الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 36، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
استعرض المقطع أدلة تحريم تعذيب الحيوانات والناس بالنار مستدلاً بحديث أبي هريرة في نسخ أمر النبي بحرق رجلين، وقصة ابن مسعود مع الحمرة وقرية النمل، مؤكداً أن العذاب بالنار مختص بالله تعالى وحده.
أوضح المقطع تحريم تعذيب الحيوانات بالحرق مستدلاً بقصة قرية النمل، مؤكداً أن التعذيب بالنار حق خالص لله، ثم انتقل لبيان حرمة مطل الغني في سداد الدين مع القدرة عليه، معتبراً ذلك ظلماً وخيانة للأمانة، مستشهداً بآيات القرآن والأحاديث النبوية التي تأمر بأداء الأمانات إلى أهلها.
بين المقطع أن مطل الغني القادر على السداد ظلم محرم، وأن الإحالة في الدين لا تصح إلا إلى مليء قادر على الوفاء، ووجوب إحسان المعاملة بين الدائن والمدين، ومن كان معسراً فله النظرة إلى ميسرة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، محذراً من أن المماطلة تقطع المودة وتضر بالمجتمع.
أوضح المقطع أن الحديث النبوي يُعد أصلاً في باب الحوالة، مبيناً جواز قبول الحوالة عندما يُحيل المدين على مليء، ومختتماً بالتأكيد على صحة هذا الحكم الشرعي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب "الأمور المنهية عنها" من "رياض الصالحين": باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب بالنار إلا ربنا تبارك وتعالى». ولما حصل ما حصل من الخوارج، أو حصل ما حصل من أولئك السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، إذ اعتقدوا الألوهية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقام علي وحرقهم بيئة نار، وقال مقولته المشهورة: «لما رأيت أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً». كان ابن عباس ممن أنكر ذلك، وقال: «لو أنه قتلهم بغير ذلك؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار». قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً» لرجلين من قريش سماهما، «فأحرقوهما بالنار». قال: فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما». رواه البخاري. واستدل بهذا الحديث من استدل من أهل العلم على جواز نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به. وأيضاً هذا الحديث يعتبر دليلاً على نسخ السنة بالسنة. وهكذا أيضاً فيه تحريم التعذيب بالنار، وبيان العلة في ذلك: أنه لا يعذب بالنار إلا الله تبارك وتعالى. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة، والحمرة هو الطائر الصغير الذي يشبه العصفور، طائر صغير. قال: فرأينا حمرة، أو حمرة معهما فرخاني، يعني صغيرها. قال: فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، يعني أنها جعلت ترتفع وتضلل بجناحيها من كان تحتها، وهذا يدل على انزعاجها مما وقع لفرخيها. قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من فجع هذه بولديها؟» أو «بولده؟» «ردوا ولدها إليها». وفجع يعني أنه رزأ، وكذلك أيضاً أخافها في ولدها. قال: «ردوا ولدها إليها». قال: ورأى قرية نمل قد حرقناها، وقرية النمل هي مساكنها وبيوتها. قال: ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: «من حرق هذه؟» قلنا: نحن. قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار». رواه أبو داود بإسناد صحيح. قوله: «قرية نمل» معناه: موضع النمل، مع النمل. وهذا يا إخوان فيه ما سبق من الرحمة والرأفة بالحيوان، إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. وهكذا أيضاً فيه تحريم التحريق بالنار، ولو كان في حق الحيوانات أو الحشرات، ولو كانت مؤذية، ممكن أن تتخلص من أذيتها بغير التعذيب بالنار. والتعذيب بالنار هذا من خصوصيات رب العالمين تبارك وتعالى، فلا ينبغي لأحد أن ينازعه في أمر اختص به، اختص نفسه به. وما يفعله بعض الآباء إذا أراد أن يعاقب ولده، لربما أحمى شيئاً على النار وأتى وكوى جسده بذلك أو بتلك النار، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: باب تحريم مطل الغني بحق، أو باب تحريم مطل الغني بحق لطلبه صاحبه. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم». أحسن إليك إنسان فأعطاك ديناً، أعطاك شيئاً تنتفع به على أن تعيده، وقد يكون بينك وبينه موعد، فيأتي الموعد أو يكون عندك القدر على الوفاء والسداد، فيؤخر لغير حاجة ومن غير ضرورة. وبعض الناس يتفنن في أذية من أحسن إليه وأقرضه وساعده، فهذا لا يجوز، هذا من عدم أداء الأمانات إلى أهلها. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ومن الأمان يا إخوان: الودائع، ومن الأمان: الديون وسدادها، إلى غير ذلك من صور الأمانات. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهذه الآية جاءت بعد أي آية؟ هذه الآية جاءت بعد آية الدين، آية الدين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾. فائتمنك أخوك ورضي بك أميناً، فلا تخيب ظنه، وأَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». متفق عليه. والمطل هنا يا إخوان كما سبق يعني: تأخير ما استحق أداؤه مع القدرة على أدائه. قال: «مطل الغني»، ومعنى الغني: أي الذي يقدر على السداد والوفاء، الذي يجد ما يسدد به. قال: «ظلم». قال: «وإذا أتبع أحدكم» أتبع يعني: أحيل الدين عندي، لكن ما رأيك؟ أنا سأحولك على شخص هو الذي سيعطيك هذا الدين. قال: والله فلان طايع، طايع، طايع، فلان طايع. فنظر في طايع ودقق النظر فيه، وجده مليئاً. كيف مليء؟ يعني عنده القدر على السداد والوفاء لأنه ذا مال، صاحب تجارة. فهنا يا إخوان ينبغي أن يقبل، قال: «فليتبع»، أن يقبل الإحالة، يقبل الإحالة. وإذا أتبع على غير مليء، على رجل ضبحان طفران، ما عنده ما يسدد به، ما عنده ما يسدد به، قال: «ديني على فلان»، وفلان ما يملك ريالاً في جيبه، كيف سيسدد عنك؟ فهنا ماذا؟ له أن لا يقبل هذه الحوالة والإحالة. وهذا يا إخوان فيه ما تقدم مما يتعلق بأنه لا يجوز، أنه لا يجوز المماطلة في إعطاء الحقوق وسداد الديون، وأن ذلك يعتبر من الأمور المحرمة. وهكذا أيضاً فيه الحث على الإحسان في التعامل بين الناس، التعامل بين الناس مبني على الإحسان، على الإحسان، فينبغي أن يكون الإحسان ممن يعطي، وهكذا أيضاً الإحسان ممن يفي، ممن يفي. وهكذا أيضاً فيه أنه ينبغي أن ينظر المعسر، إنسان معسر، حان وقت سداد الدين، قال: «أدِّ: أَدِّ ما عندك يا فلان»، قال: «إني معسر ما عندي شيء». هنا يأتي قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ينبغي على صاحب الحق أن يقدر الظرف وأن يعذر هذا المعسر وأن يصبر عليه إلى ميسرة، أي إلى أن يسر الله عز وجل له. وهكذا أيضاً هنا لفتة يسيرة يتضمنها هذا الحديث، ألا وهو أن ديننا يرشد إلى ترك الأشياء التي تقطع المودة بين الناس، فالمماطلة تسبب زعلاً، تؤدي إلى غضب، تسبب خصومات بين الناس، ولهذا نهينا عن ذلك، نهينا عن ذلك. والمماطل هذا لا يضر نفسه وخصمه فحسب، بل ضرره على الآخرين، هذا المحسن الذي يعطي ويدين، فإذا حان وقت السداد لا يجد وفاءً، مرة أخرى لو جاء شخص يطلب ديناً أو يريد أمراً، قل: يا أخي معذرة، كم من واحد ديناه ما وفى بهذا الدين، يا أخي العفو منك، انظر شخصاً آخر يقرضك ويدينك. وهكذا يا إخوان فيعود الضرر على الآخرين. وهكذا في هذا الحديث جواز قبول الحوالة، «وإذا أتبع أحدكم» أي أحيل على مليء فليتبع، وهذا من الأحاديث التي هي أصل في باب الحوالة، في باب الحوالة. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.