شرح الجوهرة الفريدة 15

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 15، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى

يشرح المعتقد الصحيح لأهل السنة والجماعة في الإقرار بأسماء الله وصفاته الثابتة في الكتاب والسنة. يبين أن هذه الأسماء والصفات لا تعد ولا تحصى وتثبت لله دون تكييف أو نفي.

دلالة أسماء الله تعالى على الذات والصفة

يفصل دلالة أسماء الله على ثلاثة أوجه: المطابقة والتضمن والالتزام. دلالة المطابقة تعني دلالة الاسم على الذات والصفة معا.

تفويض الكيفيات في أسماء الله وصفاته

يشرح منهج أهل السنة في إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة دون تأويل مع تفويض الكيفيات. يبين أن السلف يثبتون الألفاظ الشرعية لدلالتها دون الخوض في كيفياتها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى- في منظومته «الجوهرة الفريدة»: «قال: وكل أسمائه الحسنى نقِر بها، إما علمنا وإما استأثر الأحد، مستيقنين بما دلت عليه. ومن ثلاثة الأوجه، اعلم ذكرها يرد، دلت على ذات مولانا مطابقة، به تليق بها الرحمن منفرد. كذا تضمنت المشتقة من صفة، نحو العليم بعلم، ثم تضطرد. كذلك استلزمت باقي الصفات، كما للقدرة استلزم الرحمن والصمد. وكل ما جاء في الوحيين من صفة لله، نثبتها والنص نعتمد. صفات ذات وأفعال نمر، ولا نقول كيف، ولا ننفي كمن جحد. لكن على ما بمولانا يليق، كما أراده وعناه الله نعتقد». ذكر -رحمه الله تعالى- في هذا الموضع هذه الأبيات التي بين فيها أن من معتقد أهل السنة والجماعة الإقرار بكل الأسماء الحسنى والصفات العلى الثابتة في كتاب الله جل وعلا، وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الصحيحة. نثبتها لله جل وعلا، وهي لا تعد ولا تحصى، أي أسماء الله جل وعلا وصفاته. ولذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «مما استأثرت به في علم الغيب عندك»، معناه أن هناك من الأسماء، وهناك من الصفات مما استأثر الله جل وعلا بها في علمه، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. لكن أخبر الله جل وعلا عن أسمائه التي لا تعد ولا تحصى أسماء، أخبر عن أسماء له، وأخبر عن صفات له. وليس معنى ذلك أن الأسماء المذكورة في القرآن أو الصفات المذكورة في الكتاب والسنة هي الأسماء والصفات الثابتة لله فقط، لا، وإنما هذا من أسمائه، أي التي ذكرت، ومن صفاته؛ لأن أسماء الله والصفات للرب جل وعلا لا تعد ولا تحصى. بل العباد -كما سمعتم- لا يعلمون كثيرا من الأسماء التي استأثر الله جل وعلا بها في علمه، وهكذا الصفات. وبين -رحمه الله تعالى- في هذه الأبيات أن أهل السنة والجماعة حين يثبتون هذه الأسماء والصفات، مستيقنين بما دلت عليه، أي هذه الأسماء؛ لأن أسماء الله جل وعلا تدل على أمور. فيدل على ذات الله، اسم الله جل وعلا الخالق يدل على ذات الله، اسم الله جل وعلا العليم يدل على ذات الله. وهكذا يدل على صفات، اسم الله جل وعلا الخالق كما يدل على ذات الله، فهو يدل على صفة الخلق. واسم الله جل وعلا العليم، كما أنه يدل على ذات الله، فهو يدل على صفة العلم. وهكذا سائر الأسماء، فيدل على ذات الله جل وعلا، وتدل على صفاته، وتدل كذلك على لوازم أخرى. ولذلك أهل السنة والجماعة يثبتون الأسماء بما دلت عليه من الذات والصفات والأمور اللازمة الأخرى. وذلك قال -رحمه الله تعالى-: «مستيقنين بما دلت عليه، ومن ثلاثة الأوجه اعلم ذكرها يرد». أي أن أسماء الله جل وعلا تدل على ثلاثة أوجه وردت، وورد ذكرها، ودلت عليها الأدلة. قال: «دلت على ذات مولانا مطابقة، ومطابقة به تليق بها الرحمن منفرد». أي أن أسماء الله جل وعلا تدل على ذات الرب جل وعلا بالمطابقة. فمثلا اسم الله جل وعلا الخالق يدل على ذات الله جل وعلا بالمطابقة. والمراد بالذات والصفة، على الذات والصفة التي ضمنها ذلك الاسم. فمثلا «الخالق» يدل على ذات الله جل وعلا، وعلى صفة الخلق بالمطابقة. وهكذا دلالة اسم الله جل وعلا العليم، دلالته على ذات الله جل وعلا، وعلى صفة العلم بالمطابقة. بالمطابقة، ودلالة اسم الله الحكيم على ذات الله جل وعلا، وعلى صفة الحكمة بالمطابقة. وهكذا في سائر الأسماء، «الرحمن» على الذات والرحمة، وهكذا «العزيز» على الذات والعزة، «القدير» على الذات والقدرة. وهكذا سائر الأسماء، فدلالة الأسماء على الذات، أي على ذات الله، وعلى الصفة التي تضمنها ذلك الاسم، فهي دلالة مطابقة. وأما دلالة الاسم على بعض معناه، قال -رحمه الله-: «كذا تضمنت المشتقة من صفة، نحو العليم بعلم، ثم تضطرد». أي أن أسماء الله جل وعلا تدل بالتضمن على الصفة المشتقة من ذلك الاسم. فأسماء الله جل وعلا هي أسماء، وهي أعلام، وأوصاف. كل اسم يدل على صفة، دلالة الاسم على تلك الصفة، أي أن الصفة مشتقة من ذلك الاسم. فإذا دلالة مثلا، دلالة اسم الله جل وعلا «العليم» على الذات وحدها، على ذات الله جل وعلا وحدها، هذه دلالة تضمن. لماذا؟ لأن هذا فيه دلالة اللفظ على بعض معناه. فمثلا القلم، لفظ يدل على القلم، وهذا هو القلم، فدلالة «القلم» على اللفظ، دلالة لفظ القلم على ذات القلم، وعلى صفاته، دلالة مطابقة. أي دلالة اللفظ على كل معنى الشيء. القلم يعني هذا الخشب، كل ما فيه. في دلالة «القلم» هذا الرأس مثلا، دلالة هذا الرأس على القلم، دلالة مطابقة؛ لأن الرأس بعض أجزاء القلم. بعض أجزاء القلم، دلالة «القلم» على صانعه الذي صنع هذا القلم، دلالة الالتزام. لماذا؟ لأنه لا بد من صانع صنع هذا القلم، وهذا يدل على العلم، علم الصانع حيث عنده علم، استطاع أن يصنع هذا القلم. فإذا دلالة لفظ «القلم» على جميع أجزائه ومحتوياته، فهي دلالة مطابقة. دلالة «السيارة» على جميع أجزائها، دلالة مطابقة. دلالة «السيارة» على العجلات فقط، دلالة تضمن؛ لأن العجلات بعض أجزاء السيارة. دلالة «السيارة» على الضرف، دلالة تضمن. دلالة «السيارة» على البطارية، دلالة تضمن. لكن دلالة «السيارة» على جميع أجزائها، دلالة مطابقة. إذن دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع معناه، وعلى جميع أجزائه. ودلالة التضمن، دلالة اللفظ على بعض معناه، بعض أجزائه. دلالة الالتزام، دلالة اللفظ على أمر خارج لازم. فالله جل وعلا، دلالة اسمه «الخالق» على ذاته، وعلى صفة الخلق، بالمطابقة. ودلالة اسم الله جل وعلا «الخالق» على الذات وحدها، أو على الصفة وحدها، دلالة تضمن. ودلالة اسم الله جل وعلا «الخالق» على العلم، وعلى القدرة، وعلى الحكمة، دلالة التزام. قال: «كذلك استلزمت باقي الصفات، كما للقدرة استلزم الرحمن والصمد». اسم الله جل وعلا «الرحمن» يدل على ذات الله، وعلى صفة الرحمة. اسم الله جل وعلا «الصمد» يدل على ذات الله، وعلى صفة الصمدية، ويدل على باقي الصفات بالملازمة وبالتلازم. لماذا؟ لأن «الصمد» جل وعلا، ولأن «الرحمن» لا بد أن يكون موصوفا بثائر الصفات، في القدرة، بالعلم، بالخلق، بالرزق، إلى آخر الصفات؛ لأن من أسماء الله جل وعلا ما يرجع إليها جل الصفات، كـ«الصمد» الذي تصمد إليه الخلائق، إذن هو الذي تحتاجه الخلائق، وكذلك تصمد إليه في جميع أمورها، وهو الموصوف بثائر الأسماء الحسنى والصفات العلى، صفات الكمال التي تليق بالله جل وعلا. ثم ذكر -رحمه الله تعالى-: «وكل ما جاء في الوحيين من صفات لله، نثبتها والنص نعتمد». دل بهذا البيت على بيان أن أهل السنة يقولون في أسماء الله وصفاته توقيفية، يعني يتوقف في إثباته على الكتاب والسنة. كل ما جاء في الوحيين من صفة لله نثبتها، والنص نعتمد. إذن الكتاب والسنة، النص الكتاب والسنة، هذا هو الذي تثبت به الأسماء والصفات، ليس بالعقل كما هو عند الأشاعرة، وعند غيرهم، يجعل العقل يثبت الأسماء والصفات. وهذا ضعيف. ثم ذكر أنواع الصفات: صفات الذات، وصفات الأفعال. والواجب إمرار جميع هذه الصفات. وهذه قاعدة السلف، يمرون كل ما جاء من الصفات كما جاءت. هذه كلمة قالها طائفة من السلف، نقل ابن كثير في تفسيره عن جماعة من السلف، عن الشافعي، عن الإمام أحمد، عن مالك، عن السفيانين، عن غيرهم، كلهم يقولون بوجوب إمرار الصفات. وهكذا أبو الحسن الأشعري ذكر في «مقالات الإسلاميين» طائفة من السلف يقولون أن يمروها كما جاءت. ونقل جماعة من السلف عن السلف الصالح الوجوب إمرار الصفات كما جاءت، يعني إثباتها لفظا، وإثبات معناها على ما دلت عليه. وأما الكيفية، فهم يفوضونها؛ لأن الكيف لا يعلم. «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول». والإمام مالك -رحمه الله تعالى- قال: «الإستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». فدعه. وذلك قال: «ولا نقول كيف، ولا ننفي كمن جحد، لكن على ما بمولانا يليق، كما أراده وعناه الله نعتقد». وليس معناه أنهم يفوضون الكيفيات كما ظن طائفة من الأشاعرة وغيرهم. بل الأشاعرة وغيرهم، وجل الأشاعرة، وكل أشاعرة، ظلوا فظنوا أن منهج السلف تفويض الكيفيات. تفويض الكيفيات لا، وإنما السلف يثبتون اللفظ لما دل عليه من المعنى، ويفوضون الكيفيات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.