شرح الأصول الثلاثة 35

شرح الأصول الثلاثة 35

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 35، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح آية النساء ووجوب الهجرة

يشرح المقطع الآية 97 و98 من سورة النساء ويبين دلالتها على وجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. كما يوضح أن الهجرة فريضة على الأمة إلى قيام الساعة.

حكم البقاء في بلاد الكفر

يتناول المقطع حكم البقاء في بلاد الكفر ووجوب الهجرة لمن لا يستطيع إقامة الدين، ويستدل بآيات القرآن الكريم وأقوال العلماء. يُبين أن الهجرة واجبة لمن عجز عن إظهار دينه.

فوائد الهجرة ومشروعيتها

الهجرة إلى بلاد المسلمين تجمع كلمة المسلمين وتكثر سوادهم وتقوي شوكتهم وتسهل تربية الأسرة في بيئة إسلامية. كما أن الهجرة تبقى مشروعية إلى قيام الساعة لمن استطاع إليها سبيلا.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضعًا واعترافًا بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا في درس أمس، إخواني في الله، مع قول المؤلف رحمه الله تعالى، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة، والهجرة والانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة. وأمر بمعنى ما يتعلق بهذه الفقرات من تعريف ما معنى الهجرة، وما هي ضابط بلاد الإسلام وضابط بلاد الكفر، وما يتعلق بأنها باقية إلى قيام الساعة. ثم المؤلف رحمه الله تعالى، كالعادة، بعدما يقرر المسألة يأتي بدليلها، فقال رحمه الله تعالى: والدليل أي على أن الهجرة فريضة، وأنها باقية إلى قيام الساعة. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورًا﴾. هذه الآية، أخواني في الله، فيها دلالة لما أراد المؤلف، وكذلك فيها عدة مسائل. أولًا، في قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾، هنا ذكر ربنا جل وعلا الملائكة بصيغة الجمع، ما معنى الذي يتوفى الأنفس هو ملك واحد، ألا وهو ملك الموت، كما في قول ربنا جل وعلا: ﴿يتوفاكم ملك الموت﴾، فهو ملك واحد. فكيف هنا جمع بقول سبحانه وتعالى: ﴿الملائكة﴾؟ قال علماء: هذا يحمل على محملين، المحمل الأول: أن هذا جائز في لغة العرب، بأنهم يطلقون على الفرد صيغة الجمع، يطلقون على الواحد صيغة الجمع، وهو ملك واحد، لكن يجوز في اللغة أن يقال ملائكة، من باب التعظيم. والقول الثاني: أن المقصود بالملائكة هنا أي ملك الموت مع أعوانه، وهذا واضح من تأمل في السيرة أو في السنة الصحيحة، يعلم أن ملك الموت عندما ينزل في قبض الأرواح ينزل معه من يعينه، من يكون معه الحنوط، ومن يعرج بروحه إلى السماء، فيكون الملائكة هنا المقصود بهم ملك الموت مع من يعينه من الملائكة. قال تعالى: ﴿إن الذين توفاهم﴾، والأصل في الكلمة: تتوفاهم، لكن طلبًا للتخفيف حذفت إحدى التاءين، فأصبحت: توفاهم. ﴿الملائكة ظالمي أنفسهم﴾، هذا حكم من ربنا جل وعلا، فإلا أن الذي ترك الهجرة وما خرج من بلاد الكفر، حكم عليه ربنا جل وعلا بأنه ظالم لنفسه، أي أنه عاصٍ، فاسق، أنه عاصٍ فاسق. فالظالم لنفسه من صيغ المعصية، وأصل الآية: ظالمين لأنفسهم، لكن حذفت النون للإضافة: ظالمي أنفسهم. ﴿قالوا فيما كنتم﴾، الملائكة تسأل هؤلاء الذين جاءتهم المنية وهم صنف من الناس لم يهاجروا مع المسلمين، ﴿قالوا فيما كنتم﴾، أي: على أي حال كنتم؟ ما الذي أبقاكم في دار الكفر؟ لماذا ما هاجرتم؟ على أي حال كنتم؟ ﴿قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾، هؤلاء الذين ما خرجوا من بلاد الكفر وجاءتهم المنية وهم في بلاد الكفر، تعذروا بهذا العذر، ما هو العذر؟ الاستضعاف. لكن سيأتينا أن هذا العذر ليس بصحيح، بل هو دعوى، لم يكونوا أهل استضعاف، بل هو دعوى، لماذا؟ لأنه سيأتي من هم أهل الاستضعاف حقًا في سياق الآية، سيأتي الصنف من المستضعفين حقًا والصدقًا، هؤلاء عذرهم الله. أما هؤلاء لم يكن لهم عذر، وإنما تشبثوا بأي عذر، علّ وعسى أن يخرجوا من العتب ومن توبيخ الملائكة. وهنا فائدة، إخواني في الله، على أن ليس كل عذر يكون ماذا؟ مسوغًا لصاحبه، كحال بعض الناس، تسأل ممن يتخلف عن الصلوات ولا يصلي مع جماعة المسلمين: يا عبد الله، أينما نراك في المسجد؟ يقول: يا أخي، والله أنا مشغول، أنا مشغول. فيقول: يرى أن كلمة "مشغول" عذر، أنها مسوغة، لكن ما هو عذر؟ فلا تظن أن كلمة تتلفظ به من أعذار مسوغ لك، بمثل هؤلاء جلسوا في أرض الكفار لأمر أو لخاصة، لمصلحة خاصة، لأمر أرادوه أو لعذر ليس بالعذر، لكن رأوا أن كلمة استضعاف أنها تخولهم أن تنجيهم من عذاب الله، وليس كذلك. قالوا: ﴿كنا مستضعفين في الأرض﴾، قال علماء: هذا دعوى، وليس استضعافًا حقيقيًا. ﴿قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، وهذا يسميه العلماء باستفهام إنكاري، استفهام إنكاري، وضابط الاستفهام الإنكاري: أن يكون بعد الاستفهام باطل، أن يكون بعد الاستفهام باطل. باطل: لم تكن أرض الله واسعة، هذا باطل، إذن يكون استفهام هنا إنكاري. قالوا: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، وهذا الحق، أرض الله واسعة، من ذا الذي ضيق على عباد الله؟ ما أحد ضيق الأرض، أرض الله شرقًا، جنوبًا، شمالًا، لك يا عبد أن تذهب إلى أي بقعة من بقاع الأرض، فتتعبد الله جل وعلا فيها. فقالوا: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾، وهذا التوبيخ وهذا الوعيد الشديد، كما قال علماء: دليل على أن الهجرة من بلاد الكفر من أعظم الواجبات، وأن ترك الهجرة من أعظم المحرمات، بل هي في عداد الكبائر، لهذا الوعيد الشديد. قالوا: ﴿مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾، لكن هذا لا يخرجهم عن ملة الإسلام، وهم من عصاة المسلمين. ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾، الآن يأتي العذر الحقيقي الذي يعذر، يوجد أناس قد يبقوا في أرض الكفار لاستضعاف حقيقي، فهؤلاء يعذرهم ربنا جل وعلا. ما جعل ربنا علينا في الدين من حرج، قال: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾، والولدان: جمع ولد أو وليدة، وهو الغلام الذي لم يحتلم، أي: الصغار، فهؤلاء قد عذرهم ربنا جل وعلا. ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا﴾، لا يستطيعون حيلة: ما عندهم قدرة، ما عندهم قدرة على الخروج. ما يستطيعون، في أسر، في محبس، قد وثقوا بالحبال، كما يقع، أو أنهم لا يهتدون سبيلًا، ما عندهم من يدلهم إلى أراضي الإسلام، ما يعرف أين سيذهب. رجل يقع في بعض الأنحاء إذا خرج عن حدود بلده، وهذا الآية كانت في أهل مكة، إذا خرج عن مكة ضاع، ليست تلكم الأراضي كهذه الأيام، أراضينا إذا خرجت تجد المعالم، تجد اللافتات، تجد الإشارات، تجد الشارع يجرك ويدلك على أن هناك قرية ستأتيك. هناك ما كان هناك صحار، عبارة عن رمال في الأرض، وسماء في العلاء، ما هناك ما يهديك، فالواحد إذا خرج إلى الصحراء تاه وضاع ومات، فكيف يخرج؟ فهذا لا يخرج، ما عنده دليل يدله، ما يعرف أين الطريق، هذه مهلكة، فهذا لا يهاجر. ومن هنا أنزل علماء مثل هذه الصورة على ما يقع لبعض المسلمين ممن يريد أن يخرج من بلاد الكفر، لكن ما يستطيع، أو ما تطلع تأشيرة للخروج. يحاول أن يخرج، فماذا؟ فيعرقل عليه، وبلاد الكفر أذكياء، إذا علموا أن مسلم سيأخذ بأهله وبأسرته وبعياله إلى بلاد الإسلام، يعرقلون عليه السفر في تأشيرة، في جوازه، في معاملة، فهذا من هذا الصنف، لا يهتدون سبيلًا، ما عنده قدرة للخروج من هذه البلاد. فقال ربنا جل وعلا: ﴿ولا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا﴾، ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورًا﴾. ويقول علماء: عسى في حق الله موجبة، أي أنها واجبة، معنى: عسى الله أن يعفو عنهم، أن الله قد عفى عنهم سبحانه وتعالى، فهذا، وهذا يقول علماء: من باب التكرم وإحسان الرب جل وعلا لعباده. الحاصل، إخواني في الله، فهذه الآية فيها الأحكام والحكم الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين حكم الهجرة، فالمؤلف قال: الآية واضحة الدلالة على أن هؤلاء صنفوا من الناس، وأبقهم ربنا جل وعلا على لسان الملائكة، ووعدهم ربنا جل وعلا بالعذاب الأليم، وبجهنم وساءت مصيرًا، لماذا؟ لهذا الفعل المشين، أنهم بقوا ومكثوا بين أظهر الكفار. إلا أن هذا، إخوان. ينبغي أن يقيد بقيد، وهو أن الهجرة تكون واجبة في حق من كان في بلاد الكفار ولم يستطع على إقامة الدين، هذا قيد مهم، وعلى ذلك أقوال العلماء، جمعًا بالإجماع على أن هذا التحريم البقاء في بلاد الكفر وعدم الهجرة، إنما يتنزل فيمن مكث في بلاد الكفار وعنده القدرة على الخروج، وهو لا يستطيع على إقامة الدين. فهذا واجب أن يخرج، واجب أن يخرج، وأن يلتحق بأي أرض من أراضي أهل الإسلام، حتى يقيم العبودية لله جل وعلا. ما نرى، ما نسمع من بعض أهل الإسلام ممن يبقى في أرض الكفر سنوات عديدة، ومع ذلك ما يصلي لله صلاة، عذره يقول: أنا ما استطيع، أنا محرج، أنا عملي من الصباح من الفجر إلى المساء، جميع الصلوات الخامس تكون في وقت الدوام، وأنا ما أستطيع أبدًا أني أركع وأسجد في معملي. هذا جريمة، ثم بعدين كيف جريمة؟ ما الحكم؟ يعني تترك دين الله سنوات، لا تصلي لله جل وعلا، تترك واجبات الدين، ما يصلي قط، حجته أنه في دوام، والدوام يمنع عليه ماذا؟ الصلاة. فإذا كان الرجل بهذه الصورة، وأعظم من ذلك: الإعلان عن توحيده، وإعلان العقيدة الصحيحة، لا يعلن شيء، لا تفرق بينه وبين الكفار، لا صلاة، لا زكاة، لا صيام، لا صلاة أبدًا. فهذا ذي لا يظهر دينه، يظهر دين الله جل وعلا، فهذا الهجرة في حقه واجبة، وعلى هذا تتنزل الآيات، أن الله توعد أصحاب هذا الصنف بالعذاب الأليم، بالعذاب الأليم. وعليها تتنزل الآيات، كما لحديث المروي عن نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني الكفار»، تبرأ منهم نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقوم ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية، مبينًا هذا القيد، وهذا الشرط، والجماع المدعى في هذه المسألة، قال رحمه الله تعالى: الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، هذا الأمر الأول، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكبًا حرامًا بالإجماع، حرام بالإجماع. وهذا في حق من قدر على الهجرة، والأمر الثاني: ما استطاع على إقامة الدين، تأتي مسألة، طب: من كان عنده قدرة على إقامة الدين؟ يوجد لله الحمد من يعيش في بلاد الكفار ممن يستطيع أن يقيم الدين هناك، المراكز الإسلامية هناك، المساجد هناك، مصليات هناك، أحياء إسلامية، بل قد تظهر كذلك هناك بعض مظاهر المسلمين من السنن في الثياب، المرأة بجلبابها، ورجل بقميصه. قد يقع ذلك كما نسمع في بعض البلدان الكافرة، قد يسمع هذا، فهذا الناس استطاعوا أن يقيموا دينهم، فما الحكم؟ هل يقال بجواز إبقائهم في أرض الكفار؟ يقول علماء: لا، نقل بالإباحة، بل نقول: يبقى حكم الاستحباب، يبقى حكم الاستحباب، الهجرة يستحب في حق هؤلاء كذلك أن يهاجروا من بلاد الكفار، ولو كان مستطيعًا على إقامة الدين فيبقى الحكم، لكن يخفف، بل ما يكون في حقه الوجوب، يكون في حقه الاستحباب. الأفضل، يا عبد الله، أنك تترك بلاد الكفر، وأن تلحق ببلاد المسلمين، هذا الأفضل. والعلل في ذا كثيرة جدًا، منها، يا عبد الله: جمع الكلمة، تجمع كلمة المسلمين، تخيلوا أن أهل الإسلام في جميع البلدان اجتمعوا في بلاد إسلامية، وفي قطر إسلامي، كيف تكون شوكتهم؟ تكونوا أقوى وأقوى. ففيها تكثير السواد لأهل الإسلام، وفيه تقوى لشوكتهم، وفيه كذلك الاستطاعة على أن تربي أسرتك، يا عبد الله، أنت اليوم حي، تفتخر بأنك مقيم لشعائر الدين في بلاد الكفار، لكن ما يريك، يا عبد الله، تأتيك المنية، ثموت، وأهلك في بلاد الكفر، كيف يكون حالهم؟ بس، سمعنا ما هو أفضع من ذلك، من أناس لو ربما هم أحياء، أحياء، وأسرته يتفلتون من بين يديه. تأتي البنت تنحرف قليلًا، إذا انحرف أي شخص ينحرف هناك، يلجج الملاذ، أي شخص ينحرف، وخاصة من المسلمين، إذا انحرف مقدار شبر، فإن لا أقولوا جهات، بل الدولة بأكملها، الدولة بأكملها تحرس هذا المنحرف، وقد حكيت لنا القصص الكثيرة عن بنت لربما طائشة من أهل إسلام، لربما يطيش بها الشباب، فتصاحب الأولاد، وتصاحب الشباب، الشببة من في سنها. فإذا أراد أبوها أن يؤدبها أو أن يهجرها أو أن يزجرها أو أن يضربها، سرعان ما اتصل على التليفون على البوليس، فتأتي الشرطة وتحمي البنت من بطش هذا الأب، يأخذ عليه التعهد: التعهد أنه لا يتعرض لهذه البنت، وهي بنته، لا يتعرض لها بأذى، وهذا في حق البنت، وأما في حق الشباب فحدث ولا حرج. فلا يمكن، وصعب جدًا، ومن عاش يعرف ذلك، صعوبة تربية الأسرة، الأفراد، الأسرة، التربية الصحيحة، وصعب جدًا، لكن عندما تأتي إلى بلاد المسلمين، تجد الراحة، كذلك المعونة من الله جل وعلا، وخاصة مع إخوانك، وبين أناس من دينك وديانتك، يعينوك على تربية الأسرة. كذلك من فوائد الهجرة، ولو كنا في حق الاستحباب، قال: يقول العلماء: الراحة، أنك ترتاح من مناظر المنكر هناك، يا عبد الله، ولو كنت مظهرًا لدينك، لكنك لن تسلم من رؤية الفساد والإفساد، متى ما فتحت عينيك أو حتى أنصت بأذنك، تجد الفساد حولك 24 ساعة، تنظر هنا فساد، تنظر هنا فساد، تحت رأسك فساد، في الأعلى فساد. تسمع هنا فساد، فساد، فساد، طراب، من أول، وكيف أنت؟ أين تعيش؟ أنت تعيش في بؤرة الكفر، في بؤرة الشرك، ما الذي تتوقع منهم؟ ما تتوقع منهم إلا كل مجون، ما يتوقع منهم إلا كل مجون. ومن ذهب لربنا، بل واحد مننا لربنا، إذا ذهب إلى بلد إسلامي، أقول: بلد إسلامي، وإنك فيه نوع تفلت، تجد تتعب من المعيشة هناك. فما ظنك، وهي بلاد إسلام، وفيها شعار الإسلام قائمة، لكن ما ظنك إلى بلاد الكفر؟ هي منبع الكفر، ما الذي ترجو منه؟ ترجو الأفعال، الحركات، الأسوات، كله منكر، في منكر، في منكر، في منكر، إلى أدنى تجمع من تجمعات، من أعلىها تجد المنكرات طافحة. فلا يرتاح بصرك، يا عبد الله، إلا إذا قدمت إلى بلاد الإسلام والمسلمين، يرتاح من هذه المناظر الكريهة. كذلك، يا عبد الله، في وجودك وخروجك من بلاد الكفر، تأمن على نفسك، يكفينا، إخواني في الله، ما نسمع من المذابح والمجازر تقع في بلاد، تقع في الأقليات المسلمة في بلاد الكفر، جماعة مسلمة تكون في بلاد كفار. لكن متى من أراد الكفار أن ينقلبوا على المسلمين، ينقلبوا عليهم، يكفينا ما وقع في سيبيريا في أيام الروس، ما وقع في البوسنة والهرسك في يوغسلافيا، ناهيك عن ما يقع في الفلبين، نقيع في هذه البلاد الكفرية التي فيها أقليات مسلمة، لكن متى ما أراد الكفار أن ينقلبوا، انقلبوا عليهم. وحين حدث، يا عبد الله، ولا حرج عن تلك الحمامات، وعن تلك المجازر التي تقع فيها، استضعاف لعددهم، فالعبد الله يقول: علماء، فالمسلم ولو كان يستطيع على إقامة دينه في بلاد الكفار، يقال له: لا زال حكم الاستحباب في الهجرة، هاجر، يا عبد الله، تقدم، ويعوضك الله عما مضى. ولشيخ الألباني رحمه الله تعالى بحثًا ماتعًا نفيسًا في السلسلة الصحيحة، تكلم عن الهجرة وعن مشروعية الهجرة، ثم بيّن لماذا الناس يبقون في أرض الكفار؟ ذكر أن غالبًا يبقى هناك إما لدنيا، للمتاع، للمال، للترف المادي، هذا الملاحظ هناك. والأمر الثاني، قال رحمه الله تعالى: للجهل، فإن الناس يجهلون حكم هذه المسألة، وقال: وهذا يُعذرون به، بعض يجهل، قال: وخاصة كما ذكر رحمه الله تعالى: بخاصة أن هناك من الدعاة من لا يوضح هذه المسألة، هناك لا يوضح، بل بعض العكس، بل بعضهم يرى أن بقاء المسلم في أرض الكفار أضل لهم من بلاد المسلمين. ثم قام رحمه الله تعالى وساق بعض العبارات لبعض المعاصرين في هذه المسألة، ثم ردعه ردًا قويًا شديدًا متينًا، رحمه الله تعالى، وبين مشروعية الهجرة، وأنها باقية إلى قيام الساعة. ثم الصنف الثالث في الآية: أهل الاستضعاف، من كان مستضعفًا، فهذا يبقى في أرض الكفار حتى يزول عنه المانع. ثبت في البخاري: يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال: «كنت أنا وأمي من المستضعفين في الأرض»، أي: أنه ما هاجر، ما هاجر. قال: «كنت أنا وأمي من المستضعفين في الأرض»، فإذن هل آية أوضحت لنا مراتب الناس؟ بين الوجوب، وذلك في حق من بقي هناك وعنده القدرة، وما استطاع ليقيم دينه. وهناك المعذور، وهو الذي يعذره ربنا جل وعلا، وهذا قاعدة عامة: أن أهل الإعذار يعذرهم الله عز وجل، إذا كانوا عذرًا شرعيًا. والأمر الثاني: وهو أن الحكم ينتقل من وجوب إلى استحباب، في حق من استطاع على الهجرة وعلى إقامة الدين، فيبقى حكم الاستحباب في حقه ثابتًا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.