الدرس في شرح كشف الشبهات 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول الكفر المعاند لمن عرف التوحيد ولم يعمل به، موضحًا أن العلم ليس كافيًا دون العمل. يفرق بين من كفر بعد علم ومن كفر لعدم علم.
يناقش موضوع النفاق وأقسامه، حيث يعتبر من يعمل بالتوحيد ظاهريًا دون اعتقاده بقلبه منافقًا. يصنف هؤلاء ضمن أهل النفاق الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.
يميز بين أصناف الناس في تعاملهم مع التوحيد، ويشرح حكمهم الشرعي. يروي أيضًا قصة هرقل الروم وكيف استمر على كفره بسبب الجاه والمنصب.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، في الفقرة الأخيرة، ونحن في ختام مبحث كشف الشبهات، تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى التنبيه إلى مسلك من المسالك العملية، والتي يبرر فيها بعض الناس مواقفهم. كما قلنا، ما مضى من مسائل كشف الشبهات حول مسائل علمية، مسائل علمية، لكن هذه مسألة الذي ختم بها المؤلف إشارة إلى مسألة عملية، وهو أن الناس يبررون مواقفهم ببعض المبررات. فأتى المؤلف رحمه الله تعالى تبيانا لهذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: «فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما». الكفر، الكفر يا إخواني في الله، الكفر يقابل الإيمان. لهذا قال: «فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر». الكفر يقابل الإيمان، فكما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فالكفر قول وعمل واعتقاد. ولهذا كان من أقسام الكفار من كفر بعد علم. من كفر بعد علم، العلم عنده، لكن ما الذي نقصه؟ العمل، لم يعمل بعلمه، لم يعمل بعلمه. وهذا ككفر فرعون، وكفر إبليس، كما حكى المؤلف. وهذا كفرهم كفر استكبار، وجحدوا بها، واستحقتها أنفسهم، هم على يقين بها، هم يعلمون. فرعون يعلم بربه، فرعون كذلك يعلم بربه، لكنه الاستكبار والعناد. إبليس يعلم بربه، «فبعزتك» أي يا رب، ومع ذلك أبى، وأبى، واستكبر، وكان من الكافرين. فهؤلاء أمثالهم، علموا بالحق، فكفرهم بعد علم. إذن العلم موجود، ما الذي نقص؟ العمل، ما عمل بعلمهم، كفروا. وقسم من الناس كفروا، وليس عندهم علم، كفروا، وليس عندهم علم، فكان كفرهم لنقصان العلم. وهما يكون من كفر الإعراض، كفر الإعراض، لا يريد أن يسمع، لا يريد، كما قال سبحانه وتعالى: «بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون»، لا يعلمون. هذا حكم الله عز وجل، لا يعلمون. طبعاً، عدم علمهم عذر، لا، ليس بعذر، لأن عدم علمهم هل لغياب الحق؟ لا، الحق ظاهر. الإعراض، الإعراض، كما في أمر قصة نوح، «جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم»، قمة في الإعراض. هؤلاء إذا حشروا عند الله يوم القيامة، لماذا ما اتبعتم نوحا؟ يقول: «يا رب ما عندنا علم»، كيف أتيكم العلم وأنتم ما أردتم العلم؟ ما أردتموه، وما سمعتموه. كفر الإعراض، هؤلاء العلم موجود، قد تمكنوا من العلم، لكن ما أرادوه. بهذا نعلم أن من الناس من عنده علم، وليس عنده عمل، هذا يكفر. ومن الناس من تمكن من العلم، وما تعلم، فإنه يكفر. من تمكن - انتبه - تمكن من العلم، عنده قدرة على الإمكانية على أن يتعلم، وقد أشرنا إلى هذه المسألة كثيرا. كحال من يأتيك باكيا شاكيا، وقع في الأمر الفلاني، وقع في الأمر الفلاني، هل عليك؟ نعم عليك، ينظر في حاله. لهذا العلماء في مسائل الأحكام يفرقون بين من عاش في بادية بعيدة، أو من كان حديث عهد بإسلام، لماذا؟ ينبهون على هذا، هؤلاء معذورون، هؤلاء ما تمكنوا من العلم، حديث عهد بإسلام، ما تمكن من العلم. رجل في بلدة نائية، ما تمكن من العلم. لماذا يشترطون حتى يخرجوا من تمكن من العلم؟ فتقاعس هذا يلام، هذا يلام، ينكروا شيئا من فرائض الدين بحجة: «دين الله ما أدري»، أنت وأنا عايش. قال: «الله عايش في الشحر»، قلت: «أكافر؟» أنكرت شيئا من الدين ضرورة، بهذه الصورة، عندك القرآن، وعندك السنة، وعندك الخطب، وعندك المساجل، وعندك الإعلام، وعندك المدارس، وعندك المراكز، وعندك... وعندك... تقول لي: «ما أفهم، ما أعلم»، أنت وأنا عايش، هذا يحاسب، لكن بخلاف من يجهل حالها، أو رجل ما تمكن من العلم، فهذا يعذر. قال: «فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند»، عنده علم، عنده علم، ما عمل، هذا كافر. فالعلم ليس كاف، وبهذا تعلم خطأ من قال من صفوان: «التوحيد أو الإيمان هي المعرفة معرفة الله». لو كان التوحيد أو الإيمان هي معرفة الله، لكان إبليس من الموحدين، ولكان فرعون من الموحد. ألا الكل قد عرف الله، هل كان هذا كافيا في إسلامهم وإيمانهم؟ الجواب: لا. وتأمل هنا في قول المؤلف رحمه الله تعالى: «فإن عرف التوحيد». عبر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بالمعرفة، «عرف التوحيد»، ما قال: «فإن علم التوحيد». فهنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أنسب، هذا أنسب في المقام، أن يذكر المعرفة، وليذكر العلم هنا. قال: «فإن عرف التوحيد»، ما قال: «فإن علم التوحيد»، لماذا؟ يقول العلماء: لو تلاحظون أن كلمة المعرفة تؤتى كثيرا - تؤتى كثيرا - في القرآن، في العلم الذي لا ينتفع منه صاحبه. المعرفة تأتي في القرآن كثيرا في العلم الذي لا ينتفع منه صاحبه، كما قال تعالى: «يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها»، ما استفادوا شيئا، علموا أن هذه نعمة من الله، ثم بعد ذلك ماذا؟ جحدوها. فهنا وصفت هذه المسألة العلمية بالمعرفة؛ لأن صاحبها ما استفاد من هذا العلم شيئا. «يعرف نعمة الله ثم ينكرها». وهكذا، وهكذا، ما جاء في وصف اليهود: «يعرفونه كما يعرفون أبناءهم». فاليهود يعرفون صفة نبينا، طبعاً هذه المسألة العلمية، وهي ما عرفت صفة نبينا، هل استفاد اليهود منها شيئا؟ ما استفادوا منها شيئا، إذ أنهم استمروا على كفرهم. فكان هذا المسألة العلمي عبر عنه بالمعرفة، عبر عنه بالمعرفة. ولهذا كان من كلام بعض شراح الرسالة، قال: «أن المؤلف قال: فإن عرف التوحيد ولم يعمل به». إذن هذا المسألة العلمي ما استفاد منه صاحبه، إذ أنه ما ولد العلم العمل، فوصف بالمعرفة. لما سمعت من أن المعرفة تذكر على وجه الذم، هذا ليس دائما - انتبه - ليس دائما، وإنما كثيرا. قال: «فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما». قال: «وذلك يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله». يرون أن عدم القدرة عذر، «ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم»، هذا عذر آخر. قال: «وغير ذلك من الأعذار». والأعذار أمرها سهل، لكن هل كل عذر يبرر فعل صاحبه؟ لا، ليس كل عذر. ليس كل عذر - لا تظن - يا عبد الله، عندما تفعل مخالفة شرعية، ثم تزين المخالفة بعذر، أنك قد بريت منك الذمة. الجواب: لا، ينظر في عذرك، أولا: هل هذا العذر مقبول، ولا غير مقبول؟ مثل أي إدارات، في الإدارات الشرعية، رجل موظف، أو رجل طالب، يغيب، وبعد أن يغيب، يأتي ثاني يوم، يأتي بغيابه، يسأله مدير الغياب: «أين كنت يا بني؟ أين كنت يا موظف؟» فيأتي بعذر، يقول لها: «والله عندي عذر»، إيش عذرك؟ قال: «والله عذري يا أخي: الكواش نقطع عليها الكواش»، طيب: «نعالك انقطعت»، طيب: «ما في نعال ثانية»، نعم: «ما عندي نعال»، أيش تفعل؟ تصرف، هل هذا قطع نعال؟ هو يرى نفسه أن قطع نعال، قطع نعاله ممرر عليه، وما عدد على من حضور مدرسة، لكن هل هذا في الإدارة عذر مقبول؟ لا. إن كان طالب، وخصم، إن كان موظف... فليس كل عذر تأتي به - يا عبد الله - مقبول. وتأمل - يا عبد الله - في هذا العذر الذي ذكره الله جل وعلا عن جماعات، وطائفة من أهل التوحيد والإسلام، الذين قال الله عز وجل: «الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم»، ظالمي أنفسهم، قالوا: «فيما كنتم؟» قالوا: «كنا مستضعفين في الأرض». هذا عذرهم، هذا عذر لجماعة من المسلمين، عاشوا بين ظهراني الكفار والمشركين، جلسوا، ما خرجوا، جلسوا على حساب ماذا؟ هل وقعوا فيه شرك؟ هم ما وقعوا فيه شرك، ما وقعوا فيه شرك. لو وقعوا فيه شرك، كانوا في عداد الكفرة، هم ما وقعوا، لكن ما الذي صار؟ ما أظهروا دينهم، ما أظهروا دينهم، تستروا؛ لأن الشوك، والغالب للكفار. طيب الذي حبسهم، الذي حبسهم ماذا؟ عذر الاستضعاف، عذر الاستضعاف. قالوا: «كنا مستضعفين في الأرض». فكانوا هذا العذر عندهم، كما واحد الذي يختلق هذا العذر، خليه عنده، العذر هذا إذا مدى؟ إذا لقيت الله يوم القيامة، وحاسبني الله على عدم إظهار ديني، يقول: «يا رب هذا عذري»، لكن هل هذا ينفعهم عند الله؟ ما نفعهم عند الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: «ألا إن الذين توفاهم الملائكة وظالمي أنفسهم»، قالوا: «فيما كنتم؟» قالوا: «كنا مستضعفين في الأرض»، قالوا: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟» فأولئك مأواهم جهنم، فوعدهم الله. مع أنهم ماذا؟ ما فعلوا الشرك، ما فعلوا الشرك. فما ظنك بمن أشق من هؤلاء؟ كحال هؤلاء، كحال هؤلاء، ممن علم التوحيد، وما أظهره، بل أظهر الشرك، ما أظهره، بل أظهر الشرك. وافق قومه على الشرك، يقول: «يا الله يجب معنا زيارة للتابوت الفلاني، الضريح الفلاني، زيارة، زيارة»، «يا الله» ويذهب، ويمشي، ويستغيثوا: «مدد، المدد»، وهو يعلم أن هذا باطل، وما ذا يقول؟ «أنا عذري عند الله: أني ما أستطيع أني أواجه قومي»، هل هذا عذر عند الله عز وجل؟ هذا الذي يريده المؤلف أن يبطله، وأن يستأصله من قلوب من يستدل به عليه. أي: «عذرني - يا شيخ محمد - عذرونا - يا وهابية - عذرونا، والله نحن ما نعرف كلامكم اللي طيب، وحجتكم قوية، وأن هذا باطل، ما نستطيع، ما نستطيع أن نرد هذا؛ لأننا ما نستطيع أن نواجه المجتمع». وهذا أذكره - والله - يا إخواني في الله، عن أناس في أزمة الخليج. في أزمة الخليج، كانت هذه البلد تعج بالبدع والمنكرات، وكانت الموجة للتصوف، الموجة للتصوف، بكسر «الصاد» عندهم أتباع أكثر من هذا، كان كثير جدا، ولهم الشأن، ولهم الدان، ولهم الرباط، ولهم أيام: «كاظم، أيام الحفيظ، أيام فلان وفلان»، أمم من الكبارات. حينها جاءت أزمة الخليج، ووفد الناس، وفد الناس من دول الخليج، وكان أصحاب الخليج على ماذا؟ على التوحيد، على التوحيد، ما عندهم هذه الشركيات، هذه خزعبلات. ليت أكثر من يعيش في دول الخليج على التوحيد الصافي. وكنا نعلم أناسا أتوا على هذا الخير، أتوا، تعلموا القرآن، وتعلموا في الحلقات، وجاءوا هنا، جاءوا هنا، فتفاجأوا بالوضع الاجتماعي، الوضع الديني هنا، الوضع ماذا؟ الموجة للتصوف. أين أهل التوحيد؟ مستضعفون، ما هناك إلا خمسة مساجد، ستة مساجد فقط، كانت في الشحر، أيام أول، هي ترفع رأيتي التوحيد، وتواجه موجة الصوفية. وكانت الأكابر، والإدارات، وكانت أهل الفكر، والشأن، كله مع الصوفية. فلما جاء هذا بتوحيده، كان في مفترق الطرق، إما مع الموجة، بلقيس باطلة، وإما مع الدون، وهم الحق. فالله نعلم من بعضهم أنه ركب موجة الصوفية، حاول هكذا، لكن خوفوه: «انتبه، اذهب، شف ما أنت منا، ولا نعرفك». فلما خوف من ضياع ماله، وسمعته، دخل معهم في الزيارات، وفي الموالد، وفي البدع، وشاركهم. هل هذا له عذر عند الله عز وجل؟ لو قال بهذا الذي قال به القوم الآن: «نحن في بلد، لا بد أن نوافقهم فيما هم فيه». هذا ليس عذر عند الله عز وجل، هذا ليس عذر عند الله عز وجل. قال: «وغير ذلك من الأعذار». ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: «اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا». اشتروا بآيات الله، هم يعلمون آيات الله، يعلمونها، لكن باعوها مقابل ماذا؟ مقابل دنيا، باعوها مقابل دنيا. فليس عندهم لبس، بل عندهم آيات، لكنهم باعوها طلبا لدنيا، هل لهم عذر في هذا؟ أنهم فقراء، وأرادوا المال، والنفوذ على حساب الدين، ليس لهم عذر. قال: «وغير ذلك من الآيات، كقوله تعالى: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم». قال: «فإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا، وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار». طيب انتقى المؤلف رحمه الله تعالى إلى صورة ثانية من صور من أخلى بشيء من مقتضيات التوحيد. كما قلنا: التوحيد علم وعمل واعتقاد، علم وعمل واعتقاد. أشرنا في الفقرة السابقة: أصحاب الاستكبار، من عندهم علم، لكن ما عندهم عمل، عندهم علم، وما عندهم عمل. الآن انتقل رحمه الله تعالى إلى الفرقة الثانية، من عندهم عمل، من عندهم عمل، لكن بغير علم. فقال: «فإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا، وهو لا يفهمه - انخرم العلم - أو لا يعتقده بقلبه - انتفى الاعتقاد - قال: فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار». وهذه الصورة الثانية - يا إخواني في الله - صورتها: أن أناسا من الناس يعملون بالتوحيد، ويظهرون دعوة التوحيد، ويظهرون دعوة التوحيد، لكنهم في الباطن على خلاف ذلك، لكنهم في الباطن على خلاف ذلك. الظاهر يظهرون التوحيد، وفي الباطن هم على خلاف ذلك. وهؤلاء يجمعهم جامع النفاق، وهؤلاء يجمعهم جامع النفاق، وهم على صورتين اثنتين، أشار إليه من مؤلف رحمه الله، أشار إليه من مؤلف رحمه الله. وهؤلاء هم من أهل النفاق، من يظهر التوحيد، ويبطن خلافه في الباطن، هؤلاء أهل النفاق، وهم على صورتين اثنتين، كما قسمهم المؤلف رحمه الله تعالى. من يعمل بالتوحيد، ويعتقد خلافه، من يعمل بالتوحيد، ويعتقد خلافه. يسمع بكلام التوحيد: «الاستغاثة لله، والطلب المعونة من الله»، وهو في قرارة نفسه: «قل هذا خلط، خلط، كيف بس الله؟ هل يفهمون شيء؟ هؤلاء الوهابية، ما نستطيع، الله ما يسمع كلامنا، الله ما ينظر لحالنا، أين المدد؟ أين الأولياء؟ أين السادة الكرماء؟ أين هو؟» في قرارة نفسه، يعتقد خلاف ما نظهر، يظهروا: «قل نعم الله، يا الله»، هو في قرارة نفسه: أنه ما هناك فائدة من دعائنا، ولا فائدة من استغاثاتنا، وأن الأمر حقيقة يحتاج إلى وساطة من الصالحين. فهو يعمل بالظاهر، لكن في باطنه يعتقد الخلاف، هذا ما حاله؟ كما قال مؤلف، هذا من عداد أهل النفاق، ما ينفعه إظهاره للتوحيد، ما ينفعه اعتقاده، ما ينفعه عمله بالتوحيد؛ إذ أنه أبطن الخلاف. والصورة الثانية: أن يظهر التوحيد، وهو لا يعتقده، ولا يفهمه. الأول يعتقد الخلاف، يعتقد الخلاف، يعتقد ما يضاده. أما الثاني: لا ما يعتقده، أو لا يفهمه، لا يعتقده، ولا يفهمه. وهذا في الحقيقة ما اعتقد شيئا، ما اعتقد شيئا. إذا أظهر الشيء، وهو لا يعتقده، ما أظهر شيئا، ما اعتقد شيئا. ولو كان يدعي أنه يظهر التوحيد، وما اعتقد التوحيد، هو في الحقيقة ما أظهر شيئا. فإذا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين صنفا من الناس، وهو صنف آخر، المؤلف الآن يبين أصناف الناس في السلوك العملي. صنف من الناس من خالف المؤلف في دعوة التوحيد، يعتقد في باطنه أن التوحيد حق، والتوحيد قد فهموه، لكن ما يتجاسر أن يعمل بالظاهر. قال: «هذا كافر، كفره من كفر الاستكبار والعناد»، وذكر الأدلة. صنف من الناس من لو ربما ينطوي، ويأتي معه، يأتي معه، لكن هذا الذي يأتي معه يذر التوحيد، لكنه في باطنه يبطن الخلاف. الظاهر إما أنه في باطنه يعتقد الضد، يعتقد الضد، أو أنه في باطنه لا يعتقد شيئا. هذا حكمه كما قال: هو كذلك كافر، لماذا؟ كافر من أي وجه؟ من وجه الكفر، كفر النفاق، كفر النفاق، يظهر بخلاف ما يبطن، كما كان المنافق في عهد رسول الله، كان المنافقون يظهرون الإسلام، لكن بطونهم، في بواطنهم خلاف التوحيد. فماذا كانوا؟ كانوا في الدرك الأسفل من النار، في الدرك الأسفل من النار. لكن بعض العلماء أتى بمسألة، وهي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من صورة أهل النفاق، من صورة أهل النفاق: أنه يظهرون التوحيد، ويبطنون الكفر، لقصد كذا، وليقصد كذا، وأنه من أهل النار، أو من أهل النفاق. يرى بعض العلماء أن هذه تكون نادرة الآن، نادرة الآن، يعني صعب أن نجد لها مثالا واقعيا، وخاصة مع وجود الشرك وأهله، مع وجود الشرك وأهله. تخيل أنت الآن عندي هذا المجتمع الآن، الذي فيه رايات الشرك ترفرف، وأعني برايات: عباد القبور، مثلا عندي عباد القبور، وهم بكثرة، لا كثرهم الله. تذهب إلى زياراتهم، تجد بعددهم أكثر بكثير من دعوة التوحيد، نسأل الله السلامة والعافية والهداية لمن ضل من عوام المسلمين، وهم بكثرة. جوامعهم في مساجدهم. طيب الآن هل يتوقع لرجل هواه مع أهل عباد القبور، هواه هل يحتاج أنه يلجأ إلى أهل التوحيد، فيظهر التوحيد، ويبطن الشرك؟ هل هو بحاجة إلى أن يأتي إلينا؟ ما بحاجة أصلا، وخاصة لماذا يفعل هذا؟ وعنده الشرك الصريح، عنده أصحابه، عنده إخوانه، عنده دعاته، عندهم مساجد، عندهم الأربطة، عندهم الزيارات، عندهم الأضرحة، عندهم العتبات، عندهم الزيارة، عندهم القيادة، عندهم السيادة، السيادة عندهم، كل شيء. هل يلتجئ إلينا؟ ما سيلتجئ إلينا. ولهذا حركة النفاق حقيقة، حركة النفاق، متى ظهرت في زمن رسول الله؟ هل ظهرت في الزمن المكي، أم المدني؟ في المدني، ما كان هناك منافق في العهد المكي. ما كان هناك منافق، ما احتاج أحد أن ماذا؟ أن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، لماذا؟ لأن الكفرة كانوا في بلدهم، كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، واللات والعزى ومناة وهبل، ولهم الصولة، ولهم الجولة، ولهم القوة، ولهم النفوذ، ولهم السيطرة، ما احتاج أحد إلى أن يدخل يقول: «يا محمد، أنا معك»، وهو يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، ويتحمل لطمات الكفار، ما يحتاج أحد. ولهذا ما كان هناك نفاق أصلا. لكن متى ظهر النفاق؟ في العهد المدني، عندما قويت دعوة التوحيد، بل ما كان هناك إلا عراة التوحيد. هنا من كان في قلبه مرض، من كان في قلبه مرض، اضطر إلى ماذا؟ إلى التظاهر أن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر هنا. طب نأتي الآن على كلام المؤلف رحمه الله تعالى، هل هذا يوجد الآن؟ هل يمكن لأحد من عباد القبور الآن، مثلا مع وجود هذه القوة لهم؟ هل يحتاج يدخل معنا، ويظهر التوحيد، ويدخل مع ساجدنا، ويسمع دروس التوحيد، واللطم عليه، والضرب عليه، وعباد القبور، وعباد القبور مشركي هذا الزمان، ويصبر، ويحتسب، ويحتسب، ويحتسب؟ طب إيش ترجع؟ إيه الذي تريد منا؟ ما سيعيش بيننا، وما الذي ترجوه من هذا الكلام؟ ما سيعيش، وخاصة أن هناك رايات لهم ترفرف. ولهذا علق بعض العلماء في هذه المسألة، وخاصة في مسألة النفاق، قال: «فإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا، وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه، فهو منافق». قد لا يمكن هذا، نعم يوجد هذا الصنف، أن هناك من يظهر التوحيد، ولا يفهم التوحيد، لكن ليس عن نفاق، لكن عن جهل. فكر النفاق في هذه المسألة يحتاج إلى تأمل. فهذا نعم، هذه مسألة تتصور متى؟ في مسألة، في وقت إذا قويت فيه دعوة التوحيد، ولها الصولة والجولة، وما هناك دعوة تنافسها. فهنا نعم يتصور هذا، يظهر أناس التوحيد، ويخفون الكفر والشرك. لكن في مثل هذه الأوقات، والشرك له بهور، ما يحتاج أحد أن يتستر بشركه، واضح. قال رحمه الله تعالى: «وهذه المسألة مسألة كبيرة، طويلة، تتبين لك إذا تأملتها». في ألسنة الناس، ترى من يعرف، ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة. وترى من يعمل به ظاهرا، لا باطنا. فإذا سألت عن ما يعتقده، ما يعتقد قلبه، فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المسائل، إلى صنفين من الناس: من يعتقد التوحيد، ولا يعمل به، أو من يعمل بالتوحيد، ولا يعتقده. فكل هؤلاء كما قال المؤلف رحمه الله تعالى على خطر عظيم، بل هم من أهل الشرك. فالأول من شرك الكفر، والإباء، والثاني من شرك النفاق. ومسألة الخوف، ما الخوف؟ هذا قد وقعت في زمن المؤلف رحمه الله، كان هناك أمير لمنطقة عيينة، طبعا كانت الجزيرة العربية تحت أمراء قبائل، وأمراء. فكان أمير منطقة عيينة في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، كان على متابعة لدعوة التوحيد، كان على متابعة لدعوة التوحيد. فجاءه أمر من أمير الإحساء، جاء أمر من أمير الإحساء: «أنك إن وافقت محمد بن عبد الوهاب على دعوته، فسأقطع عنك الخراج»، أي المال، كان يعطيه أموالا يعطيه، ويغدق عليه بالمال: «أنك إن وافقته سأقطع عنك الخراج». فماذا فعل؟ اختار الدنيا، اختار الدنيا، فعاد، وعاد الشيخ محمد، وعاد العدا، ولو يعلم بأن دعوة الشيخ هي الدعوة الصحيحة، بأن دعوة الشيخ هي الدعوة الصحيحة، لكنه ماذا؟ الخوف، خوف النقص، وخوف ماذا؟ المدارة. ولهذا قال: «وهذه مسألة مسألة كبيرة، طويلة، تتبين لك إذا تأملت في ألسنة الناس». ترى من يعرف، ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة. ومثله ما وقع لمن لهرقل العظيم الروم، ما جاء في البخاري، عندما سأل، وتحرى عن نبينا عليه الصلاة والسلام، سأل، وتحرى عن نبينا عليه الصلاة والسلام، علم بما عنده من الكتب المقدسة، ومن النبوة: أن هذا هو نبي الأمة. فماذا فعل؟ فدعا قومه في دسكرة، في قصره، أمر الكبراء، وجمع التجار، والوجهاء، وأهل النفوذ، وأمر بعد ذلك بعد إدخالهم، أمر بإغلاق الأبواب عليهم، وعليها الحراس. ثم قام خطيبا بين قومه، قال: «يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم؟ فتبايعوا هذا النبي». فتبايعوا هذا النبي، يعني فاجأهم بمفاجأة، كما يعبر عنها بالعيار الثقيل، ما توقعوها: «تريدون الشرف، تريدون السيادة، نبايع هذا النبي الذي خرج نبي العرب». قالوا: «فحاصوا حيصة حمر، غضبوا غضبا شديدا، كشعبة»، وأرادوا أن يخرجوا من الأبواب، مثل حالة الشغب، وأرادوا أن يخرجوا من الأبواب كرها، وصياحا، وصخطة، لما سمعوا من أميرهم. فوجدوا الأبواب مغلقة، فأمر الأمير بإرجاعهم: «أرجعوهم»، فرجعوا. ثم قام فيهم مرة أخرى، قال: «يا قوم، يا معشر الروم، إنما قلت ما قلت آنفا لأختبر شدتكم على دينكم، لا، لا تتظنون أني دعوتكم لاتباع النبي، لا، أنا هذا اختبار، هذا اختبار لأختبر كيف أنتم، كيف أنتم مع دينكم؟ إنما دعوتكم لأختبر شدتكم على دينكم». فاراضوا عنه، فسجدوا له. ويعلم حتى أنه لما أجرى حوارا مع أبي سفيان، قال: «يا أبا سفيان، إن كنت ما تقول حقا، فإنه سيملك موضع قدمي هاتين». عنده معلومات على أن هذا النبي هو الذي قد بشر، ويأتي بنبي بعد اسمه أحمد، هذا بشارة عيسى، بشارة عيسى لخروج نبينا. سيهرق، قد علم بصفات نبينا، لكن ما الذي جعله ويستمر على كفره؟ الجاه، والمنصب، الجاه، والمنصب. فأحيانا تجد أن الإنسان يتنازل عن دينه، ويستمر على كفره من أجل ماذا؟ رضى الناس، وهذا كثير - الأسف - قال: «ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله». أولاهما ما تقدم من قوله: «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح، واللعب، واللعب، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به... إلى آخر كلامه. وهذه مسألة نرجو الكلام عنها - بإذن الله - في درس غد؛ لأنها تحتها مباحث، ومسائل. وإن شاء الله نكون الغد - بإذن الله - قد انتهينا من الرسالة، إذا أطال الله في الأعمار إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.