الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 123، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يسرد المقطع قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ينصح قومه باتباع المرسلين دون طلب أجر، مظهراً أن صدق الداعية وإخلاصه لله وحده هو سر قبول الدعوة ونجاحها. ويبين أن الدعوات المشوبة بالأغراض الدنيوية تنفر الناس ولا تحقق الغاية المرجوة.
يعرض المقطع حجة الداعية لقومه مستدلاً بتوحيد الربوبية (الخلق والرزق والتدبير) على وجوب إفراد الله بالعبادة، مبيناً أن من لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا شفاعة إلا بإذن الله لا يستحق العبادة. ويؤكد أن صرف أي نوع من العبادة لغير الله هو ضلال مبين وخروج عن الفطرة السليمة.
يعلن المؤمن إيمانه جهرة فيقتله قومه فيدخل الجنة ويتمنى لو يعلم قومه بكرامة الله له، فينزل الله بهم صيحة واحدة تقطع قلوبهم في أجوافهم وتهلكهم عن آخرهم. وتبرز القصة عاقبة التكذيب والقتل لأولياء الله، وعظمة اقتدار الله وضعف البشر أمام أمره.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، يقول الله سبحانه وتعالى في قصة أصحاب القرية: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾. فانظر إلى هذا الوصف القرآني: جاء وهو يسعى، يمشي بسرعة، حرصاً على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وفقه الله وشرح صدره للإيمان بالرسل الذين بعثوا إلى قومه، فجاء إلى قومه يسعى، أي يمشي مشياً سريعاً، وعلم ما رد به قومه عليهم. وانظر إلى عدم ذكر اسم هذا الرجل، فالعبرة ليست بالشهرة ولا بالمعرفة. فكيف خلد الله عز وجل ذكر هذا الرجل وإن لم يذكر اسمه؟ فمهما كنت يا أيها المسلم عامّاً، وما هو يا طالب العلم خاصة مغموراً ومخمولاً بين الناس، فالعبرة، فالعبرة بعملك وما أنت عليه من نصرة هذا الدين ومن الدعوة إليه. فهذا الرجل جاء من أقصى المدينة، يعني من طرف المدينة، من أبعد ما يكون من قلبها ووسطها، وهو يسعى، فقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. جاء بكل شجاعة، جاء بكل شجاعة وبكل إقدام، فقال لقومه: اتبعوا المرسلين. فأمرهم باتباعهم، ونصحهم على ذلك أنهم ناصحون، وشهد لهم بالرسالة لأنه قال: المرسلين. ثم ذكر تأييداً لما شهد به ودعا إليه: لماذا أنا آمنت؟ ولماذا أنا أدعوكم إلى اتباع هؤلاء المرسلين؟ قال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾. وهذه علامة وبرهان على صدق الداعي. الداعي إلى الله عز وجل همه الأعظم وغايته القصوى أن يتبع المدعوون الحق، هذا هدفه وهذه غايته، فلا ينتظر من الناس جزاء ولا شكور. فقال لهم مستدلاً على صدق هؤلاء المرسلين: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، أي اتبعوا من نصحكم نصحاً يعود إليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم ولا أجراً على نصحه لكم وإرشاده إياكم. فهذا موجِب لاتباع من هذا وصفه. وفي الآية دليل على أن الداعية إذا دعا مخلصاً لله، مبتغي الأجر من الله عز وجل وحده، فإنه ينجح في دعوته ويثق الناس بدعوته، والواقع خير شاهد. انظر إلى الفرق والطوائف التي لها مآرب سياسية أو لها أغراض دنيوية، نفر الناس منهم، لماذا؟ لأن الناس علموا أن هؤلاء ليسوا صادقين في دعوتهم، ما يريدون إلا أن يتبعهم الناس لا أن يتبع الناس الحق. وأما أهل الحق، أهل العلم، أهل السنة، فالناس وثقوا بدعوتهم، لماذا؟ لأنهم لا يدعون إلى أشخاصهم ولا إلى أطماع دنيوية ومصالح شخصية. وهذه صفات الرسل وأتباع الرسل كما في هذه الآية. قال: بقي أن يقال، إذا هم ما يريدون أجراً، بقي أن يقال: شبهة ربما يوردها بعض المدعوين، فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة ولكنه ليس على الحق، ما معه الحق. فدفع هذا الاحتراز، أي الإيراد والإشكال، بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه. فمع إخلاصهم في دعوتهم، إلا أنهم مهتدون، أي أصحاب منهج صحيح ودعوة نقية صافية. وإذا اجتمع هذان الوصفان فلا شك أن من وفقه الله عز وجل سيتبعهم لا محالة. قال: فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، نصحهم بهذه النصائح، لكنهم ما قبلوا نصحة، ولا استجابوا له، ولا عملوا بتوجيهاته، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل وإخلاص الدين لله وحده. قالوا: أنت ضال، أنت صاب، أنت كذا وكذا. أنكر عليه، فقال لهم وهو يبين لهم أن ما هم عليه من عبادة غير الله من أبطل الباطل: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني وخلقني. وهذا فيه الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، الذي لا يملك ولا الشيء اليسير، فهل يستحق العبادة؟ الجواب: لا. فهو استدل عليهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. فقال: لماذا لا أعبد الذي فطرني، أي خلقني، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم. فالذي بيده الخلق والرزق والحكم بين العباد في الدنيا والآخرة هو الذي يستحق أن يعبد ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا عطاء ولا منعاً، ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً. ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، أي لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فكيف أتخذ من دونه آلهة؟ كيف أتخذ من دون الله آلهة أدعوه من دون الله وأرجوه وأستغيث به وألتجئ إليه وهو لا يغني عني شيئاً؟ ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، أي لا تغني شفاعة هذه الآلهة شيئاً حتى يدفع عني هذا الضر. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. يدعوهم إلى التوحيد، ويقرر لهم أنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، أما ما يدعونه من دون الله فهو لا يغني عنهم شيئاً، فلم يخلق شيئاً، ولم يملك الضر ولا النفع ولا شيئاً من ذلك. ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾، أي ولا ينقذون من الضر الذي أراده الله بي. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ضلال واضح بيّن لا يخفى إلا على من قد أقفل على قلبه. أما من عنده شيء من الإنصاف ومن التفكر والتدبر، فما وسعه إلا أن يعبد الله وحده وأن يترك كل من يعبد من دونه سبحانه وتعالى. فجمع في هذا الكلام، انظر إلى هذه النصائح وهذه التقريرات، جمع بين نصحهم والشهادة للرسل بالرسالة في الآيات الأولى، والاهتداء، والإخبار بتعيين عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، عبادة غير الله باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهراً، وهذا من شجاعته وإقدامه مع خوفه الشديد من قتلهم. فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. أعلنها مدوية صريحة لا خفاء فيها: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، من هو ربهم الذي خلقهم وفطرهم ورزقهم؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فأعلنها صريحة مدوية: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. فلما علموا منه هذا الإعلان الصريح، قتله قومه، قتله قومه، فقتله قومه لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، أي بعدما قتل مباشرة له في الحال: أدخل الجنة. لما كان عليه من الإيمان ومن النصح ومن الدعوة إلى الله ومن تقديم روحه في سبيل الله سبحانه وتعالى. قيل له: ادخل الجنة، فقال مخبراً بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحاً لقومه بعد وفاته، لأن الله أخبر عنه، والله عليم بأحوال خلقه. فالله عز وجل أخبرنا عنه، لما قيل له: ادخل الجنة، قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. انظروا على رحمة، انظروا على شفقة، وانظروا على محبة لقومه، مع ما لاقى منهم، قتلوه. وهذه صفات أهل الحق، أهل السنة: هم أعلم الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق رحمة. فلما رأى هذه الكرامة وهذا الخير وهذه النعمة التي أنعم بها، قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، أي بأي شيء غفر لي فأزال عني أنواع العقوبات، وجعلني من المكرمين بأنواع المثوبات والمسرات. أي لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم لم يقيموا على شركهم. لو رأى قومه ما هو عليه من هذه الكرامة وهذا النعيم لما استمروا على شركهم وعنادهم وكفرهم، ولكن لم يكن ذلك. قال الله في عقوبة قومه لأنهم عارضوا الرسل وأتباع الرسل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، أي ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم. سبحانك يا ربنا. وما أنزلنا على قومه من جند، ما تكلفنا في عقوبة هؤلاء، فما أنزلنا عليهم جنداً من السماء لإتلافهم، والله على كل شيء قدير، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه وتعالى. ولكن ما تكلف سبحانه وتعالى في عقوبتهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم. ﴿إِنْ كَانَتْ﴾، أي ما كانت عقوبتهم، ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ لأن (إن) هنا بمعنى (ما) نافية، يعني ما كانت عقوبتهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، أي صوتاً واحداً شديداً قوياً تكلم به بعض ملائكة الله، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. ما أضعف بني آدم، ما أضعف بني آدم، وما أشد اغتراره وكفره! صيحة واحدة، ليست صيحتين ولا ثلاثاً ولا عشراً، صيحة واحدة، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾، قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم من شدة الخوف، تقطعت قلوبهم في صدورهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين لا صوت ولا حركة ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، صاروا في عداد الموتى بصيحة واحدة، فأصبحوا على هذه الحال. ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح وتجبرهم عليه، ففي هذه القصة مواعظ وعبر كثيرة وفوائد عديدة. بانتهاء الوقت نؤجلها إن شاء الله إلى درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.