التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 128

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 128

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 128، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة وتفسير ابن السعدي لأصحاب الأخدود

يستعرض المقطع تفسير الإمام ابن السعدي لآيات سورة البروج مبيناً معنى كلمة (قُتِلَ) بالدعاء بالهلاك على الكفار، وينقل أقوال المفسرين في هوية أصحاب الأخدود وربطهم بقصة الغلام والساحر الواردة في السنة النبوية.

تفاصيل قصة أصحاب الأخدود وعذاب المؤمنين

يسرد المقطع وقائع تعذيب أصحاب الأخدود للمؤمنين بالنار لإكراههم على ترك دينهم، واصفاً قسوة قلوب الكافرين واستمتاعهم بتعذيب المستضعفين، وموضحاً أن ذنب المؤمنين الوحيد كان إيمانهم بالله العزيز الحميد.

عاقبة أصحاب الأخدود ووعد الله للمؤمنين والكافرين

يختم المقطع ببيان عاقبة الذين فتنوا المؤمنين وحرقوهم مؤكداً قدرة الله على الانتقام منهم مع فتح باب التوبة قبل العذاب، ويذكر ثواب المؤمنين بالجنات تجري من تحتها الأنهار، مشيراً إلى فوائد مستفادة من القصة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقراءة الإمام المفسر ابن رحمده الناصر السعدي رحمه الله تعالى لكتابه "قصص القرآن": قصة أصحاب الأخدود. قال الله عز وجل: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾. قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾، قال: هذا دعاء عليهم بالهلاك، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: « قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد »، فالقتل يأتي بمعنى الدعاء، ويأتي بمعنى اللعن، ويأتي بمعنى الهلاك. فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾، أي: أهلك ولعن أصحاب الأخدود. ويراد بالأخدود: الحفر التي تحفر في الأرض، أي: في هذا دعاء على من حفر الأخدود وأضرم فيها النار وامتحن المؤمنين بالوقوع فيها، فهؤلاء غاية في القسوة والظلم، فكان عليهم هذا الدعاء. قال: والأخدود: الحفر التي تحفر في النار... حفر تحفر في النار... تحفر في الأرض، فتوقد فيها النار. قال: وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قوماً كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول في دينهم، أي: الكفار أرادوا من المؤمنين أن يتركوا دينهم الحق وأن يكونوا كافرين، فامتنع المؤمنون من ذلك. هذا قول للمفسرين، وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره عدة أقوال للمفسرين في المراد بأصحاب الأخدود، فقيل: ما ذكره المؤلف، أنهم قوم من الكافرين، وكان بينهم مؤمنون، فأرادوا من المؤمنين أن يتركوا دينهم الحق. وقيل: كان قوم من النصارى كافرين، فأرادوا من المؤمنين الذين آمنوا في زمنهم أن يتركوا دينهم الحق. وقيل: هم من ذكروا في حديث الغلام والساحر، في حديث الغلام والساحر، والقصة معلومة في السنة. فلما أراد الملك الكافر أن يقتل هذا الغلام بشتى الوسائل، تارة بالغرق وتارة بالضرب ونحو ذلك، ولكن الله عز وجل حفظ هذا الغلام من القتل، فأشار هذا الغلام إلى الملك أنه إن أراد قتله يجمع الناس ويأخذ سهماً ويقول: « بسم الله رب الغلام »، ويضرب بهذا السهم، فاجتمع الناس فضرب بهذا السهم وقال: « بسم الله رب الغلام »، فمات الغلام، فآمن الناس، وهذا الذي كان يخافه الملك، هذا الذي كان يخافه الملك الكافر، فغضب، فغضب هذا الملك، وأراد عقوبة من آمن برب هذا الغلام، فحفر لهم الأخدود، فمن أصر على إيمانه رماه في هذه النار، في هذا الأخدود، ومن أجابه إلى الكفر تركه. وقيل أيضاً: أن هذه القصة هي قصة الغلام والساحر، وقيل غير ذلك. وعلى كل، ظاهر القرآن يبين أن هناك قوماً كافرين، وكانوا ذوي قوة وشوكة وغلبة، وكان هناك قوم من المؤمنين، وكانوا مستضعفين، فأراد منهم الكافرون أن يتركوا دينهم، هذا هو ظاهر القرآن، وهو ما ذكره المؤلف هاهنا. قال: فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدوداً في الأرض، وقذفوا فيها النار، أي: أضرموا فيها النار، وقعدوا حولها، قعدوا يعني: بجانبها، وفتنوا المؤمنين وعرضوهم عليها، والمراد بالفتنة هنا: إما أن تترك دينك وتسلم من القتل بهذه النار والحرق بهذه النار، وإما أن تصر على دينك فتلقى في هذه النار، هذه فتنة عظيمة، هذه فتنة عظيمة. فقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، من ترك الحق والدين الحق تركوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار. قال: وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله، لأننا قلنا: قتل بمعنى لعن وأهلك، لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم، فقال: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾، ثم فسر الأخدود بقوله: ﴿ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴾، يعني أنهم أوقدوا في هذه الأخدود النار، ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾، أي: جالسين بجانبها، ينظرون ما يقع من العذاب للمؤمنين، ﴿ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾، وهذا من أعظم... يقول الشيخ المفسر: وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بالله، أو بين الكفر بآيات الله ومعاندتها ومحاربة أهلها، وتعذيبهم بهذا العذاب الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، يعني: ما اكتفوا بإلقائهم في النار دون شهود ودون حضور منهم أبداً، وإنما كأنهم يستمتعون بما يكون من الألم ومن الحرق لهؤلاء المؤمنين، وهذا غاية في التجبر وقساوة القلب، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قال: والحال أنهم ما نقم من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، يعني: يمدح عليها المؤمنون، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد، يعني: ما لهم ذنب في عقوبة المؤمنين بهذه العقوبة إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، ما في هناك ذنب آخر، ليسوا مفسدين في الأرض، ولا قطاع طرق، ولا زناه، ولا مخربون، لا، ما نقم منهم إلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله، ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، أي: خلقاً وعبيداً، ويتصرف فيهم تصرف المالك بملكه، له ملك السماوات والأرض، فهؤلاء المؤمنون ملك لله، وهؤلاء الكافرون ملك لله، فالكل تحت ملك الله عز وجل يتصرف فيهم كيف يشاء، ولذلك لعن الله هؤلاء الكافرين وأهلكهم. قال: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾، أي: علماً وسمعا وبصراً، أن يرى ويعلم ويبصر ما يفعل أولئك الكافرون بالمؤمنين، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله أن يبطش بهم العزيز المقتدر؟ أوما علموا أنهم جميعاً... أنهم جميعاً مماليك لله، ليس لأحد على أحد سلطة من دون إذن الله؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على فعالهم؟ كلا، إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل. هذا كله يبين عظمة قدرة الخالق سبحانه وتعالى، وأنه قادر على أن ينتقم من هؤلاء المتمردين الطغاة المجرمين. قال: ثم وعدهم وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾، ما أرحم ربنا، ربنا سبحانه وتعالى، هؤلاء فعلوا ما فعلوا بالمؤمنين، وارتكبوا هذا الظلم العظيم، ومع هذا يدعوهم ربنا الرحيم إلى التوبة، بمعنى أنهم إذا تابوا تاب الله عز وجل عليهم، مع كفرهم وعنادهم وإجرامهم وقسوة قلوبهم، إذا تابوا تاب الله عليهم، فكيف بالمؤمن الذي يؤمن بالله، والذي يعظم الله، لكن زلت قدمه في معصية ما، أو في ذنب من الذنوب، أليس هو أحق بتوبة علام الغيوب سبحانه وتعالى؟ فما أرحمه من رب، غفور ودود رحيم سبحانه وتعالى. فهو يقول لهؤلاء: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾، الجزاء من جنس العمل، حرقوا المؤمنين في الدنيا بهذه... بنار الدنيا، ونار الدنيا إنما هي جزء من تسعة وتسعين جزءاً من النار، سبحان الله، جزء واحد، فكيف بنار الآخرة؟ فهي أشد حرقاً وأشد ألماً، فالله عز وجل يقول لهم: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾، أي: العذاب الشديد المحرق. قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم، أي: من الله، انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة، وهو يدعوهم إلى التوبة، ثم لم يتوبوا. قال: ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، وهذا معنى من معاني أن القرآن مثاني، يثني بذكر أجر المؤمنين بعد ذكره لعقوبة المجرمين، وذكر غير ذلك في معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾. قال: ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ذلك الفوز الكبير، الذي حصل به الفوز برضى الله ودار كرامته. فهذه خلاصة ما ذكره المؤلف في قصة أصحاب الأخدود، وبهذا نكتفي، وفي الدرس القادم إن شاء الله نأخذ بعض الفوائد التي ذكرها المعلق تحت هذه القصة، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر نانسي قنقر