التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 122

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 122

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 122، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة أصحاب القرية في سورة يس ومنهج التفسير الصحيح

يستعرض المقطع قصة أصحاب القرية الواردة في أول سورة يس كما فسرها الشيخ السعدي، مبيناً أن الغرض منها الاعتبار والاتعاظ بمصير المكذبين، ويؤكد على قاعدة جليلة في التفسير وهي الوقوف عند ما ورد في القرآن والسنة وأقوال السلف، وترك التكلف في تعيين تفاصيل لم يذكرها الشرع.

إرسال الرسل إلى أهل القرية ودعوتهم للتوحيد وإنكار القوم

يستعرض المقطع أدلة خاصة وعامة على أن جميع الرسل دعوا أقوامهم إلى توحيد الله، ثم يسرد قصة إرسال ثلاثة رسل إلى أهل قرية، وإنكار القوم لرسالتهم بدعوى بشرية الرسل، ورد الرسل بتوكيد مهمتهم بقولهم: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾.

رد الرسل على تكذيب قومهم وتهديدهم وقاعدة البلاغ المبين

يشرح المقطع موقف الرسل عند تكذيب قومهم واتهامهم بالطيرة، مؤكدين أن مهمتهم تقتصر على البلاغ المبين دون إلزام بالهداية أو إنزال العقوبة، ويبين أن تشاؤم القوم بالرسل وتوعدهم بالرجم يعكس جهلهم وظلمهم، قبل أن ينتقل السياق إلى ذكر الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصرة الرسل.

ختام الجلسة والإشارة لاستكمال الدرس لاحقاً

يعلن المتحدث عن انتهاء المقطع الحالي ويشير إلى أن الموضوع سيكتمل في درس قادم، مختتماً بقوله والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص القرآن": قصة أصحاب القرية. وهذه القصة التي ذكرت في أول سورة يس، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [يس: 13-19]، إلى آخر هذه القصة. ولعلنا في هذا الدرس نأخذ ما قرأناه. قوله: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ﴾، أي: واضرب يا محمد لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلاً يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير. وكما مر معنا مراراً وتكراراً أن من أعظم فوائد قصص القرآن أخذ العبرة والعظة، ومن ذلك هذه القصة. لماذا ضرب الله عز وجل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذه القرية؟ حتى ينتبه المعرضون والمكذبون لرسولنا من أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء. وكما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾ [المزمل: 15-16]، وأنتم كذلك إن عصيتم رسولكم فسيأخذكم الله عز وجل أخذاً وبيلاً. وفي هذه الآية قال: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ﴾، يا من كذبتم اعتبروا واتعظوا بقصة هؤلاء أصحاب القرية، ما خبرهم؟ وما جرى منهم من التكذيب لآيات الله، وما جرى عليهم من عقوبتي ونكالي. ثم قال: وتعيين تلك القرية لو كان فيه فائدة لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم. ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار. وهذا دعوة من المؤلف، بل هي قاعدة جليلة: أن التفسير مبناه على تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بكلام الصحابة والأئمة، فلا يؤخذ التفسير من آراء الناس، ولا من الإسرائيليات، ولا من الأخبار التي ليس لها زمام ولا خطام. فمن تكلم في القرآن بلا علم كما ذكر، فإنه يخبط ويخلط، لماذا؟ لأنه يتكلم بلا علم، فمن أين يأتي بهذا التفسير من تلقاء نفسه؟ وإذا أتى بالتفسير من غير دليل، لا شك أنه يكون فيه من الخلط والخبط الشيء الكثير. فما الفائدة أن نعرف اسم هذه القرية؟ المهم أنها قرية كانت قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. أين هذه القرية واسمها؟ هذا لم يطلعنا الله عز وجل عليه، فنقف حيث وقف القرآن، ونأخذ بظاهر القرآن. فهذا معنى كلام المؤلف. قال: «ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار». ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس. النفس تزكو بالعلم الصحيح، العلم المأخوذ من الكتاب والسنة، أما المأخوذ من آراء الرجال، ومن كذلك الإسرائيليات والأخبار التي لا زمام لها ولا خطام، فهذا علم لا ينفع صاحبه، ولا تزكو نفسه به. ولذلك قال: «وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها ولا حجة عليها، ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن، واعتياد الأمور المشكوك فيها». فمثلاً: في لون كلب أصحاب الكهف، هو أسود أو أبيض أو أحمر أو أيش؟ أيش الفائدة من هذا؟ الله عز وجل لم يذكر لنا شيئاً في ذلك، ولا السنة. فتكلف تعيين لون الكلب هذا من الخلط والخبط، ولذلك تجد الاختلاف: فذاك يقول أسود، وذاك يقول أبيض، وذاك يقول أحمر. لماذا هذا الخبط والخلط والاختلاف؟ لأنه من عند غير الله، لأنه من عند غير الله. وقد قال الله عز وجل في القرآن: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. فما كان من عند الله فلا تجد فيه اختلافاً، ولا تجد فيه شكاً، بخلاف ما أتى من غير الله سبحانه وتعالى، فتجد فيه الخلط والخبط والشك، لأنه لا ينبني على الحقائق، وعلى العلم المنبثق من الكتاب والسنة. قال: والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلاً للمخاطبين، إذ جاءها المرسلون من الله، يأمرونهم بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. من أين أتى المفسر بهذا الأمر؟ من أين للمفسر أن هؤلاء المرسلين دعوا قومهم إلى التوحيد؟ أتى بقولهم في دعوتهم: ﴿ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ﴾ [يس: 23]. هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة، وهو الذي اتبع المرسلين وأمر قومه أن يتبعوا المرسلين. هذا الدليل خاص في أن هؤلاء الرسل دعوا قومهم إلى توحيد الله. وهناك أدلة عامة، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. ﴿ وَفِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ [يونس: 47]، هذا على وجه العموم، «كل» تفيد العموم، فكل أمة أرسل إليهم رسول، فأول ما يدعوهم إلى التوحيد. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]. فإذن ما من رسول بعثه الله عز وجل إلا ويدعو إلى هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. فالمؤلف أخذ هذا التفسير من الدليل الخاص، وكذلك من الأدلة العامة. فهؤلاء الرسل أمروا أقوامهم، أو أمروا قومهم بعبادة الله وحده وإخلاص الدين لله سبحانه وتعالى. ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾. ما أرسل إليهم واحداً لحاجة هؤلاء القوم إلى تعدد الرسل، لقوة معارضتهم، وكذلك قوة امتناعهم من قبول الحق، فأرسل إليهم اثنين. قال: ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾، ومعنى «عززنا»: أي قويناهما برسول ثالث، فصاروا ثلاثة رسل. ثلاثة رسل بعثوا إلى أهل هذه القرية، اعتناءً من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم. ﴿ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. قال هؤلاء الرسل لهم: إنا إليكم مرسلون. أتوا بـ «إن» التوكيدية في أول الأمر، قالوا: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. أول ما أتوا إليهم فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهوراً عند من رد دعوة الرسل، فقالوا: ﴿ مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾. كيف نصدقكم ونقبل قولكم هذا، وأنكم مبعوثون من ربنا، وأنتم مثلنا من البشر؟ فكأنهم يظنون أن الرسل لا تكون من البشر، بل تكون من الملائكة، كما قال ذلك أيضاً كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 7]. وهكذا قالت الرسل لأممهم: ﴿ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [إبراهيم: 11]. لما قالوا: ما أرسلكم الله، إلا أنتم من البشر، فردت عليهم الرسل: قالوا: نحن نعم، نحن بشر مثلكم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، يصطفي من البشر رسلاً، اصطفاء من الله سبحانه وتعالى. ثم قالوا لهم: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾، ﴿ وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾. يعني أنكروا عموم الرسالة، فقالوا: ﴿ مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ ﴾، أنتم تكذبون علينا. ثم أنكروا أيضاً المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾، أنتم كاذبون، ما أنتم برسل، وما أرسلكم الله، وما أنزل الله من شيء من وحي، ولا من رسالة، ولا من شيء. كذبوا بهؤلاء الرسل جملة وتفصيلاً. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾. هنا أتوا بمؤكد آخر، وهو لام التوكيد المقرونة بالخبر. في الآية الأولى قالوا: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. وهذا مفيد لحفظة القرآن حتى لا تلتبس عليهم الآيتان. ففي أول مخاطبة الرسل لقومهم قالوا: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾، أتوا بتوكيد واحد، لعلهم يقبلون، لعلهم يؤمنون. فلما أنكروا وكذبوا وعاندوا، أتوا بمؤكد آخر، فقالوا في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾، وأقَالُوا: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾. أتوا بلام التوكيد، فقالوا: فلو كنا كاذبين لأظهر الله خزيانا. ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾، لسنا بكاذبين، لسنا بكاذبين، بل نحن صادقون، فلو كنا كاذبين لأظهر الله خزيانا، ولبادرنا بالعقوبة. ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُنْزِلَ إِلَيَّ وَلَمْ يُنْزَلْ إِلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [الأنعام: 93] الآية. فهم قالوا هنا: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾، فلو لم نكن مرسلين إليكم لعذبنا الله، ولأنزل بنا عقوبته، ولأخزانا وأذلنا. ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾. ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾، أي البلاغ المبين الذي يحصل بتوضيح الأمور، نوضح لكم ونبين لكم. وما عدا هذا من آيات الاقتراح: لماذا ما يكون بشر؟ ومن سرعة العذاب: لماذا لا ينزل علينا ربكم العذاب؟ فليس إلينا. وهذه قاعدة عظيمة ينبغي أن تكون أمام الداعي إلى الله عز وجل في دعوته: أن عليه البلاغ والدعوة والبيان، أما النتائج وأما العقوبات فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]، ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22]. فأنت تبلغ وتدعو. فانظر إلى هؤلاء قالوا: ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾، نوضح لكم الأمور، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا. وظيفتنا التي هي البلاغ المبين قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم فليس لنا من الأمر شيء. لو سار الداعي إلى الله عز وجل على هذه القاعدة لارتاح واستراح، وأراح. يطمئن: أنت وظيفتك أيها الداعي إلى الله عز وجل البيان. أيها الناس، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. أيها الناس، هذا حق وهذا باطل، بالدليل، بالبرهان، بالبيان، بالعلم، بالحجة. هذه وظيفتك، فلا تنتظر مدحاً، ولا تنتظر كذلك ثناء من الناس. مهمتك أن تبلغ دين الله سبحانه وتعالى. فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾. انظر إلى قوة معارضتهم للرسل. ومعنى ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾: أي لم نرى على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، إلا الشر. يعني من بعد ما جئتم زادت علينا المصائب والشرور، زادت علينا المصائب والشرور. مثل ما يقول لهم بعض الناس: أنتم يا المطاوعة، من بعد ما جئتم كثرت المصائب وقلت الأمطار، ونحو ذلك. هذا هو التطير، التشاؤم. فهؤلاء قالوا: ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾، أي لم نرى على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر. قال الشيخ: وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، ما هي أجل نعمة؟ إنها نعمة التوحيد، نعمة التوحيد أجل النعم، من أجل النعم، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها. ولكن الخذلان وعدم التوفيق يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه. هذا من عدم توفيق الله عز وجل لهم، جعلوا هؤلاء الرسل الذين جاءتهم بالتوحيد والنجاة من النار، جعلوهم أهل الشؤم، والعياذ بالله. قال: ثم توعدوهم، فقالوا: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ﴾. أي: لئن لم تنتهوا من دعوتكم هذه، ومن قولكم إنكم مرسلون، ومن دعوتكم إلى التوحيد، لنرجمنكم، أي: لنقتلنكم. الرجم هو الرمي بالحجارة حتى الموت، رجماً بالحجارة، لنقتلنكم رجماً بالحجارة، أشنع القِلات، أشنع القِلات. ﴿ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾، أي: سنعذبكم عذاباً شديداً أليماً إن لم تكفوا عن هذه الدعوة. فماذا قالت لهم الرسل؟ قالت لهم رسلهم: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾. وهو ما معهم من الشرك والشر المقتضي لوقوع المكره والنقمة. فقولهم: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾ كقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30]، وكقوله: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79]، أي: بسبب معاصيكم، وبسبب كذلك معارضتكم للرسل، ونحو ذلك. ﴿ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ﴾، أي: بسبب أن ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم؟ كل هذه الحملة وكل هذا التهديد بسبب أننا دعوناكم وذكرناكم بالله سبحانه وتعالى؟ ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾. الرسل قالت لهؤلاء: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾، أي: متجاوزون للحد. الإسراف: التجاوز، متجرؤون في قولكم. فلم يزدهم دعاؤهم إلا نفوراً واستكباراً، لم يستجيبوا ولم ينقادوا لهؤلاء الرسل. ثم قال الله: ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ ﴾ [يس: 20]. نكمل هذا إن شاء الله في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.