التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 121

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 121

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 121، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فوائد قصة أصحاب السبت: دلائل النبوة وتقسيم الأمة

يستعرض المقطع ثلاث فوائد رئيسية من قصة أصحاب السبت: كون القصص القرآني دليلاً على نبوة محمد ﷺ، وتقسيم الأمة إلى معتدين وآمرين بالمعروف وساكتين، وأن كفران النعمة يستدعي البلاء والعذاب. وتبرز الفائدة الثالثة في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

عواقب المعصية وجدوى الأمر بالمعروف في قصة أهل السبت

يبيّن المقطع أن من لم يشكر نعمة الله يبتلى في ماله أو بدنه ثم ينزل به العذاب، مستشهداً بمسخ أهل السبت قردة لخيانهم العهد. ويؤكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة، بينما المعصية تجلب الشؤم وغضب الله.

دروس وعبر من قصة أهل السبت: نسيان الشرع والتحايل على المحرمات

يستعرض المقطع اثنتي عشرة فائدة محذراً من نسيان الأحكام الشرعية والتحايل على المحرمات كتحريم الربا والخمر، ومؤكداً حقيقة المسخ. كما يبين خطورة السكوت عن الحق، وأن الذكر الحسن لا يناله إلا المخلصون المجاهدون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خاتمة الدرس والإشارة إلى قصة أصحاب القرية

يختتم المعلق الحديث عن أهل الكذب والأغراض الدنيوية مؤكداً عدم ذكرهم لعدم إخلاصهم. ويعلن الانتقال في الدرس القادم إلى قصة أصحاب القرية المذكورة في سورة يس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوائد من قصة أصحاب السبت. وننبه أن هذه الفوائد ليست من استنباط المؤلف عبد الرحمن الناصر السعدي، وإنما هي من استنباط المعلق على هذا الكتاب. قال أولاً: تقرير الوحي والنبوة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ مثل هذا القصص الذي يذكر لبني إسرائيل لن يتم إلا عن طريق الوحي، وإلا فكيف علمه وذكر به اليهود وأخبر به أصحابه وقد مضى عليه زمن طويل؟ فذكر العلماء أن ذكر القصص القرآني فيه دليل من دلائل النبوة وصدق الرسالة التي بعث بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أنه عليه الصلاة والسلام يخبر بما جاء في هذا القرآن عن أمور ماضية قد وقعت فيها ربما مئات السنين، ولم يشهدها عليه الصلاة والسلام، ولم يقرأ من كتب السابقين، فدل ذلك على أنها وحي من الله العليم الحكيم العليم الخبير سبحانه وتعالى. فلذلك من ألف في دلائل النبوة يذكر أن القصص القرآني دليل من دلائل النبوة وصدق الرسالة. فانظر كيف في هذه القصة والتي وقعت لقرية من بني إسرائيل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بخبر هذه القرية. قال ثانياً: إن تلك القرية مثال لأي قرية في موقف أهلها من أوامر الله تعالى، حيث ينقسمون أمامها فيعتدي عليها فريق أي أوامر الله، ويقف في وجوههم فريق، ويسكت عن الإنكار والنصح فريق. وهذا واقع، انظر على سبيل المثال في زماننا هذا كم من معاصٍ ومنكرات ومخالفات يقع فيها الناس، فالمسلمون انقسموا أمام هذه المحرمات إلى ثلاثة أقسام: قسم وقعوا فيها وارتكبوها، وهذا الصنف مثل من اصطاد يوم السبت واحتال على هذا الأمر المحرم. وطائفة أخرى قائمة بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينصحون في المساجد وفي المدارس وفي الخطب والمحاضرات، بل وبالنصائح الخاصة، بل بي كذلك الدعوة الفردية ونحو ذلك، وهؤلاء هم من قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وطائفة ثالثة لم تقع في المحرم، لكنها ألزمت نفسها الصمت وعدم الإنكار، بل ربما ثبطوا الطائفة التي تأمر وتنهى، قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؟ فهؤلاء أشبه بالطائفة الساكتة. فتجد هذه الأحوال الثلاثة توجد في كل قرية، فهي مثال للواقع في حدود الله، ولمنكر لها، ولساكت. فاختر لنفسك أعلى هذه الطوائف الثلاث، وهي الطائفة الناجية والفرقة المنصورة، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس، هم الذين يصلحون ما أفسد الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجد ذلك في أهل السنة والجماعة. قال ثالثاً: إذا أنعم الله على أمة نعمة ثم أعرضت عن شكرها تعرضت للبلاء أولاً ثم العذاب ثانياً، ويؤخذ ذلك في قول الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فالذي لم يشكر نعمة الله عز وجل عليه، فلم يمتثل أمر ربه ولم ينتهي عما نهاه عنه ربه، فهذا يبتلى أولاً في ماله أو في بدنه أو في عرضه أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك إن لم يرجع وإن لم يتب إلى الله عز وجل ينزل ربنا عز وجل عليه العذاب. ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وأما قوله "ثم العذاب ثانياً"، أي أن الله عز وجل بعدما ابتلاهم بهذا الابتلاء وهو تواجد الصيد في يوم السبت وانعدامه في غيره، أنزل الله عز وجل عليهم عقوبته، ألا وهو أنه سبحانه وتعالى جعلهم قردة خاسئين. قال رابعاً: أن الأسماك والحيتان التي توجهت لمراودة وإغراء أهل القرية كانت جنداً من جنود الله، أمرها أن تقترب منهم يوم السبت وأن تبتعد في باقي الأيام، فالتزمت ونفذت، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. فانظر من الذي جعلها تتكاثر وتتواجد في يوم الابتلاء يوم السبت؟ إنه الله، فهو الذي خلقها وهو الذي يسيرها وهو الذي يأمرها سبحانه وتعالى. ومن الذي جعلها تنعدم وتختفي في بقية الأيام؟ إنه الله سبحانه وتعالى. قال خامساً: جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد نجا الله تعالى الناهين عن المنكر وأهلك الذين باشروه ولم ينتهوا عنه دون غيرهم. ومعنى جدوى الأمر بالمعروف يعني فائدة ونفع وفضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من أعظم فوائد وثمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر النجاة من العذاب ومن العقاب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، صالحون في أنفسهم ومصلحون لغيرهم. فهذا هو سبيل النجاة: ﴿لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِّنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ﴾. لماذا؟ بسبب عدم القيام بهذه الشعيرة العظيمة. فإذا ينبغي للمسلم أن يكون من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن أراد الفلاح وإن أراد النجاح. قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى وهو يبين أن خيرية هذه الأمة إنما هو في أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال سادساً: إطلاق لفظ السوء على المعصية مؤذن بأن المعصية مهما كانت صغيرة تحدث السوء في نفس فاعلها، لأن الله عز وجل وصف هؤلاء الواقعين في محارمه بالسوء. فالمعصية شؤم على صاحبها، وقد بيّن العلامة ابن القيم رحمه الله العواقب الوخيمة فيمن ارتكب المعاصي، فيتمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم، وهي سبب للوحشة وحشة القلب بين الله وبين هذا العاصي، وبين هذا العاصي وبين خلق الله سبحانه وتعالى. فالمعصية سوء كما ذكرها هنا. قال سابعاً: ارتكاب المنكر وفعل المحظور نذير شؤم وطريق لغضب الله واستقدام لعذابه وسخطه. وهذا من شؤم الوقوع في المعاصي، من شؤم الوقوع في المعاصي غضب الله ونزول عذابه وسخطه على من عصاه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال ثامناً: أن نسيان الأحكام الشرعية مصيبة عظمى قد تفوق مخالفتها، وإن هذا النسيان مقدمة لوقوع العذاب. ومع نسيان الأحكام الشرعية لعدم العمل بها والامتثال لها كما فعل أهل القرية، فبسبب هذا الأمر كان العذاب والهلاك بهؤلاء. قال تاسعاً: كان مسخ المعتدين من أهل القرية حقيقة، ولم يعيشوا بعدها ولم يتناسلوا، وهذه آية للعُصاة يتعظوا، كما قال الله عز وجل: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. فالمسخ كان حقيقياً، صاروا قردة، وقبل ذلك كانوا بشراً سويا، تنظر إلى قدرة الله وإلى هذه الآية العظيمة. وقوله "ولم يتناسلوا" يعني لم يلدوا، بل مات هذا الجيل دون تناسل. وقد ورد في هذا الحديث... قال عاشراً: وجوب الوقوف عند حدود الله وعدم مخالفتها أو تحريفها، ويريد بتحريفها التحايل عليها. فانظر الآن مثلاً يتحايل أهل هذا الزمان على حل الربا، فيسمون الربا فوائد، يسمونها فوائد أو خدمة أو نحو ذلك، ويسمون الخمر بالمشروب الروحي، هكذا تحايل على الربا، ويسمون الربا كذلك البيع بالتقسيط أو نحو ذلك من تلك الألفاظ التي حقيقتها الربا. فالعبرة بالحقائق لا بالألفاظ، العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، والتحايل لا يزيد الحرام إلا حراماً. قال الحادية عشرة: الساكتون عن الحق يستحقون الإهمال والإغفال والنسيان لهوانهم على الله وعلى الناس، كما تقدم معنا أن الله عز وجل في قصة أصحاب السبت ذكر المعتدين وذكر الناجين ولم يذكر الساكتين. قال العلماء: الجزاء من جنس العمل، فلما سكتوا عن الحق استحقوا الإهمال واستحقوا الإغفال وعدم الذكر وعدم الإشادة بهم. وهذا فيه خطورة السكوت عن قول الحق، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. قال الثانية عشرة: طريق الذكر الحسن لا بد فيه من نية صالحة وعمل واجتهاد ومجاهدة، فالناس لا يتذكرون إلا المخلصين العاملين. فانظر هؤلاء الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لما أخلصوا في عملهم هذا، فلما أنكر عليهم قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. هذه النية الحسنة وهذا هو الإخلاص في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ماذا تريد أنت لما تنصح للعاصي؟ هل تريد منه مالاً؟ هل تريد منه جاهاً؟ هل تريد منه مصلحة دنيوية؟ أبداً، إنما تريد أن يصلح وأن كذلك يترك هذه المعصية، ومن أجل أن تعذر أمام الله لأن الله أوجب عليك ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذا هو الإخلاص في النصيحة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تريد الثناء من الناس من أجل أن يقال: فلان آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر. لا، أنت تفعل هذا من أجل أن تعذر أولاً أمام الله سبحانه وتعالى، وثانياً من أجل أن يترك هذا المنصوح المعصية التي تكون سبباً لاستمراره عليها في شقائه وفي عذابه. والمؤمن الناصح يحب لأخيه ما يحب لنفسه، يحب لأخيه ما يحب لنفسه. فأهل الصدق هم الذين يفوح عطرهم أو عطر ذكرهم، وهم الذين يذكرهم الناس الذكر الحسن. وأما أهل الكذب والأغراض الشخصية الدنيوية فهؤلاء لا ذكر لهم، لا ذكر لهم لأنهم لم يخلصوا في دعوتهم وفي أمرهم ونهيهم. هذا ما ذكره المعلق على هذا الكتاب من هذه الفوائد، وبها نكتفي. وإن شاء الله في الدرس القادم ننتقل إلى قصة أصحاب القرية التي وردت في سورة يس. إلى هنا والله تعالى أعلم.