الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 629، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن تحذير السلف من مجالسة أهل البدع، ويذكر أمثلة على ذلك. السلف كانوا يبتعدون عن أهل البدع لئلا يتأثروا بهم.
يشرح سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، ويذكر كيف كان يدعو الناس ويكتب إلى الملوك والكفار.
يتناول تحريم قتل المسلم والتغليظ في أمر الخوارج، ويبين عظم جرم قتل المسلم ويحذر من الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام.
يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من إراقة الدماء الحرام ويبين عواقبها، ويقول إنها تُضيّق على الإنسان فسحة دينه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس الذي مضى حديث ابن عباس، وفيه أن ابن عباس أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، ففرق بينهما. جاء في بعض الروايات أنهما كانا يقتتلان، ففرق بينهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يتضاربان وهو في الصلاة. فرق بينهما وهو في الصلاة، وليس كما ذكرنا أنه فرق بين رقبتي، وإنما فرق بينهما. وهل يلزم من هذا أنهما مرتا بين قبلة النبي عليه الصلاة والسلام وبين سترته؟ فليس واضحًا في هذا. قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما في جانبيه، لأنهم كانوا عند رقبتي حتى أخذتا بركبتي، كأنه واحدة على اليمين وواحدة على اليسار، فكانا يتقاتلان أو يتضاربان، ففرق بينهما. قال شيخنا مقل بن هاد الوادي رحمه الله: قال الإمام محمد، حدثنا بشر بن السري، وهو بشر بن السري ثقة وحافظ، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، عن ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن أبي نجيح المكي، وكان من أهل مكة، وكان أيضًا يفتي أحيانًا في مكة، ومن أهل القرآن، إلا أنه ابتلي بصحبة لم يوفق فيهم، ابتلي بالقدرية، وجلس مع عمر بن عبيد فترة، فأفسده، فكان قدريًا. لهذا كان سفيان بن عيينه يقول، وكذلك أيوب السختياني يقول: أفسده القدرية. قال أيوب: أفسده عمر بن عبيد، وهذا عاقبة الجلوس مع أهل البدع. فابن أبي نجيح كان قد نقل كثيرًا عن مجاهد التفسير، ونقل عن غيره عن عطاء وغيره من الفقهاء، لكن ابتلي بهؤلاء أهل البدع، فصار مثلهم، صار قدريًا. وهذا يدلك على أن مجالسة أهل البدع ممرضة، كما كان السلف يبينون. كان السلف يحذرون مجالسة أهل البدع، لا تجالسوهم ولا تخالطوهم، فإنه كما قال أبو قلابة: فإني لا آمن أن يلبسوا عليكم دينكم. وجاء عن ابن عباس قال: أهل البدع مثل الجرب. وذكر العجري في الشريعة كذلك، ابن بطة في الإبانة، وغيرهم من الأئمة إجماع السلف على عدم مجالسة أهل البدع، وعلى إهانتهم والبعد عنهم والبعد عن مجالسهم. قال عن ابن أبي نجيح: نبي وأبوه ثقة أو عابد حافظ، وكان من أهل مكة. قال عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلا دعاهم». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال: الحديث أخرجه أبو يعلى. قال رحمه الله: حدثنا زهير، زهير بن خيثمة النسائي، أو معاوي النسائي، رحمه الله عليه، كان حافظًا من حفاظ الحديث، وسبطه صاحب كتاب التاريخ، يسمى تاريخ ابن أبي خيثمة، والتاريخ أحمد بن عمر بن خيثمة النسائي، أحمد بن عمر بن زهير بن أبي خيثمة. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عبيد الله بن موسى الأشجعي، كان عنده تشيع، كان يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، ولهذا ترك الإمام أحمد الرواية عنه، وروى عنه بعد ذلك لأنه رأى كأنه انتقى من أحاديثه. وإلا كان يحدث بأحاديث من أحاديث الشيعة الرواة، وهو من أوثق الناس، ومن أوثق أهل الكوفة. كان إسرائيل يأتي ويقرأ عنده، وكان مقرئ أهل الكوفة، أو من مقرئي أهل الكوفة، فكان إسرائيل يأتي ويقرأ عنده، وعبيد الله يأخذ الحديث منه، فلهذا أكثر عن إسرائيل، وهو من أصحاب سفيان الثوري، كذلك، وكان يلازم سفيان الثوري. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد الثوري الإمام. إلا أن الإمام الدارمي رحمه الله، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، بعدما روى هذا الحديث عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، قال: ولم يسمعه سفيان من ابن أبي نجيح، والله أعلم. من أين أعرف هذا؟ لأن العلماء الكبار عندهم أصول الأسانيد، فقد يكون حدثه عبيد الله بن موسى بهذا أو غيره. فقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله: ولم يسمع سفيان، أي ابن الثوري، هذا الحديث من ابن أبي نجيح، على أنه فيهم تدليس، دلسه سفيان، وإن كان تدليس سفيان مقبولًا، أي الثوري، لأنه كان قليل التدليس. لكن إذا عرف أنه مدلس، فإنه يحتاج إلى معرفة الواسطة. قال عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس قال: «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط حتى يدعوهم». فالشيخ حمل الحديث على الظاهر وعلى السلامة، لأن سفيان قد سمع كثيرًا من ابن أبي نجيح، وهو الذي روى نسخة مجاهد في التفسير، روى نسخة مجاهد في التفسير من طريق ابن أبي نجيح. وابن أبي نجيح لم يسمع من مجاهد، لكن أخذ التفسير عن طريق القاسم بن أبي بزة، مقرئ أهل مكة بعد مجاهد. فقال جماعة من أهل العلم، كأحمد وغيره: لم يسمع التفسير من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة. والظاهر أن ابن أبي نجيح أخذه منه، أخذه من القاسم، وهو لم يسمع من مجاهد. لكن صحح العلماء النسخة التي مع ابن أبي نجيح. فالآن تجد في تفسير ابن أبي جعفر، سواء كان في تفسير الطبري أو ابن أبي حاتم وغيره، تجد ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهذه نسخة صحيحة، صححها العلماء لأن الواسطة عرفت. قال: «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط حتى يدعوهم»، أي كان هذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يقاتل قومًا حتى يدعوهم إلى الله، وهذا لإقامة الحجة عليهم. فكان عليه الصلاة والسلام أولًا يدعوهم إلى الله جل وعلا. لهذا كان يكتب للكفار الكتب، كتب إلى المقوقس وإلى قيصر وإلى الهرمزان كسرى وإلى غيرهم، كتب إليهم بالإسلام والدعوة: «أسلموا تسلموا». فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم قبل أن يقاتلهم. وهكذا كان يأمر النبي عليه الصلاة والسلام من يكون معه في الغزو، فما جاء في حديث بريدة في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لأمرائه: «إذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى ثلاث، إذا نزلت بساحتهم، إذا نزلت في مكان العدو فادعهم إلى ثلاث، أولًا ادعهم إلى الإسلام، أولًا ادعهم إلى الإسلام، وهذا هو المطلوب». قال: «فإن هم أجابوك فدعهم»، يعني إذا أجابوا الإسلام، خلاص تركهم، هذا المطلوب، ليس المطلوب هو القتال، المطلوب هو الإسلام. قال: «ثم أدعهم إلى الجزية، فإن هم أجابوك فدعهم». قال: «ثم إن لم يجيبوك فاستعن بالله وقاتلهم». هذه ثلاث الأشياء، أولًا الدعوة إلى الإسلام، ثم الجزية، ثم بعد ذلك القتال إذا لم يقبلوا الإسلام ولا الجزية، فإنهم يقاتلون. لأنهم بقبولهم الجزية يكونون تحت إمرة المسلمين وتحت سيطرة أهل الإسلام، وأحكام أهل الإسلام تقوم عليهم، فيكونون على دينهم لكن تحت حكم الإسلام. وهذا أيضًا كذلك مطلوب، وإلا فالمطلوب هو إسلامهم. لكن كما قال الله عز وجل: «لا إكراه في الدين»، معنى لا يكرَه حتى يدخل في الإسلام، وإلا إذا كان لا يريد الإسلام، فأعطاهم الله عز وجل فرصة في الجزية، معنى يكونون تحت حكم الإسلام، يدفعون الجزية للمسلمين، ولأجل أن يأمن شرهم، لأنهم إذا كانوا تحت أمرة المسلمين، أمن شرهم. ومن خالف هذا العهد وهذا العقد بعد ذلك، يرى إمام المسلمين المصلحة فيه، إما أن يقتله، وإما أن يستتيبه، أو غير ذلك. فمن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقاتل حتى يدعو إلى دين الله جل وعلا. وهذا كما قلنا الأصل، بل الجهاد في سبيل الله ما شرع إلا لأجل الدعوة إلى الإسلام. الجهاد أصلا ما شرع إلا لأجل الدعوة إلى دين الله جل وعلا. فإن كانوا يأتون بغير القتال، فهذا هو المطلوب، فهذا هو المطلوب. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام يصالح، إذا مثلًا قبل الناس الإسلام تركهم، قبل الإسلام تركهم، مثل ما حصل لأهل مكة لما دخل مكة، لم يقاتل إلا طائفة يسيرة، كانوا يقاتلون في المسفلة، لكنهم لم يستطيعوا أن يقفوا بين يدي جيش المسلمين. فعكرمة بن أبي جهل وجماعة اجتمعوا على أن يقاتلوا، فالتقوا مع خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومن كان معه ممن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يستطيعوا أن يقفوا أمامه، فهربوا، فهرب عكرمة وغيره، ثم أسلم بعد ذلك عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه. فخلاصة الأمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان من سنته أنه ما كان يقاتل حتى يدعو الناس إلى دين الله، وهذا من رحمته ورأفته، بل هذا شرع الله جل وعلا. فلأن المطلوب كما قلنا هو الدخول في الإسلام، فإذا دخل الناس في الإسلام، فلا داعي لقتالهم. ولهذا لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام خالدًا إلى بعض قبائل العرب، فلما جاء خالد إليهم، كانوا يقولون: «صبعنا»، يريدون: «أسلمنا»، لكن ما استطاعوا أن يقولوا: «أسلمنا»، فهم أسلموا، لكن غلطوا في اللفظ، فكانوا يقولون مثل المشركين: «صبعنا»، والصابي هو الذي يغير دينه. فقاموا وقتلهم خالد. فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عظم عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، وقال: «اللهم إني أبرأ مما فعل خالد». فقال: «قتل قومًا قد أسلموا، وإنما غلطوا في اللفظ، غلطوا في اللفظ، فقالوا بدل ما يقولون: أسلمنا، قالوا: صبعنا». فلهذا غلط النبي صلى الله عليه وسلم على خالد هذا الأمر. وأيضًا غلط النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة لما قتل ذاك الرجل بعدما قال: «لا إله إلا الله»، وكان الرجل من المشركين، قتله المسلمون. فصمد له أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، فلما رفع عليه السيف، معنى أراد أن يقتله، قال: «أسلمت»، فقتله أسامة. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أقتلته يا أسامة بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» فقال: «يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا». قال: «شققت عن قلبه حتى تعلم ذلك؟» قال أسامة رضي الله عنه: فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكرر علي: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: حتى تمنيت أني ما أسلمت إلا ذلك اليوم. وهذا من باب التشديد في هذا الأمر. وهذا أيضًا أخرج أحمد أن رجلًا أيضًا كان من المشركين يقتل في المسلمين، فصمد له رجل من أهل الإسلام، صمد له، معنى قصده، حتى لاذ إلى شجرة، اختبأ تحت الشجرة، واستسلم له، ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا الله»، فقتل هذا الرجل من المسلمين. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: «إنما قالها يا رسول الله متعوذًا». قال: «شققت عن قلبه حتى تعلم ما في قلبه؟» قال: ثم ما لبث هذا الرجل أن مات، أي هذا الرجل الذي قتل هذا المشرك، أي من المسلمين، فما لبث أن مات، فدفنوه، فجاء الصباح وقد لفظته الأرض، ثم دفنوه مرة أخرى، فوجدوه قد لفظته الأرض، ودفنوه مرة ثالثة وأعمقوا، فوجدوه قد لفظته الأرض. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فواروه، فإنه والذي نفسي بيده»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأرض لتقبل أخبث من هذا، لكن الله يريد أن يطلعكم على فضل لا إله إلا الله». أن الله عز وجل يريد ليس أن هذا الدنيا أو هذا مثله لا تقبله الأرض، بل تقبل من هو أخبث منهم، لكن أراد الله عز وجل أن يبين لكم أو يطلعكم على فضل لا إله إلا الله. أن هذا الرجل من المسلمين قتل رجلًا بعد أن قال: لا إله إلا الله، وهذا يدلك على عظم دم المسلم، ودم الرجل الذي يسلم، فكيف بمن يقتل أهل الإسلام وهم يصلون؟ أن بعض الخوارج تجد أنهم يقتلون أهل الإسلام وهم يصلون، يقتلون المسلمين وهم يصلون، وهذا قد حصل في التاريخ، تاريخ الخوارج، بل حتى في هذه العصور حصل في بعض الأماكن، هذا قتلوا أناسًا وهم يصلون، فجروا مسجدًا، وهكذا تفعل أيضًا الروافض الشيعة والحوثة، فجروا أيضًا مساجد. والمهم أن هذا عظيم أن يقتل مسلم، أو يقتل رجل كافرًا ثم قال أو أسلم فيقتل، فكيف بمن يقتل كما قلنا أهل الإسلام؟ ولهذا عظم النبي عليه الصلاة والسلام شأن الخوارج، فقال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وقال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم»، وهذا لفظ عظيم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم»، وهذا لعظم جابة هؤلاء الخوارج. الآن كثير من طلبة العلم وغيرهم تجد يتساهلون بهذه الأمور، يتساهلون، يسمعون لبعض من يحرض على الانقلابات ويحرض على القتال، ويقولون: «نحن نسمع مواعظ»، وهو يعلم أن هؤلاء من الخوارج أو من يؤيد هذا الفكر، فكر الخوارج والتكفير وغير ذلك. فهذا لا يستهان به، لا ينبغي أن يسمع لمثل هؤلاء الذين يدعون إلى هذه الدعوات، هذه الدعوات باطلة، وأيضًا مفسدة لدين الله عز وجل، ولهذا أو مفسدة في دين الله، ولهذا شدد النبي عليه الصلاة والسلام في أمرهم. وقال أيضًا: «هم شر قتلى تحت أديم السماء»، معنى شر قتلى، حتى من الكفار. لماذا؟ لأنهم يفسدون في الإسلام أكثر من غيرهم، لأنهم داخل أهل الإسلام، هم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوه. فلهذا فهذا الجرم العظيم الذي يرتكبه هؤلاء، وهو قتل المسلم، ودم المسلم عظيم، دم المسلم عظيم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في عظم دم المسلم، أن من الورطات التي يقع فيها الإنسان أنه يقتل مسلمًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»، جاء خارج الصحيح، «فإذا أصاب دمًا حرامًا بلح ضيق عليه».