التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 119

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 119

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 119، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ابتلاء أهل القرية بصيد السبت وتقسيمهم إلى ثلاث طوائف

ابتلاء الله لأهل القرية الساحلية بتحريم الصيد يوم السبت، حيث ظهرت الحيتان يوم السبت واختفَت في غيره، فانقسم القوم إلى آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وعاصين متمردين، وساكتين. فأنجى الله الناهين وعذب الظالمين بمسخهم قردة خاسئين، مبيناً أن تيسير أسباب المعصية يُعد اختباراً للإيمان والطاعة.

رد الواعظين على المعترضين ووجوب الأمر بالمعروف

اعترضت الفرقة الثالثة على الواعظين قائلة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، فردّ الواعظون بأنهم يعظون معذرةً إلى ربهم ولعَلّ القوم يتقون. وأكد الدرس أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط بيأس من الهداية، بل يُقام لله تعالى رجاء نفع النصيحة، وأن السكوت عن المنكر يعمّ العذاب الجميع.

خاتمة الدرس وتأجيل تتمة القصة

اختتم المتحدث الدرس مبيناً أن الغاية العظمى من إنكار المنكر هي إقامة الحجة على المأمور المنهي وعذره مع الرجاء في هداية الله له. ثم أعلن انتهاء الوقت وأجل بقية القصة وفوائدها إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قصة أصحاب السبت. قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾، أي: اسأل بني إسرائيل، والخطاب موجه لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن القرية التي كانت حاضرة البحر، أي: على ساحله، في حال تعديهم وعقاب الله إياهم. أي: أن هذه القرية كانت على ساحل البحر، مثل هذه القرى والبلدات التي على الشريط الساحلي، كالحشري والمكلا ونحوها. فهذه القرية كانت على شاطئ البحر، ولا شك أن القرى التي على ساحل البحر، غالب أعمال أهلها الاصطياد من هذا البحر. فهؤلاء كانوا يعدون في السبت. ما معنى "يعدون في السبت"؟ يعني: يتعدون حرمات الله في يوم السبت. وما الذي حرم عليهم في يوم السبت؟ أي: أن الله تعالى قد أمرهم أن يعظموا هذا اليوم وأن يحترموه، ولا يصيدوا فيه. صيد لكم جميع أيام الأسبوع أن تركبوا البحر وتصطادوا منه ما شئتم من الصيد، إلا في يوم السبت. فشرع الله لهم في شريعتهم وعلى لسان نبيهم: ألا تصطادوا يوم السبت. يوم السبت ممنوع الاصطياد. يوم السبت فابتلاهم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان، الصيد، هذا تأتيهم يوم سبتهم شرعاً. ومعنى "شرعاً": أي: كثير، طافي على وجه البحر، مثل شراع السفن. شراع السفن يكون مرتفعاً، يعلو البحر، بل يعلو السفينة. وهذا الصيد في يوم السبت، ما شاء الله، كثير، وفي متناول اليد لكثرته، وكذلك توفره على سطح الماء. قال: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾، أي: إذا ذهب يوم السبت لا تأتيهم، أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. لما ينتهي يوم السبت تختفي هذه الحيتان، والبحر تكون خاوية وخالية من الحيتان. هذا ابتلاء من الله، ابتلاهم وامتحنهم. وهذا ما يسميه العلماء بالتكليف بالابتلاء. التكليف قد يكون بالأمر، وقد يكون بالنهي، وقد يكون كذلك بتيسير أسباب المعصية، وهذا هو التكليف الابتلاء. يبتل الله عز وجل عباده بذلك، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن، منها هذا الموضع، ومنها قول الله سبحانه وتعالى في قصة طالوت: لما خرج ببني إسرائيل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. هذا من هذا الباب. قال لهم: هذا نهر فيه ماء عذب، فلا أحد يرتوي منه، ولا أحد يشرب منه شرباً كثيراً، إنما فقط من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلاً منهم، أكثرهم وقعوا في المحظور، فلم يصبروا على هذا البلاء. وكذلك ابتل الله عز وجل الصحابة في الصيد، صيد البر، في حال إحرامهم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. يعني: في حال إحرامهم كان الصيد بين أيديهم. صيد البر منه الصيد الصغير الذي يستطيع أحدهم أن يمسكه بيده، ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾، ومنه الصيد الكبير الذي متى ما رمى رمحه الذي يريد الاستئصال، يعني: استطاع أن يصيب هذا الصيد ويقتل هذا الصيد. ابتلاء من الله عز وجل. فبنو إسرائيل لم يصبر منهم أمام هذا الابتلاء إلا القليل، أما الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكلهم امتثلوا أمر الله ولم يقعوا في هذا المحظور. فهذا يسمى عند العلماء: التكليف الابتلاء. ومن ذلك هذه القصة. فلما حرم الله عز وجل عليهم الاصطياد في يوم السبت، انقسم أهل هذه القرية إلى ثلاثة أقسام. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، سماه ابتلاء. ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم الله، وأن تكون لهم هذه المحنة. واستدل العلماء بهذا على أن المعاصي من أسباب الابتلاء. قال: وإلا فلو لم يفسقوا لعافاهم الله، ولما عرضهم للبلاء والشر. وكما قلنا، انقسم أهل هذه القرية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تحيلوا على الصيد، والحيلة لا تزيد الحرام إلا حراماً. فالذي يقع في المحظور وهو معترف أنه عاص، هذا أقل جرماً من ذاك الذي يتحايل على المحرم ويظن أنه على صواب. هذا أعظم إثماً وجرماً. الطائفة الأولى تحيلوا على الصيد. كيف كانوا يفعلون؟ كانوا يرمون شباكهم في يوم السبت... يرمون، أو يرمون شباكهم في يوم... آه، نعم، يرمون شباكهم في يوم الجمعة، ويحفرون لها، أي: للصيد، حفراً كذلك في يوم الجمعة. فإذا جاء يوم السبت، وقعت تلك الحيتان في تلك الحفر والشباك، فلم يأخذوها في ذلك اليوم، ظناً منهم أنهم لا يزالون ممتثلين لأمر الله. طيب، الاصطياد الآن وقع في أي يوم؟ وقع في يوم السبت. وقع في يوم السبت لأن الشباك موجودة، وآلات صيد الحوت أو الحيتان موجودة. وإن يعني وضعوها في يوم الجمعة، لكن دخول هذه الحيتان كان في يوم السبت. فهم لا يأخذون هذه الشباك يوم السبت، يتركونها، والصيد محبوس فيها، الصيد محبوس فيها. فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، قالوا: "ها نحن اصطدنا، رفعناها يوم الأحد، ما أخذناها يوم السبت، إذن نحن امتثلنا أمر الله". وهذا في الحقيقة حيل على المحرم، حيل على المحرم. كثر فيهم ذلك. فجاءت الطائفة الثانية، فمعظمهم اعتدوا... وهذا القسم الأول الذين تحايلوا وتجروا وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. فرقة قامت بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قالوا لهم: "أنتم وقعتم في عين المحظور". وعظوهم وذكروهم، وأن ما وقعوا فيه هو مما يغضب الله عز وجل. هذه الفرقة الثانية. والفرقة الثالثة: اكتفت بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم، وقالوا لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾. يعني: الطائفة الثالثة الساكت عن فعل الفرقة الأولى. بل ما اكتفوا بالسكوت على الإنكار على الفرقة الأولى، بل أنكروا على الفرقة الثانية. قال لهم: "لماذا تعظون قوماً؟ لماذا تأمرونهم وتنهونهم؟ وهؤلاء وقعوا في المحظور، فالله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً". وهذه عاقبة من خالف أمر الله. كأنهم يقولون: يعني هذه الطائفة كأنها تقول للطائفة الثانية: "لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله ولم يصغ للنصيحة، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبه الله إما بهلاك أو عذاب شديد". ولا شك أن قولهم هذا غير صحيح. لذلك رد عليهم المنكرون، الواعظون، بقولهم: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. نحن نعظهم وننهاهم معذرة إلى ربكم، أي: لنعذر فيهم. لأن المنكر إذا ظهر ولم ينكر، يوشك أن يعم العذاب الجميع، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. وما جاء في حديث زينب: "أهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم، إذا كثر الخبث". إذا كثر الخبث. وفي حديث آخر: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن أن يعمكم الله بعقاب من عنده». وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. ما قال: "صالحون"، والمصلح هو الذي صلح في نفسه وأمر غيره بالصلاح، وأمر غيره بالصلاح. فإذن: إذا ظهر المنكر، وجب على أهل الصلاح أن ينكروه، ولا يقولوا: "ما في فائدة في هؤلاء، هؤلاء ما يسمعون النصح". أنت ليس عليك هداهم، أنت عليك البيان. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. تبلغهم وتقيم الحجة عليهم. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. لكن لا بد من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهؤلاء الواعظون، أنكر أهل المنكر، قالوا لمن أنكر عليهم صنيعهم: ﴿مُعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: لنعذر فيهم أمام الله عز وجل. قول: "يا رب، بينا لهم، نصحناهم، وعظناهم، ذكرناهم، ماذا نفعل بعد؟ ليس بأيدينا الهداية، ما علينا إلا التذكير والوعظ والبيان". ثم قالوا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتركون ما هم فيه من المعصية. لا تيأس مهما بلغ المدعو من كفر، أو من إجرام، أو من فسوق، فلعل نصيحة تؤثر فيه وتنفع، وينفعه الله عز وجل بها، فيرعوي وينزجر ويهتدي. ولذلك قالوا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتركون ما هم فيه من المعصية. فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجح فيهم الوعظ، يعني: نجح وأثر فيهم الوعظ. فإذن: هذه قاعدة ينبغي أن يضعها أهل الصلاح، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أمام أعينهم. أنت ما تأمر بالمنكر... إلا لأمرين اثنين: أولاً: لتعذر أمام الله عز وجل. ثانياً: لعل في نصيحتك الخير والهداية والتقوى للمنصوحين، للمنصوحين. قال: وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر، ليكون معذرة وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي. طيب، انتهى الوقت. نترك بقية القصة وفوائدها إلى درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.