الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع قاعدة في علم الجرح والتعديل وهي أن الراوي قد يوثق في روايته عن أهل إقليم دون آخر لحفظه عنهم أو لضبطهم عنه، مع ذكر أمثلة مثل إسماعيل بن عياش وزهير بن محمد الخرساني. كما يوضح كيف وقع الالتباس بين راويين يحملان اسم "عبد الرحمن بن يزيد" مما أدى إلى نسبة أحاديث لغير صاحبها واختلاف الأئمة في الحكم على الروايات.
يبيّن المقطع أن الإمام أحمد والبخاري قررا أن زهير بن محمد الذي روى عنه أهل الشام ليس هو زهير بن محمد الخرساني المكي، بل وقع خلط بينهما، ومثل ذلك خلط الدراوردي بين ابني عمر العمري. كما يُشار إلى اختلاف رواية العراقيين عن ابن أبي ذئب عن رواية الحجازيين، ويعزى ذلك إلى الزحام في المواسم واعتماد الرواة على الحفظ دون الكتب.
يذكر المقطع حرص أئمة الحديث كشعبة وأبي زرعة على السفر للحج ولقاء الشيوخ، مبينًا أن نية طلب الحديث مع الحج لا تنقص النية بل تضيف خيرًا. ثم يوضح سبب ضعف بعض الروايات المسموعة في المواسم لكثرة الزحام وعدم تمكن الشيخ من الضبط، مستشهدًا باختلاف سماع عبد الرزاق من سفيان بين اليمن ومكة، واختلاف ضبط معمر باختلاف الشيوخ والأزمنة، محذرًا من الحكم بالضعف المطلق على راوٍ ثقة بسبب طريق واحد مخدوش.
الأصل في رواية معمر عن قتادة أو ثابت أو أيوب القبول والاعتماد، ولا تُرد إلا إذا وقع خلاف أو جاء بمنكر عرفه العلماء، فغالبًا يكون الخلل من هذه الرواية عندئذ.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلى الله عليه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: توثيق الراوي فيما حدث به عن أهل إقليم دون آخر. قال: وذلك لكون الراوي سمع من أهل مصر أو أهل إقليم فحفظ حديثه، وسمع من أهل مصر آخر أو إقليم آخر فلم يحفظ حديثه. قال: من أمثلة ذلك إسماعيل بن عياش الحمصي؛ إذا حدث عن الشامين فحديثه جيد، وإذا حدث عن غيرهم فحديثه منطرد. قال: توثيق رواية الراوي إذا جاء من طريق أهل إقليم دون آخر، وذلك لكون الراوي قد حدث عنه أهل إقليم فحفظوا حديثه، وحدث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه. هذا قد يكون سببًا، وقد يكون سبب آخر كما ذكرنا: أنهم لم يعرفوه، أو أنهم ظنوه شخصًا آخر، كما قلنا. قال الإمام محمد في زهير بن محمد الخرساني، وكذلك أيضًا كما قلنا في عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: فإن الكوفيين رووا عن رجل يسمى عبد الرحمن بن يزيد، وهو تميمي لكنه شامي، فظنوه أنه ابن جابر، وهذا تميمي معتزلي مع القدرية، كانوا قد هربوا لما كان بعض الملوك يطلبهم، فهربوا، فجاء إلى الكوفة، دخل الكوفة، هربوا من الشام إلى الكوفة، فلما جاءوا إلى الكوفة دخل، وكان يحدث، فلما جاءهم أهل حديث وعرفوا أنه رجل من أهل حديث جاءوا عنده، كان يحدثهم، فلما سألوه، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الرحمن بن يزيد الشامي. قالوا: شامي، لكن ليس هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أخو يزيد بن يزيد، ذاك حافظ من حفاظ أهل الشام. فهم ظنوا أنه هو، وهؤلاء أئمة، حفاظ يعرفون مثل هؤلاء العلماء، لكن ما يعرفون الوجه، الوجه شيء آخر، وهم مثل الآن ينظرون إليه مثلًا في مكانه أو في صورته، أما كان قبل فلا ينظرون إليه ولا يعرفونه، يعرفون فقط اسمه، فيأتي مثلًا هذا، قد يكون لأجل التخفي، فقد يكون لأجل التخفي. قالوا: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، لأنهم كما قلنا جاءوا، دخلوا الكوفة وهم هربوا معنا من بعض الأمراء يطلبهم، فلهذا كان يحدثهم، فكانوا يقولون: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. ولكن العجيب أن بعض الكوفيين كان يقول: إن أبا أسامة يعرف أنه عبد الرحمن بن يزيد آخر، ليس هو ابن جابر، وهذا ليس معناهم. بعضهم قالوا: لعل هذا الظن كان من عبد الله بن المبارك، يقول هذا، ولعله ظن، وإلا لو كان يعرف أنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ما قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، لأن هذا يعتبر كذبًا، وحاش أبا أسامة أن يكذب، فهو رجل حافظ كبير، ورجل من أهل العلم وأهل الزهد، لكن قد يكون كما قلنا اشتبه فيه، اشتبه فيه، فكان يروي عنه على أنه ابن جابر. بل حتى حسين بن علي الجعفي فيه أيضًا كذلك، كان يروي عنه أو يروي عنه يظن أنه ابن جابر. كذلك أيضًا رجل آخر منهم اشتبه فيه، ونفسه هذا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ظهر في حديث، في حديث الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، حتى حصل خلاف بين الأئمة، فأبو حاتم يقول: إنهم رووا، لم يروي الحسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ودارقطني يقول: بل قد روى، أن بعضهم يجعله هذا التميمي، وبعضهم يجعله ابن جابر الشامي، فهذا حصل الخلاف في الحديث. طيب، الآن قال: من أمثلتي زهير بن محمد بن سالم الخرساني، ثم المكي، يروي عنه العراق أحاديث مستقيمة، يروي عنه للشام أحاديث منكرة، حتى أن أبا حاتم ضعف زهير بن محمد بسبب هذه الأحاديث. لكن كما قلنا: الظاهر أنه الصحيح في كلام الإمام أحمد أنهم التبس عليهم الأمر، فظنوا أنه زهير بن محمد المكي الخرساني، وإنما هو آخر. فقال الإمام أحمد: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد وكأنه آخر، يعني ليس هو. وهكذا وافق البخاري الإمام أحمد، جزم البخاري على أن زهير بن محمد الذي يروي عنه أهل الشام ليس هو زهير بن محمد الخرساني المكي، وإنما اختلطوا فيه. فهذا يحصل أحيانًا، يحصل للإنسان حتى من أهل منطقة نفسها: الدراوردي كان يخلط بين رواية عبد الله وعبيد الله، يعني رواية عبد الله وعبيد الله ابني عمر العمري، ولا شك أن عبيد الله ثقة وعبد الله ضعيف، فكان يروي عن عبد الله ويظنه عبيد الله، أو أنه اختلطت عليه الأحاديث في الكتاب. لهذا قال النسائي: إن الدراوردي يروي عن عبيد الله أحاديث منكرة، يعني ليست على عادة أحاديث عبيد الله بن عمر، وهو ثقة حافظ فقيه، يعني روايته غالبًا متثبت في الأحاديث، بل كما قال بعض العلماء: لا يكاد يخطئ عبيد الله بن عمر، فكيف تأتي هذه المنكرات في حديثه؟ فإن كان مثلًا هذه المنكرات من أحد، سيكون من الراوي عنه الدراوردي، لكن الدراوردي لا بأس به ثقة، فلهذا قال الإمام النسائي: ظاهر أنه اختلط عليه حديث عبد الله فظنه عبيد الله. وكذلك زهير بن محمد، روى عنه أهل الشام وظنوه أنه زهير بن محمد المكي الخرساني، لأنه لا يعقل أن يأتي رجل مثلًا في مكان ويأتي بأحاديث صحيحة، ويأتي في مكان آخر يروى عنه الناس أحاديث غير صحيحة، إلا أن كان السبب مثلًا إما أنه معه كتب، أو حصل له شيء من التعب في الطريق، أو شيء من هذه الأمور، ممكن، لكن هذا نادرًا يحصل، إلا إذا كان الإنسان يعتمد على كتبه، أما مثل هؤلاء فغالبًا يحدثون من حفظهم، وأيضًا الخطأ الذي يحصل في حديثهم قد يحصل خطأ يسير، أما تكون أكثر الأحاديث منكرة، معنى هذا شيء غريب، فلهذا استقرب الإمام أحمد، ولعل هذا الذي أبداه الإمام أحمد ووافقه البخاري وغيره هو الصحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، وكذلك الحافظ ابن رجب: أن هذا الذي روى عنه هؤلاء يظنونه، يظنونه هذا الخرساني وليس هو، يظنونه الخرساني وليس هو. قال: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب: سماع الحجازيين منه صحيح، وفي حديث العراقيين عنه وهم كبير. وأيضًا الله أعلم من أين هذا ناشئ، أنا أغلط في حديث بعضها العراق، بعض الكوفيين، لكن الله أعلم من أين نشأ هذا الخطأ، هل هو من الشيخ نفسه أو من التلاميذ؟ وأحيانًا كما ذكرنا قبل أن بعض المحدثين لما يذهب إلى مكة والمدينة لا يسمع الشيخ صحيحًا، لكن الحكم العام هنا على العراقيين، يعني العراقيين أهل بغداد والكوفة والبصرة، فهذا حكم عام عليهم، يعني لا يمكن أن يكون كلهم ما استطاع أن يدخل على ابن أبي ذئب، لكن الظاهر هذا حكم ليس على العراقيين كلهم، بل هناك بعض الأحاديث التي اعترف ابن أبي ذئب أنها سمعها منه رجل من البصرة، وهو روح بن القاسم، حتى قال ابن أبي ذئب لبعض العراقيين: قد سمع رجل صاحبكم مني أحاديث، وذكر روح بن القاسم، روح بن القاسم بصري، فمعنى ذلك أن هناك من العلماء من سمع من ابن أبي ذئب أحاديث صحيحة، لكن أراد هؤلاء العلماء بهذا أن هذا حكم أغلبي، مثل ما قال الحاكم: أن أهل الشام إذا رووا عن أهل الحجاز زلقوا، يعني ما يقيمون روايته. وكما قلنا: غالب السبب هذا زحمة الناس في المواسم، وغالب الناس ما يأتون إلى الحجاز إلا لأجل الموسم، غالبهم، حتى الحديث، كما يقول: يضربون عصفورين بحجر، يعني يريدون الحج ويريدون الحديث، فرصة حج وحديث. وبعض العلماء، مثل ما ذكر أبو زرعة الرازي رحمه الله، حتى بكى، قال: لا أعلم الله تقبل مني أو لا، قال: والله ما ذهبت مكانًا إلا لأجل الحديث، قال: حتى الحج، يعني حتى الحج، يعني ما يقول مثلًا أنه نيته الحديث، لا أقصد أنه لما يذهب إلى الحج يقول: سألقى فلانًا وفلانًا هناك، يعني هو يريد هذا، يعني هناك في الحج عندنا سفيان بن عيينة، عندنا فلان، عندنا فلان، فيذكر نفسه بأهل الحديث أنه سيلقى فلانًا، سيلقى فلانًا، ليس المراد أنه يحج لأجل هذا، يعني عند الحج يذكر نفسه أنه فرصة سيلتقي بفلان مثلًا، حتى نحن الآن مثلًا نقول: سنلتقي مثلًا بالشيخ ربيع، سنلتقي بكذا، هذا من باب فقط الزيادة، ولعل هذا يدخل في قول الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾. معنى هذا: الله عز وجل ذكرها فيمن يبيع ويشتري، يعني يقول مثلًا: هذا الرجل يريد الحج، يقول: فرصة حج وأبيع هناك، هذا ما يؤثر في نيته، ممكن يؤثر في أجره، لكن النية لا زالت، وهذا أضاف نية في نية، نية حسنة عظيمة وهي الحج، وأيضًا نية عظيمة وهي الرحلة إلى طلب الحديث، لكن هو فقط خاف من هذا، يعني يقول: أن ما ذهبت مكانًا إلا ونيتي طلب الحديث، وأستغفر الله من ذلك، يعني إن كان هذا نقصًا، فلهذا فأهل الحديث كانوا يذهبون من هنا وهناك، حتى لما حج شعبة قال: حججت لأجل أن ألقى مالكًا، أو أقصد سعد بن إبراهيم، في القصة التي حصلت مع نصر بن حماد، لما ذكر حديث الوضوء، الذكر بعد الوضوء، فقال: فحججت لأجل أن ألقى إبراهيم بن سعد، فلم ألقه، ولقيت مالكًا، فقلت: أين إبراهيم بن سعد؟ قال: لا، هو في المدينة، قال: فذهبت إلى المدينة. فتجد أن العلماء يحرصون على أخذ الحديث إذا وجدوا فرصة، سواء كان في المواسم وغيره، لكن غالبًا أهل الحجاز في المواسم يزدحم عليهم طلبة العلم، وخاصة عند من اشتهر علمه، فلهذا تجد أكثر رواية الناس عنهم ضعيفة، بسبب أنهم ما يأخذون الحديث عن، مثلًا يكون الشيخ منتبه وقت الزحام، ما ينتبه الشيخ، وهو الآن مثلًا يجعلون له كرسي يتكلم والناس عنده، هذا يأخذهم من هنا، هذا يسأل هذا كذا، فصعب مثلًا يجد فرصة أنه يأخذ منه حديثًا، وإنما يتلقف كلمات فقط منه، فيحصل بعد ذلك الضعف في الحديث. وكما تقدم أن عبد الرزاق لما سمع من سفيان في مكة كان سماعه غير السماع الذي في اليمن، في اليمن كان سماعه صحيحًا، في مكة سماعه كان فيه خلط، فيه ضعف، فيه أشياء غير صحيحة. قال: التضعيف: ما حدث به الراوي الثقة عن بعض الشيوخ. الآن خلاصة هذا: أنه توثيق رواية الراوي إذا جاء من طريق دون آخر، معناها ممكن أن يكون هذا بسبب الشيخ، ممكن يكون بسبب الطلبة، ممكن مثلًا لعجل أن الشيخ لم يحضر كتبه، مثل ما فعل معمر، وممكن أيضًا أن يكون مثلًا هذا الطالب سمع من الشيخ وهو صغير، مثل ما حصل من معمر مع أهل البصرة، رواية معمر عن أهل البصرة أكثر وفيها كلام. قال الإمام محمد: فيها شيء حفظه لم يكن صحيحًا، معنا روايته عن أيوب، روايته كذلك عن قتادة، روايته عن ثابت، فروايته عن أكثر البصريين، خاصة هؤلاء الثلاثة، تجد أن فيها خللًا، تجد أن فيها خللًا، والظاهر أنه سمع وهو صغير، وليس معنا ذلك أنه مثلًا إذا رأينا معمرًا عن قتادة نقول: هذا ضعيف، مثل ما يفعله بعضهم الآن، بعض الباحثين يفعل مثل هذا، وهذا خطأ، ليس على طريقة العلماء، الأصل أن رواية معمر صحيحة، لكن حصلت فيها أوهام، إذا حصل مثلًا خلاف في الرواية وكذا نعرف أن معمرًا وهم، وإلا الأصل أننا نمرر هذه الرواية، الأصل أننا نمرر رواية معمر عن قتادة أو عن ثابت أو عن أيوب، إلا إذا حصل الخلاف أو جاء بشيء منكر عرفه العلماء أنه منكر، فغالبًا يكون من هذه الرواية. طيب، علنا نكتفي بهذا، شكرًا.