيريد أن يجمع كل من ينتسب للإسلام، ولو وقعت منه المخالفات العقدية، أو البدع والخرافات، أو المعاصي، ويجعله سواء كأهل الإيمان، وهذا خطأ. بل الإسلام فرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك، فإن المؤمن الخالص في إيمانه لا يقع منه الشرك، ولا كفر، ولا إلحاد، وإذا فعل، فإسلامه ينهدم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، بل قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهو المنزه: «المراد بهذا العظة والعبرة أنه لا أحد يسلم من انتقاض الدين إذا وقع منه الشرك، ولو كان نبيا أو رسولا، والأنبياء والرسل أبعد الناس عن ذلك». قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وهكذا البدع والمعاصي ينبغي الحذر منها، لأنها تنقص الدين، وكذلك تخرج عن طريقي نبينا -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، فينبغي الحذر من البدع والمعاصي. وكما قلنا: الناس طرفان ووسط، فمنهم من يريد أن يجمع الناس بما معهم من الحق والباطل، وهذا خطأ، ومنهم من يفاصل الناس بمجرد الوقوع في الخطأ، وهذا خطأ. بل ينبغي أن نصبر على المخطئ، فنناصحه، وهذا من التواصي بالحق، ونصبر عليه، حتى إذا يئسنا من العلاج، فعند ذلك يكون البتر، مثل العضو من الجسد إذا أصيب بالمرض والداء، فإنك لا تبادر لقطعه، بل تصبر في علاجه، مع شدة الألم، وتستمر في هذا العلاج، حتى إذا يئست من العلاج، وقرر الأهل الاختصاص أنه ربما سرى هذا الداء إلى سائر الجسد، فالحل هو قطع هذا العضو الفاسد، فعند ذلك تقطعه، وأنت في غاية الحزن والألم، لا تريد أن تقطعه، لكن تقطعه، وتتخلص من هذا الداء، لأجل أن لا ينتقل إلى سائر الجسد السليم، من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. فأنت لا تريد كل الجسد يهلك، مثل داء السرطان، وما كان بمعناه، قد يكون الحل قطع العضو الذي يؤس من علاجه، ليسلم باقي الجسد. فكذلك الحال في مسألة الهجر، فالناس في الهجر طرفان ووسط، فإن من الناس من يستشرف الفرقة والمفاصلة في أدنى خلاف، بل حتى ربما مع إخوانه يهجر ويفاصل، وهذا من الغلو الذي حذرنا منه. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم والغلو»، كما تقدم. وكذلك المحبة الحقيقية تقتضي الصبر على المحبوب، فإنك لو وقع أحد أحبابك من أبنائك أو أقربائك فيما يقتضي المفاصلة، فإنك لا تستعجل المفاصلة، بل تجتهد في دعوته إلى الحق، وتصبر، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع عمه، لم يزل به يدعوه إلى الإسلام إلى آخر لحظة من حياته، حتى كان آخر ما قال: «أنه على ملة عبد المطلب»، وهو يكر عليه: «يا عم، قل كلمة أحاج لك بها عند الله، يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، فأبى، إلى أن مات، وقال: «أنه على ملة عبد المطلب». فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على تحقيق هذه المحبة، ببذل النصيحة، والتواصي بالحق، إلى آخر لحظة يستطيعها. ولذلك فأهل السنة في الغالب يحرصون دعوة المخالفين، والمخالف هو الذي يفارق ويفاصل، فيستعجل بالخروج والمفاصلة والفرقة، وأما أهل السنة، فهم يحرصون على الاجتماع، مع النصح والتوجيه والإصلاح، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وكذلك قوله -رحمه الله-: «ويتجنبون الجدال في الدين، والخصومات فيه»، الجدال في الدين هو كل جدال يجر إلى الفرقة، وإلى التشكيك في ثوابت الدين. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل»، «إلا أوتوا الجدل»، فالجدال مفتاح شر، والجدال منه ما هو مذموم، وهو ما تقدم، ومنه ما هو ممدوح، وهو دعوة الآخرين من المخالفين إلى الحق. ولهذا جاء بصيغة النهي: «ولا تجادل أهل الكتاب إلا بماذا؟ بالتي هي أحسن»، فإذا دخلت في الجدال، فليكن بالتي هي أحسن، لأجل أن ترغبه في الحق، كافرا أو مبتدعا أو عاصيا، وليس بالتي هي أخشى، لأنك لو فعلت الثاني نفرت عن دين الله سبحانه وتعالى. بل ينبغي أن تسلك مسلك التحبيب لهذا الدين، بالعلم والعمل والأخلاق، والمواقف العادلة التي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولذلك حتى إذا هجرت، واضطررت إلى الهجر، فإنك تهجر الهجر الجميل، كما قال الله عز وجل: ﴿فَهَجَرَهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾، وهذا مع الكفار، فكيف مع أهل البدع، ومع العصاة؟ الهجر الجميل هو الهجر العادل الذي ليس فيه تعدي على ثوابت الدين، والحق هو يعلم أنك تركته لأجل أن ترده إلى الحق. لأن الهجر له ثلاث فوائد -كما قلنا- لا نضطر إليه إلا عند الضرورة، ومع ذلك إذا اضطررنا إليه، يكون لأحد ثلاثة أسباب. السبب الأول: أن نحمي المجتمع من شر هذا المهجور، كافرا أو مبتدعا أو عاصيا، لنحمي المجتمع من شره، لأنه إذا خالط الناس، نقل إليهم هذا المرض وهذا الشر، فلأجل أن نحمي المجتمع يهجر، ونأمر الناس بهجره، وهذا الذي يجاهر ويدعو إلى الفساد والشر الذي هو عليه، كفرا كان أو بدعة أو معصية. والنوع الثاني: ليس هو من أهل النوع الأول، لا يدعو إلى كفر، أو بدعة، أو معصية، لكنها محصورة عليه، فمثل هذا يهجر هجرا أخص، لأجل أن نرده إلى الحق، فلا يحتاج أن يشنع ويشاع خبره، لأننا إذا أشعنا خبره، ربما فتنا الآخرين: «لماذا فلان صار كذا؟ لماذا فلان صار كذا؟»، لكن تهجره بما يكون سببا في ردعه أن يرجع إلى الحق. وفي الغالب هذا النوع من الناس رجاء رجوعه أكثر من النوع الأول، فلذلك يعامل بمعاملة أخف، فأنت تهجره، مع استمرار نصحه، تذهب تنصحه، لأنه ليس بداعي، فقط في نفسه، وبهذا الاستمرار لعله يرجع، فيكون صلتك به صلة تواصي بالحق ونصح، لكن تعطيه الهجر الجميل الذي ذكر الله، حتى تعطيه خط رجعة أن يرجع إلى الحق، أن يرجع إلى الحق. والنوع الثالث من الهجر: أن يكون الهجر لأجل أصل ذلك المذهب، أنت ما تعرف حال الرجل، ولكن هذه الفكرة بدأت تنتشر، وتخاف أن من دخل فيها يفتن الناس، وأنت لا تدري: هل هو داعي، غير داعي، محصور على نفسه؟ فهذا يهجر هجر وسط بين الأول والثاني، وكذلك نعطيه فرصة للرجوع، وهو بالهجر الجميل. ومجادلة أهل الباطل كذلك ينبغي أن يرعى فيه المصالح من المفاسد، فإذا كان الباطل قويا، واغتر الناس به، فربما يقبل الإنسان المجادلة، ولو علنا، لأجل أن يكون سببا في رجوع كل من تأثر بهذا الباطل إلى الحق. وإذا كان الباطل ضعيفا ضئيلا، فليس من المصلحة أن نجادل أهل الباطل، فضلا أن تكون على وجه المناظرات، بالإشهار والإعلان، لأنه بهذا ينتشر الباطل، ويتعرف عليه من لا يعرفه، بل أمثال هؤلاء يتركون، ولا يجادلون، لأجل أن ينخنس، ويموت الشر الذي معهم. فإذن لا بد أن نفرق في باب الجدال بما تقتضيه المصلحة، وعلى هذا طريقة علمائنا وإمتنا ومشايخنا، بل وكذلك ما كان عليه السلف الصالح، ابن عباس ذهب فناظر الخوارج لما ظهرت فتنتهم، فكانت هذه المناظرة سببا في رجوع آلاف منهم إلى الحق، في رجوع آلاف منهم إلى الحق، في هذا مصلحة. وبينما أناس آخرون طلبوا المناظرة، فما ناظرهم لا ابن عباس، ولا غيره، لأن باطلهم صغير ضئيل، حتى لا ينتشر ذلك الباطل، لا يرفعون فوق منزلتهم. وقوله -رحمه الله تعالى-: «والخصومات فيه»، الخصومات يبغضها الله عز وجل، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» -يعني الذي عنده لدود وكثرة خصومة، يخاصم هذا وهذا وهذا، وفي كل شيء يجعل فيه خصومة- هذا الفعل مذموم، وليس من طريقة أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح وأصحاب الحديث. فأتباع السلف وأهل الحديث يبغضون الخصومات، ولا يفعلونها، وينهون عنها، ولذلك تجد الذي يدخل في باب الخصومات في الغالب لا يوفق لحسن الخاتمة، بل تكون خصوماته سببا في حرمانه طريق أهل السنة والجماعة. ولهذا جاءت الأدلة من الكتاب والسنة، والآثار الكثيرة عن سلف الأمة، بالتحذير من الخصومة في الدين، بل حتى في غير الدين، ينبغي للإنسان أن يكون سمحا، وأن يكون رفيقا في معاملاته وأخلاقه ومواقفه. وإذا وقع عليك ظلم أو تعدي، فالصبر والتغافل، واعلم أن العاقبة للمتقين، الله عز وجل سينصرك، ولو بعد حين، فإن العاقبة للمتقين سنة الله سبحانه وتعالى، ووعده، والله لا يخلف المعاد. لكن إذا دخلت في الخصومة، أنقصت من منزلتك، وشوهت بالدين الذي تحمل، وفرقت الصف، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة. لكن التغافل والصبر، إلا في شيء لابد أن يوضح، فإنك توضح، حتى لا يشوه الحق، وفرق بين التوضيح والخصومة، فهو من باب: «إنها صفية»، تعرفون حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يرد أهله بالليل، وهو معتكف، وخشية عليها أن ترجع ليلا، فرآه بعض الصحابة من الأنصار، فدعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «خشيت أن يقذف الشيطان في قلبكما -أو في قلوبكما- شرا»، حين قال: «إنها صفية»، «على رسلكما، إنها صفية»، فقال: «استغفر الله يا رسول الله» -يعني ما كنا نظن بهذا حتى تقول لنا هذا- يعني: «أنت أرفع من أن نشك فيك، أو نسيء الظن فيك يا رسول الله»، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شرا»، «حتى لا يوسوس الشيطان، ويأتي بالخواطر السيئة»، بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه المرأة التي معه في نصف الليل، هي زوجته، جاءت تزوره إلى اعتكافه، ويردها إلى بيتها، صيانة وحفظا لها. فإذا كان هذا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن باب أولى صاحب الحق إذا ظلم، واتهم بتهمة باطل، وخشية أن يصدق الناس هذه التهمة، وضح وبين، لا من باب الجدال والخصومة، ولكن من باب: «إنها صفية»، حتى لا تدخل هذه الشبهة في قلوب من لا يعرفها، ولم يتثبت فيها، فالواجب التثبت. وقوله: «ويجانبون أهل البدع والضلالات»، هذه المجانبة على التفصيل الذي تقدم، فإن المجانبة مجانبة مع إعانتهم للرجوع، نعطيهم خط رجعة، لكن إذا هجرت الهجر الفاحش الذي فيه أذية، واستصغار، واحتقار، وكذلك إذلال، مثل هذا لا يمكن أن يرجع هذا المخالف إلى الحق، بل على العكس، الطريق الذي تمشي فيه سيمسك الطريق الآخر، لما وقع من هذا التعدي. لكن إذا عاملته بالأخلاق الكريمة، واستمررت في نصحه، وإرسال من ينصح ويبلغه النصيحة، فإن ذلك يكون مدعاه لفتح خط رجعة لهذا الإنسان. ولذلك يوفق العلماء الصادقون، وأهل الحكمة والرفق، لهداية الناس، ورجوعهم إلى الحق، مثل هذه الأخلاق الكريمة، والمواقف الصحيحة، وكذلك التصرفات السليمة. وقوله -رحمه الله-: «ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات»، هذه المعاداة كذلك معاداة من باب قوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، فإذا صدر باطل، ترد هذا الباطل، إذا صدرت شبهة، تجيب على هذه الشبهة، إذا أقاموا منكرا، تنهى عن هذا المنكر. لكن لا تتعدى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، إنسان يدعو إلى باطل، حذر من الباطل، لكن لا تتعدى، تقول: «فلان خسيس، فلان أصله من أسر كذا، وعنده كذا وكذا»، وتدخل في أشياء خاصة، ليس لها علاقة بما أنت فيه، وهذا من التعدي. ويجب العدل في هذا الباب، حتى مع العدو، كما سمعنا في الآية: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، «اعدلوا هو أقرب للتقوى»، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان، ويتائد القرب، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون». قال -رحمه الله-: «ويقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبأصحابه، الذين هم كالنجوم، بأيهم اقتدى اهتدى»، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فيهم، وهذا من باب التأكيد لما سبق. وتقدم فضل الصحابة -رضي الله عنهم-، وعظيم منزلتهم، فهم كالنجوم، فالنجوم تضيء في السماء، ويستدل بها الناس في الوصول إلى الطرقات، وتكون سببا للإهتداء، فهذه الفوائد يستفاد منها كذلك من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. وقد مر معنا أدلة الكتاب والسنة التي تدل على أهمية لزوم إيمانهم وطريقتهم ومتابعتهم، فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا، «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فلهم الجزاء العظيم»، الذي ذكر في الآية: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. «فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا»، «ما هو الحل؟ عليكم بسنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». ولما أخبر عن الفرق المختلفة، ونجات فرق واحدة، قال في الحديث الذي معناه صحيح: «ويحسن بعضها للعلم، كلها في النار إلا واحدة»، «هم على من أنا عليه وأصحابي»، وغير هذا كثير. ومن ذلك أن مخالفتهم، أن مخالفتهم سبب لخسارة الدنيا والآخرة، لأن اتباعهم سبب للسلامة، وسير بسيرهم سبب للأمان والنجاح، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهذا التأكيد لما سبق، وأول المؤمنين في هذه الآية، المقصود بهم أم الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-، ومن اتبعهم بإحسان، فينبغي الحذر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قدوتنا، قدوة السلف، مخالفته، وعدم الاقتداء به، سبب للخسارة الحقيقية، فهو من باب أولى، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. رؤي عن إمام أحمد: «أن الفتنة شرك»، فالناس يتفاوتون ويتدرجون في الفتنة، بحسب المخالفة، لا يستسهل للإنسان المخالفة، إذا استسهل تدرج به الشيطان، وربما أوصله إلى الكفر. انظر إلى بعض الناس بدأ بالمعاصي، وأتبع بالبدع، وثلم بالاستهزاء بتوابط الدين، حتى وصل إلى الإلحاد والردة، وأنتم ترون أصحاب الإلحاد والردة الذين نراهم اليوم، يشككون في توابط الدين، ويطعنون فيما عليه أهل الإسلام والمسلمين، كانوا قد بدأوا ذلك بالمعاصي، ثم المحدثات، ثم انسلخوا من الدين، وهذه خطوات الشيطان، مصداقا للآية. ولذلك أمر الله عز وجل بالاعتصام، إكمالا وإتماما، وحفظا وصيانة لأهل الإسلام، من أن يدخل عليهم شيء من الشرور والآفات، كلما كان الإنسان أكثر اقتداءا واعتصاما بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، كان قد تحصن أكثر، وأمن أكثر، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فالذي يرجو الله واليوم الآخر، ويريد ذكر الله كثيرا، فليأتسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا الذي يحافظ على الفرائض والنوافل، وذكر الصباح، وذكر المساء، والرفقة الصالحة، وكل خير كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- قولا وعملا، أو دعا إليه، فإنه قد حفظ نفسه من شياطين الجن والإنس، ومن الشبهات والشهوات. بخلاف الذي تساهل في النوافل، فإن باب الفرائض في خطر، تساهل في الفرائض، باب الإيمان في خطر، تساهل في الإيمان، الدخول في الردة ماذا؟ كذلك يأتي منها الخطر. فكلما ترك شيئا، كان الذي بعده من خطوات الشيطان أقرب، فينبغي الإنسان أن يحمي نفسه بالاقتداء والاقتساء. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ثم ختمت الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، يعني ترك اتباع الرسول، ومخالفته، ليس من تقوى الله، وهو موجب للعقاب الشديد، فينبغي للمسلم أن يحذر، وأن يحفظ نفسه باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولزوم غرز أصحابه -رضي الله عنهم أرضاهم-. قال -رحمه الله-: «يقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين، علماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين، من الدين المتين، والحق المبين». وهذا كذلك، فإن الذي يتبع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقتدي به، وبالصحابة، فإنه يقتدي كذلك بالسلف الصالحين. والسلف المراد بهم هم القرون الثلاثة المفضلة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن مسعود، ومعناه من حديث أبي سعيد -غيره-: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ذكر ثلاثة قرون، وفي رواية ذكر قرنا رابعا. فهذه القرون الثلاثة محفوظة بنص حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأنت تستنير بعلمهم، وفتاويهم، ونصائحهم، ولذلك -كما قال العلماء-: كانت قوة أهل الإسلام، وعزته، وصفاء أهله، ونقاؤه في هذه القرون الثلاثة، وجاءت البدع والمحدثات والضلالات بعدهم. وكلما تمادى الوقت، جاء الشر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». وقوله: «من أئمة الدين، وعلماء المسلمين»، يعني كذلك من اتبع السلف الصالح، من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، ممن تمسك بالدين المتين، والحق المبين، وهو الكتاب والسنة، وما كان عليه نبينا -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة، وسلف الأمة. قال -رحمه الله-: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم». وهذه الجمل قد سبقت الإشارة إلى التفصيل فيها. فبغض أهل البدع -كما تقدم- هو من الولاء والبراء، وهو يكون لأحد خصال ثلاثة، فالمقصود هو رد هذا المبتدع إلى الحق، أو حماية المجتمع من شره، أو الحفاظ على الدين من دخول الدخل عليه. وذلك لأن هؤلاء غالبا يكون عندهم من الشبه ما يكون سببا في فتنة الناس، فلذلك يحفظ المجتمع بهجرهم، وببغضهم، وبعدم مصاحبتهم، لأنهم أعظم من