كتاب الأطعمة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9

كتاب الأطعمة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9

الدرس في كتاب الأطعمة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شروط الذكاة: قطع الحلقوم والمريء والعروق

يشرح المقطع الشرط الخامس من شروط الذكاة وهو قطع الحلقوم والمريء، مبيناً أن في الرقبة أربعة عروق ويستعرض أقوال العلماء في عدد العروق الواجب قطعها. والراجح أن الدم ينهر بقطع الحلقوم والمريء فقط دون اشتراط قطع الودجين.

حكم التسمية عند الذبح وأقوال العلماء فيها

يعرض المقطع خلاف العلماء في وجوب البسملة عند الذبح، حيث يرى ابن تيمية أنها شرط مطلق لا يسقط بالنسيان، بينما يرى الجمهور أنها واجبة فقط مع الذكر والعلم وتسقط عن الناسي والجاهل. وتكون ذبيحة الناسي والجاهل حلالاً عند الجمهور.

أحكام الصيد والعقر واستيفاء الشروط

يناقش المقطع القول الراجح بأن التسمية تسقط بالنسيان والجهل، ثم يفصل أحكام الصيد وشروط الذكاة فيه، ويبين أن عقر الحيوان المصيد في أي موضع ينهر الدم حتى يموت يكفي لإحلاله. وستُفصل شروط الاصطياد في الدرس القادم.

  • 18 جمادى الأولى 1447هـ - 08/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين"، وفي كلامه على شروط الذكاة: قال: "رابعًا"، أي: من شروط الذكاة، وقد أخذنا في الدرس الماضي ثلاثة شروط، وإن شئت قلت: أربعة شروط. الشرط الأول: أن يكون المذكي مسلمًا أو كتابيًا. الشرط الثاني: أن يكون عاقلًا مميزًا. الشرط الثالث: أن يكون بمحدد ك السكين والقنجري. والرابع: أن ينهر الدم. الشرط الخامس: أن يقطع الحلقوم والمريء في رقبة الحيوان. لابد أولًا أن نفهم هذه المسألة: في رقبة الحيوان أربعة عروق. الأول: الحلقوم، وهو مجرى النفس خروجًا ودخولًا، النفس هذا من الحلقوم. الثاني: المريء، وهو مجرى الطعام والشراب، أن يختلف مجرى الطعام والشراب عن مجرى النفس، ولذلك لو تسرب شيء من الطعام إلى مجرى النفس ربما يؤدي إلى وفاة هذا الحيوان أو حتى الإنسان. الثالث والرابع: الودجان، والودجان أو الودج، هما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء، يكون هنا في الجنب، ها هنا عرقان غليظان، لما تذبح تجد هنا مثل الخيط الغليظ، الحبل، هذا يسمى ودج، يسمى ودج، ودج يأتي في اليمين، وودج يأتي في الشمال، يحيطان بالحلقوم والمريء. فهذه أربعة عروق في رقبة الحيوان. فهنا يقول: "وأن يقطع الحلقوم والمريء"، يعني عند الذبح، وهنا لم يذكر الودجين لأن المسألة اختلف العلماء فيها: إذا قطع بعض هذه الأربعة هل يجزئ الذبح أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على عدة أقوال. طبعًا، مسألة لم يختلف فيها وهي: إذا قطعت هذه الأربعة فهذا بالإجماع أنها تجزئ، هذا بالإجماع تمام. إذا ذبح وقطع الكل، يعني أخرج الرأس كاملًا أو ما بقي إلا الجلد الأخير منه فقط، فهذا يجزئ بالإجماع بلا خلاف، لأن ما في زائد على هذا، هل شيء عادة غير هذه الأربعة؟ خلاص، طيب، فهذا بالإجماع تجزئ الذبيحة. نعم، واختلفوا في قطع بعضها، مثلاً: تقطع الحلقوم والمريء فقط، أو تقطع الحلقوم والودجين فقط، أو نحو ذلك. وسبب الاختلاف أنه لم يأت نص بذكر شيء منها، وإنما النص عام، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما مر معنا: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل». فقال هنا: «ما أنهر الدم»، فلذلك اختلف العلماء: بما ينهر الدم؟ هل بقطع الحلقوم والمريء فقط؟ أم بقطع الحلقوم والودجين فقط؟ أو بقطع المريء والودجين فقط؟ اختلف في ذلك، ولذلك اختلفت أقوال العلماء في هذه المسألة. فمذهب الحنابلة ما ذكره المؤلف هنا، فالحنابلة يرون أن قطع الحلقوم والمريء يكفي في الذبح، يكفي في الذبح ولو لم تقطع أو يقطع الودجان، ولذلك ذكره مؤلف المؤلف. قالوا: أن يقطع الحلقوم والمريء، ولم يذكر الودجين. القول الثاني: طبعًا هذا قول الحنابلة. القول الأول: أن يقطع الحلقوم والمريء. القول الثاني: لا بد من قطع الأربعة، فلا يكفي قطع بعضها، يعني يقطع المريء والحلقوم والودجين، وهذا قول ابن المنذر. القول الثالث: لا بد من قطع ثلاثة بلا تعيين، يعني لو قطعت الودجين والمريء يكفي، إذا قطعت الحلقوم والمريء وودج واحد يكفي، المهم ثلاثة من أربعة، ثلاثة من أربعة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية. القول الرابع: لا بد من قطع ثلاثة معينة، وهي الحلقوم والودجان، لا بد هذه الثلاثة تقطع، وهذا مذهب مالك. والصحيح في هذه المسألة: أن أهل الخبرة يذكرون، أهل الخبرة يذكرون أن الدم ينهر بقطع الحلقوم والمريء، لأن الحلقوم أول ما تضع عليه السكين، طيب، فيقطع أولًا ثم يقطع المريء فيخرج الدم. والأحوط خروجًا من خلاف أهل العلم أن تقطع الأربعة، لا تستقطع الأربعة، ولو أن تخرج الرأس كاملًا مباشرة عند الذبح، أو تترك منه شيئًا يسيرًا بعد قطع الأربعة، هذا هو الأحوط، وهو بإجماع العلماء يجزئ. لكن لو قطع الحلقوم والمريء كما هو مذهب الحنابلة فهذا يكفي، ولا دليل على اشتراط ثلاثة، أو على تعيين ثلاثة. هذا كله كما ذكرنا ليس عليه دليل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا خرج الدم، نهار الدم، فهذا يكفي في إجزاء الذبيحة، هذا يكفي في إجزاء ماذا؟ الذبيحة. نعم، قال: «وأن يذكر اسم الله عليه»، يعني يقول: بسم الله عند الذبيحة، هذا أيضًا شرط من شروط ماذا؟ من شروط الذكاة، هذا شرط من شروط الذكاة أن يذكر اسم الله عليه، يقول: بسم الله. واختلف العلماء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال، على ثلاثة أقوال. القول الأول: أنها شرط لا تسقط مطلقًا، حتى لو تركها نسيانًا أو جهلًا، فلا تحل الذبيحة. إنسان مثلاً جاء، أتى بالشاه وذبح دون أن يسمي، قل له: لم تسمِ؟ قال: نسيت. عند أهل هذا القول أنه لا يجوز الأكل من هذه الذبيحة، لا يجوز الأكل من هذه الذبيحة. إنسان ذبح ثم بعد ما ذبح قل له: هل سميت الله؟ قال: أيش؟ الناس يسمون عند الذبح، أنا ما أدري، أنا ما أدري أنهم يسمون عند الذبح. فهنا عند أصحاب هذا القول أن هذه الذبيحة ماذا؟ لا يجوز أكلها. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. واستدلوا بأن الكتاب والسنة قد علقا الحل بذكر الله في غير موضع من كتابه، ولم يفصل أن يكون هذا الذكر حال الذبح ذاكرًا أو ناسيا أو جاهلا، جاءت الأدلة عامة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، هكذا جاءت الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، قالوا: وهذا عام، فيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله، وتسميته فسقًا، سماه فسقًا. واستدلوا أيضًا بحديث رافع بن خديج المتقدم معنا، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل». فهنا قرن، قالوا: قرن بين انهر الدم وذكر اسم الله على الذبيحة في شرط الحل. هذا الحديث ذكر شرطين: انهر الدم، وإيش؟ والتسمية. انهر الدم والتسمية. فقالوا: فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسيا، أو لو لم ينهر الدم ناسيا أو جاهلا لم تحل الذبيحة، صح؟ لم تحل ذبيحته. لو مثلاً إنسان يريد يذبح، وضع يده واختنق له وماتت قبل أن ينهر الدم، هل تحل هذه؟ قالوا: هذا لا تحل، صح. كذلك من لم يذكر اسم الله لا تحل، لا تحله. نعم، فهما شرطان قرن بينهما النبي صلى الله عليه وسلم في جملة واحدة، قالوا: فلا يمكن التفريق بينهما إلا بدليل، إلا بدليل. هذا حجة أصحاب القول الأول: أن التسمية شرط مطلقًا، لا يجوز تركها ولو ناسيا ولا جاهلا، ومن نساها وذبح فذبيحته حرام، ترمى في الزبالة، هذه الذبيحة ترمى في الزبالة على هذا القول. واضح. القول الثاني في هذه المسألة: أنها، أي البسملة أو التسمية، واجب في حال الذكر والعلم دون حال النسيان والجهل. فمن يعني تعمد، يعرف حكمها ويعرف أنها شرط، ثم لم يسمِ، فهذا ذبيحته غير حلال، لكن إن نسي أو كان جاهلا فذبيحته حلال. وهذا قول الحنفية والمالكية والمشهور من مذهب الحنابلة، فيمكن أن تقول إن هذا قول الجمهور، هذا قول الجمهور: أنها واجب في حال الذكر والعلم دون حال النسيان والجهل. ودليلهم على ذلك: قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، هذا من النسيان والخطأ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولأن في عدم إجازة الذبيحة حال النسيان أو الجهل إهدارًا للمال، إهدارًا للمال، فقالوا: إذن هي واجبة، أي شرط عند الذكر والعلم، أما عند النسيان والجهل فليس بشرط. وهذا والله أعلم هو أقرب، هو أقرب. وأما قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين انهر الدم وبين التسمية، فإن انهر الدم لا يتصور فيه النسيان ولا يتصور فيه الجهل، هل أحد ينسى أن يذبح فينهر الدم؟ هذا ربما ما يتصور، أو قليل ما يقع جدا، لكن التسمية كثير ما تقع، وفيه مشقة على الناس، بعض الناس مثلاً عندهم عشرون رأسًا، في أول واحد سمى، في الثاني نسي، في الثالث نسي، لأن التسمية واجبة في كل ذبيحة، ما يكفي تسمية واحدة لعدة ذبائح، فربما هذا يعني يشق على الناس، وهذا يقع كثير، وطالما أنه لم يتعمد ذلك فوالله أعلم يكون ذلك جائز الذبيحة لأنه لم يتعمد عدم التسمية. هذا القول الثاني. القول الثالث: أن التسمية سنة مطلقًا، ليست بشرط، إنما هي سنة، وهذا مذهب الإمام الشافعي، واستدل بحديث ضعيف، ولذلك القول ضعيف بناء على هذا الحديث، والحديث الذي استدل به هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله»، فهذا الحديث لا يصح، حديث ضعيف. فالصحيح والله أعلم هو القول الثاني، وهو أنها واجب عند الذكر، واجب عند الذكر. إذن انتهينا الآن من شروط الذكاة، وهذه مسائل مهمة تتأكل الذبيحة أكلًا صحيحًا من غير شبهة ومن غير حرمة، فهذه خمسة على الإجمال، وستة عند التفصيل. قال: «وكذلك يشترط في الصيد»، يعني هذه الشروط تشترط في الصيد، والمراد بالصيد يعني الحيوان الناد المتوحش الذي لا يمكن قبضه وذبحه، فهذا يسمى صيد، كمثل صيد الغزلان، أو صيد الحمر الوحشية، أو صيد الأرانب، فهذا كذلك يشترط فيه هذه الأشياء، لكن ما تيسر منها وما لم يتيسر يعفى عنه كما سيأتي تفصيله. فمثلاً التسمية: لما تضرب تسمي، تمام. كذلك انهر الدم، كذلك أن يكون عاقلًا مميزًا، كذلك، فهذه إن استطعت أن تأتي بشيء منها فواجب. مثلاً: أرنب قبضت عليه هنا، إذن يجب أن تتوفر فيه شروط أيش؟ الذبح، تذبحه، ما تعقره، وعرفنا الفرق بين الذبح والعقر، ولذلك قال: «إلا أنه يحل بعقره في أي موضع من بدنه»، وعرفنا ما معنى العقر، وهو كما ذكر هنا: في أي موضع من بدنه، يعني أنت الآن تضرب، ما تستطيع تضرب في مكان الحلق، في مكان الحلق، فقد تأتي الضربة في بطنه، صح؟ قد تأتي في رأسه، واضح. فإذن يعقر في أي موضع من بدنه، وهنا يجوز انهر الدم من الحيوان في أي موضع منه، في حالات، يعني عقره، في حالات: الأولى في حالة الصيد المتوحش البعيد، الثانية أن يكون المذك... أن يكون المذك يعني الصيد هذا غير مقدور عليه، مثل أن يهرب، يعني معك شاه، أو معك بعير، أو معك حصان، عرفنا أن الحصان يجوز أكله، صح؟ طيب، هذا الحصان توحش وهرب، تريد تمسكه ما تستطيع، تأتي من هنا يهرب عليك، تأتي من هنا ما تستطيع تمسكه، فإذن هنا يجوز أن تعقره، أو يسقط في بئر، سقط في بئر وما تستطيع أن ترفعه من البئر وهو حي لأنه يتحرك وربما يخنق وهو لا يزال حي في البئر، فهنا يجوز لك أن تعقره ثم تخرجه من البئر، أو في مكان سحيق، نزل في مكان بعيد ما تستطيع أن تعقره، فقمت... فقمت بعقره، فهذا يكفي في إنهر الدم في أي موضع كان من بدنه حتى يموت، حتى يموت. هذا معنى قوله: «وكذلك يشترط في الصيد»، وسيأتي معنا شروط الاصطياد فيما سيأتي إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.