شرح كتاب التوحيد 274

شرح كتاب التوحيد 274

الدرس في شرح كتاب التوحيد 274، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في إنكار القدر وبدعة معبد الجهني

يبدأ المؤلف بذكر باب ما جاء في منكر القدر، مستدلا بقول ابن عمر رضي الله عنه، ويشير إلى بدعة معبد الجهني الذي زعم أن الأمر مستأنف وليس مقدرا مسبقا. هذا يمثل تمهيدا لفهم أهمية الإيمان بالقضاء والقدر.

إنكار القدر وكفر من أنكره

يشرح المقطع موقف ابن عمر من إنكار القدر، ويبين أن من أنكر القدر فقد كفر، مستدلا بحديث الإيمان، ويوضح أن إنكار علم الله السابق يؤدي إلى وصفه بالجهل، وهو كفر. هذا يوضح خطورة إنكار القدر.

تعريف الخير والشر في الإيمان بالقضاء والقدر

يتم تعريف الخير والشر في سياق الإيمان بالقضاء والقدر، حيث الخير هو ما يلائم طبيعة الإنسان، والشر هو ما لا يلائمه. الإيمان بالقضاء والقدر يتطلب الإيمان بأن كل شيء بقدر الله. هذا يبين عمق الإيمان بالقضاء والقدر.

ختام الحديث والتأكيد على العلم الإلهي

ينتهي الحديث بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه. يُنهي الكلام بالتأكيد على العلم الإلهي، مما يعزز أهمية الإيمان بالقضاء والقدر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في منكر القدر، قال: وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، والذي قد مضى معنا شيئا من مقدماته فيما معنى القضاء والقدر وما يتعلق بمراتبه، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر والحديث، والذي فيه أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه يقسم بالله، قال: والذي نفس ابن عمر بيده، وهو الله سبحانه وتعالى التي أنفس وأرواح العباد بيده، على ماذا حلف؟ قال: لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. هذا الكلام من ابن عمر رضي الله تعالى عنه جاء في معرض كلامه مع أناس جاء إليه أناس يسألونه عن القدر، وأخبروه عن رجل ظهر في البصرة اسمه معبد الجهني، وأن هذا الرجل أتى بمقالة غريبة جديدة، وهي من المقالات المبتدعة المستحدثة التي ما سمع الناس بها. فكان من أمر هؤلاء أنهم سألوا أهل العلم، وهكذا كن يا عبد الله، إذا استجد جديد في أمر الدين أشكل عليك، لا تستعجل في استقباله، فضلا عن الانخراط فيه، بل سل، «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». فجاءوا هؤلاء وسألوا عن هذه المقالة، وما هذه المقالة؟ قالوا: إن يا ابن عمر أن رجلا يقول: بأن الأمر أنف، وما معنى الأمر أنف؟ معناه أن الأمر مستأنف، بمعنى أن الأمر مستحدث. هذه المقالة أتى بها معبد الجهني لكي يعارض مبدأ القضاء والقدر، قد مر معنا أن مبدأ القضاء والقدر فيه أنك تقر بأن الله قدر وعليم بالأشياء قبل وقوعها، لكن أتى هذا، قال: لا، لا، الأمر لم يكن مقدرا من قبل، بل إن الأمر جديد، الأمر مستأنف، الأمر مستحدث الآن، حصل الأمر الآن، أراد الله هذا الشيء أن يقع، أما قبل هذا الله ما قدر علينا شيئا. ولهذا تدور فكرة هؤلاء، معبد الجهني وهو أول من أسس لبنة القدرية، وهم نفات القدر، أول من أسس البنيان هو هذا المبتدع معبد الجهني، زعم على أن الأمر أنف، أي أمر مستأنف، الأمر مستحدث، بمعنى ما هناك قديم، ما عندنا شيء يسمى تقدير الله، ما قدر، ويدور مذهب على أن الله ما علم بالأشياء قبل وقوعها، ولا قدرها قبل وقوعها، الآن نعم، الآن قد علم الله بوقوعها، الآن الأمر أنف، أي مستأنف، مستحدث. هذه المقالة هي من مقالات نفات القدرية، ممن أنكروا قدر الله عز وجل، فكيف عامل ابن عمر هذا المبدأ؟ فأقسم بالذي سمعتم، والذي نفسي بيده، لو أن أحدهم، أي من أخذ بهذا المبدأ فأنكر قدر الله جل وعلا، فأنفق مثل أحد ذهب من أجل الأعمال الصدقات والنفقات، فلو قدر أن أحدهم أنفق الأموال الضخمة في سبيل الله، لكانت هذه الصدقات والأعمال مردودة على وجهه، لماذا مردودة على وجهه؟ لأنه لم يؤمن بالقضاء والقدر. ثم استدل ابن عمر رضي الله تعالى عنه بهذا الفهم، بهذا الحديث: «أن تؤمن بالله، الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر»، فمن شروط الإسلام ومن أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر ولابد، فمن أنكر القضاء والقدر فقد كفر، من أنكر القضاء والقدر فقد كفر، لأنه ما أقام الدين، مثله كمثل رجل أنكر وجود الله، مثله كمثل رجل أنكر باب النبوة والنبوات، مثله مثل رجل أنكر الكتب المنزلة، مثله مثل رجل أنكر اليوم الآخر، مثله كهذا المثال. من أنكر القضاء والقدر، الأركان ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر، ولهذا جزم ابن عمر بكفر هؤلاء، بأنهم لو عملوا ما عملوا من الصالحات، فإنها مردودة على وجوههم، لماذا؟ لأنهم كفروا، الإنكار لمبدأ القضاء والقدر كفر، وخاصة على هذا المذهب الذي يدور حول إنكار علم الله، بأن الله ما علم بالأشياء قبل وقوعها. ولماذا جعل العلماء أن إنكار علم الله كفر؟ لأن الذي ينكر علم الله السابق، ما الذي يلزمه؟ يلزمه أنه سيصف الله بالجهل، من أنكر علم الله سيقع في الداهية العظيمة، وهي أنه سيرمي الله بالجهل، وهذا هو الكفر. ومن هنا قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ناظروا القدرية بالعلم»، إذا أردت محاجة مع القدرية، ناقشهم في مسألة العلم، قال: «ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا». إذا جئت عند قدري، قل له: يا قدري، أنا أسألك السؤال، ما تقول في علم الله؟ هل تعتقد بأن الله قد علم ما كان وما سيكون؟ فاستمع لجوابه. إن قال: نعم، أقر بأن الله علم ما كان وما سيكون، إذا سقط مذهب القدرية، إذا خلاص، فالله عز وجل بكل شيء عليم، وبكل شيء قدير، انتهينا، وإذا قال: لا، أنا أنكر علم الله، قل: قم يا كافر، فمن أنكر علم الله فقد كفر. فالشاهد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه استدل على نفات القدر بهذا الحديث، مبينا على أن من أنكر قدر الله عز وجل، وأنكر علم الله السابق، وأنكر تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، فما استكمل الإيمان. وفي قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث المروي: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره»، ما معنى الخير والشر في باب القضاء والقدر؟ قال العلماء: الخير هو ما يلائم طبيعة الإنسان، والشر ما لا يلائم طبيعة الإنسان، هذا هو الضابط في معرفة الخير والشر في باب القضاء والقدر. مثاله: ما يلائم طبيعة الإنسان، مثل الصحة والعافية والراحة والأموال والخيرات والأرزاق والنكاح والأزواج والأولاد والإنجاب والأمن والأمان والاستقرار، قس ما شئت من هذه النعم، هذه في الطبيعة البشرية أن الإنسان يتلاءم معها، يقال: هذا خير، فما يقدره الله لك من هذه الأمور، يقال: هذا من القدر خيره، فالله قدر لك خيرا، خيريته أن هذا مما يلائم طبيعة الإنسان. والشر كما قلنا: ما لا يلائم طبيعة الإنسان، مثل المرض والسقم والضيق والحرج والفاقة والحروب والكروب والهموم والغموم والأحزان والموت والإصابة والآفة، قس على ذلك ما لا يريده الإنسان، هذا الذي ما يلائم طبيعة الإنسان، يقال: شر، فيقال: ربنا قدر عليه شرا. ما الفائدة بعد إذا علمنا الخير والشر؟ تعلم أن الخير والشر بتقدير الله، الله عز وجل قدر لك هذا الخير الذي يلائم طبيعتك، وقدر سبحانه الشر عليك ما لا يلائم طبيعتك، هنا من أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره، تعلم أن الكل من عند الله، الله قد قدر ذلك عليك، الله قد علم به، الله شاءه فيك، الله قد قدره أن يقع، مراتب القدر الأربع تجتمع معك في هذا المقام. وفي هذا المقام مع التنبيه على فائدة أن تؤمن بالقضاء خيره وشره، المقصود بالشر هنا يا عبد الله، هذا بالنسبة إليك أنت، أنت سترى في هذه الأشياء المذكورة: الأمراض، الأسقام، الموت، الآفات، الهموم، الغموم، الحروب، الكروب، هذه شر بالنسبة إليك أنت، لكن بالنسبة إلى الله جل في علاه، فالله أراد بها خيرا لك. ولهذا في صحيح مسلم من الدعاء الذي يدعو به المسلم ربه: «والشر ليس إليك»، سبحانه، «والشر ليس إليك»، أي الشر ما ينسب إلى الله، وليوصف الله عز وجل بالشر، قد يقول: قال كيف ما يوصف الله بالشر؟ وربنا قدر علينا الشر؟ قل: نعم، الشر هاهنا بالنسبة إليك أنت شر، لكن الذي قدره الله عليك إنما أراد من وراء هذا الشر خيرا لك. مثاله، مثاله، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله ما عليه خطيئة»، خير ومه خير، هذا خير أراده الله لك، يبتليك بالمحن، يبتليك بالأسقام، يبتليك بالأمراض فيك وفي أهلك، «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله»، هذه شر بالنسبة إليه، لكن انظر إلى المرادات من ورائها، قال: «حتى يلقى الله ما عليه خطيئة». فهذه مساء الإخوان في الله من المساء المهمة التي ينبغي أن نرعى لها اهتماما، والمؤلف رحمه الله تعالى سيأتي لنا بالأدلة الدالة على عظيم هذا المقام، لكن حسبنا ما أشار إليه المؤلف هاهنا، إذ ذكر لنا آه هذا الأثر عن ابن عمر في إنكاره على من علم منهم أنهم أنكروا القدر، فلم يثبتوا تقدير الله السابق للأشياء، وأنكروا علم الله السابق للأمور، فحكم عليهم بكفرهم، واستدل على ذلك بما جاء في الصحيح: «أن من أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره». إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.