الدرس في شرح كشف الشبهات 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش المقطع شبهة حول جواز الاستغاثة بغير الله مستدلاً بقصة إبراهيم عليه السلام، ويبين ضعف هذه الشبهة وردود العلماء عليها. يُظهر أن الحديث المذكور في القصة لا يصح ومخالف للصحيح من دعاء إبراهيم لله تعالى.
يُناقش أهمية تعليق الأمور بمشيئة الله في الحياة العلمية والعملية، ويُشير إلى أنها عادة تربوية شرعية تعين على إتمام الأمور. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم والأحاديث النبوية.
يشرح أهمية التوحيد وارتباطه بالقلب واللسان والعمل، ويبين أن التوحيد لا يكتمل بدون هذه العناصر الثلاثة. يستدل على ذلك بالأدلة الشرعية وشرح الشروط اللازمة لتحقيق التوحيد.
يشرح العلاقة بين الإسلام والإيمان، ويبين أن كلاهما يحتاج إلى الآخر. كما يشير إلى أن التوحيد يحتاج إلى ظاهر وباطن، وأن العلم بالتوحيد دون العمل به لا يكفي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ولهم شبهة أخرى. انتهينا من ذكر الشبهة الأخيرة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى حول ما يسمى الاستغاثة، استغاثة الخلق والخلائق بالأنبياء يوم القيامة لفصل القضاء. فأهل الشبهات يستدلون على ذلك على جواز الاستغاثة مطلقا. فكان الرد في بيان أن الاستغاثة تنقسم. لا نطق الحكم، نقول: إن الاستغاثة كلها شرك. لا، هناك استغاثة شركية، وهناك استغاثة جائزة بنص القرآن في قصة موسى. فالاستغاثة الجائزة لها شروط. إن توفرت شروطها، فنحن نقول بها: أن يكون من حي حاضر إلى آخر، وذلك. وهذا قد توفرت في مسألة الشفاعة الكبرى، إذ أن الأنبياء، إذ أن الناس يتوجهون إلى الأنبياء في أمر يرون أنهم قادرون عليه، وهي الشفاعة. لكن هناك مانع، وهو أن الأنبياء يرون أن هذا ليس مقامهم، بل في بعض الروايات: إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قط مثله، ولن يغضب بعده مثله. يعني هذا الغضب ما نتجاسر عليه غضب الله، هذا ما نتجاسر أن نتقدم بين يديه الآن. اذهبوا إلى غيري، فكلهم يستعظمون هذا المقام. فقط هذا العذر، وإلى الأصل أنهم بإمكانهم يدعون الله عز وجل، ويستغيثون الله، ويستشفعون لشعوبهم، إلا هذا اليوم، لا هذا اليوم، وضعه آخر، ثم يأتي الدور على رسول الله. فالاستدلال بهذه الشبهة لا يتأتى لما ذكرنا، أن هذه من الاستغاثة الجائزة، ومثل ما مثل المؤلف: مثل الرجل يأتي إلى آخر يطلب منه الدعاء، يطلب منه الدعاء. فذكرنا المسألة هذه الخلافية، وأرى العلماء فيها، لكن في الجملة هي جائزة. قال رحمه الله تعالى: ولهم شبهة أخرى، قال: وهي قصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار اعترض له جبريل عليه السلام في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم. إبراهيم، هذه القصة مشهورة، يذكرها أهل التفاسير، وهكذا أهل التواريخ في قصة رمي إبراهيم عليه السلام بالمنجنيق إلى النار. أن قومه الصابئة بنوا نارا كبيرة جدا، وعدوا له العدة لعظم هذه النار، الناس ما استطاعوا أن يقربوها من شدة النار. فماذا فعلوا؟ فأتوا بالمنجنيق، المنجنيق آلة يرمى بها يرمى بها الشيء عن بعد، فصنعوا ذلك لإبراهيم عليه السلام، وضعوا في المنجنيق، ثم رموه. ولهذا قال: في الهواء، في الهواء، أي أثناء رمي في الهواء بالمنجنيق. هنا القصة تقول: أن لما طار إبراهيم في الهواء اعترضه جبريل عليه السلام، وعرض عليه الغوث والإغاثة، قال: هل لك من حاجة؟ فقالوا إبراهيم: أما إليك فلا، أما إليك فلا، ما أنا بحاجة إليه. ثم قال: فيه تثبت الحياة، وأما من الله، وأما من الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي. فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي، أي أن الله عز وجل يعلم بوضعي الآن، وهذا كافي لي، هذا كافي لي، ما أنا بحاجة إليه، أسأل الله، يكفي علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. قال مؤلف رحمه الله تعالى: فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى. طيب، المؤلف رحمه الله تعالى باشر الرد، وكأنه رحمه الله تعالى ما أراد أن يستطرد في مسألة صحة الحديث، ولا غير ذلك. وإلا فإن هذا الحديث لا يصح أساسا، لا يصح أساسا، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: ليس له إسناد معروف. وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لا أصل له، لا أصل له. مع أن الحديث مشهور، له شهرة، دائما القوم يدندنون به: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. وحكم عليه بعض بأنه باطل، ما صح، ليس له إسناد، وليس له إسناد معروف عند أهل الاقتصاص. زد على ذلكم أن هذا الحديث مخالف لما ثبت في الصحيح. أن هذا الحديث مخالف لما ثبت في الصحيح، فقد جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن حسبنا الله ونعم الوكيل، قد قالها إذا ألقي في النار. قد جاء في الصحيح من حديث ابن عباس: أن حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام عندما ألقي في النار، توجه إلى الله، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. هذا هو التوكل، فإبراهيم دعا، دعا الله، والتجأ إلى الله. الرد الثالث: أن هذا الحديث المشهور عند العامة له مسلك تربوي فاسد، له مسلك تربوي فاسد. وما هذا المسلك؟ ترك الدعاء، مفاده ترك الدعاء. علمه بحالي يغنيه عن سؤالي، بمعنى: أنه ما في داعي أني أسأل الله، لماذا؟ لأن الله عالم بأحوالنا، إذن إذا أردنا أن نقتفي أثر إبراهيم، ماذا سنفعل؟ ما في داعي للسؤال، الله عالم بأني عقيم، ما عندي ولد، إذا ليش أسأل الله؟ الله عالم بأني فقير، معدم، ليش أسأل الله؟ عالم بحالي، الله عالم بأني مصاب بكربة، بمرض، لماذا أسأل الله؟ أكتفي بهذه العبارة: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي، ما في داعي أني أسأل الله لهذا. كما قلنا: هذا الأثر الذي اشتهر عند العام، له مسلك تربوي فاسد. والأصل أن الإنسان، بل بالعكس، يلح على الله، وإن الله يحب من عباده الملحين عليه في الدعاء، أكثر من التضرع في الشدة، وفي الرخاء، وفي السراء والضراء، وجب لهذا. فهذا الحديث، كما قلنا: هذه الردود سريعة. رد الأول: على أن هذا الحديث باطل، لا أصل له. زد على ذلك: أن هذه القصة مخالفة لما جاء في الصحيح: أن إبراهيم سأل، ودعا الله، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وثالثا: أن هذه القصة لها مسلك تربوي فاسد، وهو الاستغناء عن الدعاء. نأتي الآن للرد الرابع، والذي أورده المؤلف ها هنا. قال رحمه الله تعالى: فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى. فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه. فإنه كما قال تعالى: فيه شديد القوى. فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم، وما حوله من الأرض والجبال، ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل. ولو أمره أن يصنع، أن يضع إبراهيم عليه السلام في مكان بعيد عنهم لفعل. ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلا محتاجا، فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهب له شيئا، أن يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. أن يرد على هذه الشبهة بما مر معنا، وهي مسألة الاستغاثة، وأنها تنقسم إلى قسمين. هذا لابد، القسمة هنا لابد. أحيانا بعض أهل البدع يشوش على العام بمثل هذه القسمة، مثل مسألة البدعة. إذا أنكرنا على المبتدعة مسألة البدعة، قال: إيش بدعة؟ بدعة، إيش المكروفون بدعة؟ لأنها جديد، إيش السماعات بدعة؟ لأنها جديدة، الساعات بدعة. يا جماعة، قالوا: الهلس والكذب والدجل. البدعة بدعتان: بدعة في الدين، وبدعة في الدنيا. ما تكلمنا في البدعة الدنيوية قط، ما تكلمنا، وما تحدثنا عنها، لا من قريب، ولا من بعيد. من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد. هذا حديثنا في الدين. وهكذا يقول في مسألة الاستغاثة: إذا منعنا من الاستغاثة، ورميناها بالشرك. إن باروا علينا بمثل هذه الأدلة، وهذا ليس بهذا الباب. لماذا؟ لأن الاستغاثة هنا، إن كانت من الاستغاثة. مع أن هنا، هنا إنما وضع الإغاثة، جاء جبريل بإغاثة، هل أعينك؟ هل أغيثك؟ نقولها: هل أغيثك؟ على صحة القصة، لا على صحتها. فجبريل عليه السلام عرض على إبراهيم شيئا هو يقدر عليه، وقد ذكرنا أن الاستغاثة الشركية: أنك تستغيث في مخلوق لا يقدر عليه. ما هو الجواب؟ لا يقدر عليه المخلوق، أو لا يقدر عليه إلا الله؟ الأفضل: هذا لا يقدر عليه إلا الله، هذا الضابط للاستغاثة الشركية، هذا الاستغاثة الذي لا يجوز. فجبريل هنا عليه السلام عرض شيء هو قادر عليه، بما آتاه الله من قدرة. فهو يطير في السماء، وله ستمائة جناح، وهو قوي، قوي جدا، من أقوى خلق الله، أوجد الله. فهو قادر على أن يرفع إبراهيم إلى السماء، قادر أن يطفئ النار، يطفئها، يطفئ النار، كأن لم تكن، لا شيء. لكن جبريل، لكن إبراهيم ماذا أبى؟ على صحة القصة، إلا أن إبراهيم عليه السلام أبى أن يستعين بأحد من خلق الله، ما أراد شيئا. وكما مثل إمام رحمه الله: برجل عنده ماذا؟ عنده مال، فوجد فقيرا في المسجد، فقال: تعال يا أخي، مسك هذا، قال: إيش هذا؟ هذا مبلغ عشرين ألفا. قال: لا، لا، ما أنا بحاجة، يا أخي، خذه، هذا لك، استنفع به، لك ولأولادك. قال: لا، لا، ما أنا بحاجة. هل في هذا الشيء؟ فهذا غني يغيث بشيء يقدر عليه، هذا من قدراته. وهكذا جبريل عليه السلام عرض على إبراهيم شيئا من قدراته، قادر. هل لك من حاجة؟ فقال إبراهيم: لا، ما أريد، لك شيئا منك، لا. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: ويصبر حتى يأتيه له برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك، لو كانوا يفقهون؟ فأين هذا من ذاك؟ أين هذا من ذاك؟ فهذا بعيد كل البعد. فالحاصل، أخواني في الله: أن الاستغاثة بقصة إبراهيم، على فرض صحتها، وإلا لا تصح، لا أصل لها، فإنها باطلة. على صحتها، فإنها مردودة. زد على ذلك: أن إن صحت، فإن من الاستغاثة الجائزة الشرعية، التي ليس فيها شرك، لا من قريب، ولا من بعيد. قال رحمه الله تعالى: ولنختم الكلام إن شاء تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدا. قال: إن شاء تعالى، تعليق الأمور بما شئت الله، من المسارك التربوية الشرعية. من المسارك التربوية الشرعية، على أن الإنسان إذا أراد أن يعلق أمرا ما، فليعلقه بما شئت الله. أنا سأذهب بإذن الله، ما رأيكم؟ نذهب غدا بإذن الله، إذا شاء الله. هذه من المسارك التربوية الشرعية. بل إن من أهل العلم من أوصلها إلى حد الوجوب، من أهل العلم من أوصلها إلى حد الوجوب، واجب، واجب عليك. قال: وهذا في الأشياء التي أنت تعزم عليها بالتأكيد، عازم عليها، تأكيدا جزما، هنا من أهل العلم من قال: حكم مشيئة الله، التعليق، واجب. ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله. علق ذلك بالمشيئة، علق ذلك بالمشيئة. ويتأكد ذلك جدا عند القسم: والله، والله لأذهبا إلى المكان الفلاني، قل: إن شاء الله، قل: إن شاء الله. هنا قالوا: يتأكد التعلق إذا كان هناك قسم، وأيمان. وما سوى ذلك على الاستحباب، على الاستحباب. وهنا في قول مؤلف رحمه الله: لنختم الكلام إن شاء الله تعالى، دل على أن مشيئة الله تذكر كذلك في المسائل العلمية، في المسائل العلمية. أنت تحاضر، أنت تخطب، أنت تؤلف في المسائل العلمية. لا تظن أنها في منأة عن هذا الحكم الشرعي، كما صار عن المؤلف. المؤلف هنا في خضم تأليف رسالة، ومع ذلك علق مبحثه الذي سيذكره الآن بمشيئة الله. قالوا: نختم الكلام إن شاء الله تعالى. فدل ذلكم على أنك تذكر هذه المشيئة، تذكر هذه المشيئة. فإن هذه المشيئة فيها بركة، فيها معينة، معينة على إتمام الأمر، ومعينة على إتمام الأمر. وتعلق الأمر ليس على قدرتك، بل على قدرة الله. إذا شاء الله، ترجع الأمر الذي ستقدم عليه على مشيئة، وسيعينك الله، وسيعينك الله. وأذكر أن بعض أهل العلم، رحمه الله تعالى، نبأ على أمر يقع فيه بعض أهل العلم، وهو أنهم لربما نسوا، نسوا أن يذكروا مشيئة الله في مثل هذه المسألة العلمية. مثلا: الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، في فتح الباري، من يقرأ في فتح الباري، هذه الموسوعة العلمية الضخمة، تمر عليك مسائل، ثم يقول: يقول الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: يقول: وسيأتي لنا مبحث مطول، وسيأتي، وسيأتي، يعلق المسائل على مباحث ستأتي في أحاديث قادمة، وسيأتي بحث في هذه المسألة، وسيأتي. هنا لا يذكر المشيئة، لا يقول: إن شاء الله. ولهذا عثر عليه رحمه الله: أن هذا المسألة ما يوفق في ذكرها، تفوته، تفوته. وخاصة أن فتح الباري: ثلاثين سنة، عمر، عمر، يكتف في هذا الكتاب، موسوعة، بمعنى الكلمة. ولا زال ناس عالة على فتح الباري، وكما قال الشوكاني: لا هجرة بعد الفتح، لا هجرة، يعني: كثرة فيما فيه من العلوم. لكن سبحان الله، الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، في الكثير، بعض المباحث، يعلقها من غير ذكر المشيئة، ثم تأتي أنت يا طالب العلم تريد أن ترجع إلى مظان هذا المبحث، فلا تجده، لا تجده. ما معنى: أن المؤلف فاته أن يستذكر هذا المبحث في وقته، فاته. وذكر هذا كذلك في صاحب الربض المربع، في الفقه الحنبلي، كذلك نفس الكلام، وقع في مواضع: أنه يقول: وسيأتي هذا المبحث معنا، وليعلق الأمر بما شئت الله، فينسى. فهذه كلمة مباركة، كلمة مباركة. فهي هذه المسألة، هذه العبارة، تستفيدها في الحياة العملية، والحياة العلمية. العملية، وعدت فلانا، قل: إن شاء الله، يا فلان، ستأتي، قل: إن شاء الله، سأتي، ما يتضررك شيء، يعينك الله. وكما قلنا: وخاصة في هذه الأوقات، في أوقات التأكيد، هذا الهبوط، أن نذهب، نذهب إن شاء الله، أو عند القسم: والله سأذهب، والله سأفعل، والله سأتيك بكذا، والله. علق الأمر بمشيئة الله، يعينك الله، في الميدان العملي، والميدان العلمي، عند التأليف: ستأتيك المباحث، قل: وإن شاء الله سأتي، هذا المبتوسع. إذا ألفت، أو تكلمت، أو أنك عندك الدرس قادم: وإن شاء الله سيأتي معنا تفصيل في هذه المسألة. فهنا الكلمة مفيدة جدا، وفعل كما فعل المؤلف، قال رحمه الله تعالى: قال: ونختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدا. وهذه المسألة، هذه المسألة، في الحقيقة، هي من تمام الشبه، من تمام الشبه، من تمام الشبه المذكورة التي سلفت. لكن تختلف عن الأخريات بأمر. الشبه السابقة المذكورة هي في الحقيقة شبه علمية، شبه علمية. قالوا: وقلنا، قالوا: كذا، نرد عليهم كذا. شبه علمية، ما مر معنا إلى قصة إبراهيم، وما كان من أمر المنجنيق، هذه من الشبه العلمية، ورده مردود. لكن هذه المسألة هي في الحقيقة عبارة عن شبه عملية واقعية، شبه واقعية عملية. وستعلم المراد منها إذا خضنا فيها، وستعلم المراد منها إذا خضنا فيها. قال رحمه الله تعالى: بمسألة عظيمة مهمة جدا. تفهم مما تقدم، تفهم، دل هذا على أن المؤلف قد أشار إلى هذه المسألة، لكن هل أشار إليها تصريحا؟ الجواب: لا، ما أشار إليها تصريحا، وإنما التلميحا. لأنه قال: تفهم مما تقدم، يعني: المتقارئ، والناظر لرسالة، إذا تمعنها، هذه المسألة قد مرت عليه، المؤلف ما صرح بها، لكن من خلال درج الكلام، يعلم المراد منها. بهذا أن العلم أحيانا يكون بالمنطوق، وأحيانا بالمفهوم. العلم يؤخذ إما بمنطوقه، وإما بمفهومه. المنطوق قد يفهم الناس، لكن المفهوم يكون عند الخواص. ولهذا لما كانت هذه الفائدة جاءت بالمفهوم، وظن المؤلف، وظن المؤلف رحمه الله تعالى: أن أسلوب المفهوم قد لا يفهمه كثير من الناس، اضطر إلى أن يجعل هذا المفهوم منطوقا، أن يجعل هذا المفهوم منطوقا. وظن المفهوم منطوقا، ولهذا قال رحمه الله تعالى: تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام، أي: سيذكرها الآن، سيذكرها الآن، يجعلها نصا واضحا، منطوقا، ملفوظا، مكتوبا. قال: نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها. فدل ذلك على أن المسائل لا تتساوى، المسائل العلمية لا تتساوى. فهناك مسائل تحتاج إلى عناية، إلى زيادة بحث، إلى زيادة استدلال. لو ربما كان المنطوق والمفهوم حاضران في إثبات هذه الفائدة العلمية، المنطوق والمفهوم. لماذا؟ لعظم شأن هذه المسألة، وخطورتها، وأهمية أمرها. لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها. فقال رحمه الله تعالى: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما. لا خلاف، أي: هذا بالاتفاق، هذه مقدمة. قال: لا خلاف أن التوحيد، توحيد الله، لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. مرة معنا، إخواني في الله، لتذكرون في مسائل شرح السنة للبربهاري: أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة له مراتب ثلاث: القول، والعمل، والاعتقاد. اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. والأدلة قد دلت على ذلك. ومن أجمع ذلك: ما جاء في حديث أبي هريرة: أن الإيمان بضع وسبعون شعبا، أعلاها قول لا إله إلا الله، وهذا قول. وأدناها إيماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل. والحياء الشعب من الإيمان، هذا اعتقاد، هذا من عمل القلب، الحياء عمل قلبي. فذكر والإيمان يدخل في الإيمان ماذا؟ الإيمان بالله. يدخل في الإيمان الإيمان بالله، وأعظم الإيمان بالله: توحيد الله. وأعظم الإيمان بالله: توحيد الله. فالتوحيد من الإيمان. فالتوحيد من الإيمان. فالتوحيد من الإيمان. إذا: يحتاج إلى قلب، ولسان، وعمل. قال: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. والأدلة قد دلت على ذلك. قيام التوحيد بالمسائل الثلاثة: لابد أن يكون عقيدة القلب، ولتذكرون مسألة الشهادة، قد ذكرناها في الأصول الثلاثة: أن الشهادة تحتاج إلى ماذا؟ إلى اعتقاد، لابد. لا تظن أن الشهادة عبارة عن قول. ومن تأمل في دل الدالة على مسألة لا إله إلا الله، كثيرا ما تأتي بلفظ الشهادة: من شهد أن لا إله إلا الله، إلا من شهد بالحق، أي: بلا إله إلا الله. وقلنا: أن إيراد الشرع للفظ الشهادة لم يأتي هكذا، لفظ الشهادة لكلمة التوحيد لم يأتي هكذا، بل لمسائل، إذ أن الشهادة ماذا تستلزم؟ تستلزم الكلام، تستلزم الاعتقاد، تستلزم العلم، تستلزم الإخبار. هذا من لوازم الشهادة. فمن لوازم الشهادة أن لا إله إلا الله أن نطق بها، الإخبار بها، من لوازم الشهادة لا إله إلا الله أن نطق بها فقط، تنطق بها، كما قال: من قال لا إله إلا الله، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، لا أدمن القول. وهل هذا القول خاص بك؟ لا، بل تشعر به غيرك، وهو الإخبار. قل: يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن لا نعبد إلا الله، هذا لا إله إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا، فقولوا: اشهدوا، هنا إعلام الغير، الشهادة تستلزم إعلام الغير. هذا الأصل، وهذا هو الواجب، الواجب في الشهادة أن تشهد على الشهادة على الإسلام. إلا إذا جاء هناك ضرورة، كالخوف، هنا يأتي الكتمان، لكن الأصل الإظهار. كذلك الشهادة تستلزم هذا الاعتقاد، الشهادة تستلزم الاعتقاد. إذا جاءك المنافقون، قالوا: نشهد إنك لرسول الله. والله يعلم إنك لرسول الله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. المنافق ماذا يقول؟ يقول: نشهد يا محمد إنك لرسول الله. هل في هذه المشكلة؟ هذا العبارة، لأن أحدا قال: يا أخي، أنا أشهد أن محمدا رسول الله، هذه العبارة صح، ولا غلط؟ صح، ما فيه إشكال فيها. طيب، ماذا قال ربنا عز وجل؟ قال: والله يعلم إن المنافقين لكاذبون. قالوا: أنتم كذبة. طيب، أين وجه التكذيب؟ العبارة صحيحة، ما فيها كذب. يأتيك منافق يقول: أنا أشهد أن محمدا رسول الله، أقولها من أفواههم، والله يقول: أنت كاذب، أين وجه التكذيب؟ في القلب. لأن الشهادة ماذا تستلزم؟ ليس النطق فقط، بس، تلتزم الاعتقاد. الشهادة تستلزم الربط بين العقيدة واللسان. فلما علم الله أن المنافق يأتي بالكلمة دون عقيدة القلب، سماها ربنا كاذب. لا تدعي الشهادة، لا تدعي الشهادة. لأن من أراد أن يشهد، لابد أن يشهد لأمر يعتقده. هنا الربط، هنا الربط بين الشهادة وبين الاعتقاد. الشهادة تفتقر إلى الاعتقاد، وتفتقر كذلك إلى القول، بل وليس قول كما يقولون، بل قول وإخبار، إخبار، وهو الإعلام. وأيضا تفتقر إلى العمل، التوحيد يحتاج إلى عمل، ولابد أن تعمل. ولهذا جعل من شروط لا إله إلا الله: القبول، المنافي للرد، والإنقياد. القبول والإنقياد، هذه من شروط لا إله إلا الله. لا بد أن تعمل بما يقتضيه التوحيد، تعمل بما يقتضيه التوحيد. ولهذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا، لن يكون الرجل مسلما. لأنه ما دخل في التوحيد أصلا، ما دخل في التوحيد. من لم يأتي بهذه الأمور الثلاثة: من لم يأتي بالنطق، من لم يأتي بالاعتقاد، من لم يأتي بالعمل، عمل بهذا التوحيد، بل أتى بما ينافي التوحيد. ما دخل في الإسلام، ما دخل في الإسلام. وبهذا نعلم في الله مسألة ذكرها العلماء: الربط بين الإسلام والإيمان. قد مر معنا دائما: الفرق بين الإسلام والإيمان: أن الإيمان مختص بماذا؟ أعمال القلوب، هذا الأصل في الإيمان. والإسلام في الظاهر: إيمان وإسلام ظاهر، باطل. السؤال: هل الإيمان منفك تماما عن الإسلام؟ الجواب: لا، ليس بمنفك. قد قرر ذاك العلماء: شيخ الإسلام، ابن عطية الحنفي، رحمه الله تعالى: أن الإسلام لابد له من قدر مصحح من الإيمان، حتى يتم الإسلام. يحتاج الإسلام إلى شيء من الإيمان، إلى قدر مصحح، وهو العقيدة، يحتاجها الإسلام. وكذلكم الإيمان لابد أن يحتاج إلى قدر مصحح من الإسلام. لابد. فإذا رجاء رجل يقول: أنا مؤمن، ولا يأتي بشيء من العمل الظاهر، تقول: لا، إله إلا الله، يقول: لا، لا، تقول لي هذا، لا إله إلا الله، هذا عمل ظاهر، هذا يعود إلى الإسلام. أنا مؤمن، ما يتزم بشيء، أنا كل إيماني في قلبي، لا، ما ينفع هذا، ما ينفع. لهذا وجوبا لابد لمن آتى بالإيمان، وهو العمل القلبي، لابد أنه يصاحب هذا العمل القلبي قدر مصحح من الإسلام، شيء من العمل الظاهر، مثل ذلك النطق بلا إله إلا الله. وإن كان عمل ظاهر، لكن لابد يكون به التصحيح لإيماني الذي في قلبه. وهكذا قل: من أتى بالعمل الظاهر، وهو الإسلام، لا يأتي بالظاهر، بل يابد أن يحتاج إلى قدر مصحح من الإيمان، وهو الاعتقاد في قلبه. فلابد من الربط، فلابد من الربط. وهكذا التوحيد، فالتوحيد يحتاج إلى ظاهر، ويحتاج إلى باطن، إلى قدر مصحح من الباطن، وهو الاعتقاد، مع ما كان من الظاهر. فقال رحمه الله تعالى: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما. والآن سيبين المؤلف رحمه الله تعالى ذلكم. قال: فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند، عرف التوحيد ولم يعمل به. عرف، عنده علم، عنده علم، عرف التوحيد ولم يعمل به. قال: فهو كافر معاند، كفرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه حق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا، إلى آخره. وهذا سيأتي معنا، هذا سيأتي معنا إلى أحوال أهل الكفر ممن يكفرون أمام قضية التوحيد. إما أناس يكفرون بعد العلم، وإما أناس يكفرون قبل العلم. في أحد يكفر؟ نعم، هناك أناس يكفرون، وما قد وصلهم العلم، وهناك أناس كفروا بعد وصول العلم. وهذا سيأتي إن شاء الله معنا في درس غد. لأنها كما قال المؤلف: وهذه مسألة مهمة جدا، هذه مسألة ليست علمية، بل هذه عملية. وهذا كما أشرنا إليه، الذي أراد المؤلف أن يبين في كيفية التعامل الناس في قضية التوحيد. وسيأتي هذا معنا إن شاء الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.