الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 86، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يُعرّف المحور الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن الغير، مبيناً أنه داء مذموم قد يصيب حتى طلاب العلم. يستدل المتحدث بآيات قرآنية وأحاديث تبرز تحريمه وخطورته الشديدة على الفرد والمجتمع.
يؤكد المحور على ضرورة تجنب الحسد والبغضاء بين طلبة العلم، معتبراً طهارة القلب وسلامة الصدر من أعظم القربات. يستشهد بحديث المخموم القلب ويوجه إلى سؤال الله البركة في ما آتى الآخرين بدلاً من تمني زوالها.
يشرح المحور حقيقة العين وأنها نوعان: حاسدة ومعجبة، وكلاهما قد يضر بالمسلم مستدلاً بقصة عامر بن ربيعة. يبين توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بقول «اللهم بارك» عند الإعجاب كوقاية من أثر العين.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للحضور بالتوفيق والرضا والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة العلمية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا ضمن مجالس هذه الحلية النافعة الطيبة الكلام حول ما ختم به المصنف رحمه الله تعالى من نواقض هذه الحلية التي يجب على طالبي العلم خاصة وعلى المسلم عامة أن يجتنبها. وسبق معنا الكلام حول إفشاء السر، ونقل الكلام من قوم إلى آخرين، والصلفو، واللسانة، وهكذا كثرة المزاح، وهكذا الدخول في حديث بين اثنين. وآخر ما تكلمنا عنه هو الحقد، ثم ذكر أمراً سابعاً ألا وهو الكلام حول الحسد. قال: والحسد، والحسد يا إخوان يعتبر داءً ومرضاً يجب على المسلم أن يبتعد عنه. وقد يكثر الحسد عند الخواص، عند طلاب العلم، وقد يكون عند العباد والزهاد وصفوة المجتمعات، يقع عندهم مثل هذه الأمراض ومثل هذه الذنوب. والحسد كما عرفه غير واحد من أهل العلم: أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن غيره، يتمنى زوال النعمة عن هذا المحسود وتنتقل إليه وهو الحاسد. وهذا يا إخوان من الأمور التي لا تجوز، والحاسد مذموم. من قرأ القرآن وجد ما يدل على ذلك: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وهكذا أخبر الله عن أهل الكتاب حسدهم لهذه الأمة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. حسد هذه الأمة على ما رزقها ربها عز وجل من فضل وخير عظيم، ولهذا ما يهدأ لهم بال حتى نرجع عن ديننا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. فمذاهب الحسد مذمومة: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ولهذا ربنا عز وجل أمرنا بأمر: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، الذي أعطى هذا وهو الله عز وجل قادر على أن يعطيك، فلماذا تعترض على قسمة الله عز وجل وعطائه؟ ومر معنا أن من الآداب الإسلامية ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا». وكم يا إخوان يدخل الشيطان هذا الداء في أوساط طلاب العلم، في أوساط طلاب العلم. طالب العلم قد لا يزني، قد لا يشرب خمراً، قد لا يسرق مالاً، قد لا يفعل شيئاً من هذه الذنوب التي تكثر في أوساط العوام مثلاً، لكن الشيطان يدخل عليه ذنوباً لربما يتساهل فيها: يدخل عليه الحسد، يدخل عليه الرياء، ومحبة السمعة أن يسمع الناس عنه وبه، الشهرة وطلبها ومحبتها. هذه يا إخوان ذنوب قد تكثر في أوساط طلاب العلم، والسعيد من وقاه الله عز وجل شر ذلك، من وقاه الله عز وجل شر ذلك. وكيف يقيه الله شر ذلك؟ يقيه الله شر ذلك بأن يطهر قلبه ويجعل قلبه سليماً من هذه الأمراض والأغيار. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مُخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قال: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الْتَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ». طالب العلم يا إخوان في فترة الطلب يجب أن يعد نفسه لذلك، يحرص على طهارة قلبه وسلامة صدره وتزكية نفسه. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وقد خاب من دساها. وإذا رأى طالب العلم خيراً عند غيره، رأى حفظاً عند زميله، يقول: اللهم بارك، ويسأل الله عز وجل أن يرزقه مثله. رزقه الله صوتاً حسناً، تلاوة جميلة، لا تحسد، وإنما اسأل الله عز وجل من فضله. وهكذا غيرها من الأمور. وكلكم يعلم قصة عامر بن ربيعة مع سهل بن حنيف، لما مر عامر بن ربيعة بسهل وهو يغتسل، وكان شديد بياض البشرة، شديد بياض البشرة. ماذا قال عامر؟ قال: ما رأيت ولا جلد مخبأة كما رأيت اليوم، يعني حتى المرأة التي تختبئ في البيت بعيداً عن أشعة الشمس لكي يبيض لونها وتحسن بشرتها ليست كهذا. ماذا حصل؟ صرع سهل. فأتى الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله، أدرك سهلاً، يعني سهل سيموت. قال: مَنْ تَتَّهِمُونَ؟ الاتهام سيكون على من الذي تكلم، وهو عامر بن ربيعة. قالوا: عامر بن ربيعة. فماذا؟ فسبى النبي صلى الله عليه وسلم من وضوئه على سهل، ثم قال: «عَلَى مَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟». البعض يا إخوان يتساهل عند الطعام، يتأخر واحد، نفسه لا تزال تشتهي الطعام، يقول أحدهم: البعير ما شبع، البعير ما شبع. أي كلمة هذا؟ هذه قد تجعله يسقط في الصحن. بعدين: ما أقصد، والله ما كان قصدي، هكذا العفو منك. ما ينفع، ما ينفع. ولهذا: إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، قال عليه الصلاة والسلام: «فَلْيُبَارِكْ»، أن يدعو له بالبركة. واعلموا أن العين حق، والعين على نوعين: عين حاسدة حاقدة مريضة، وهناك عين أخرى معجبة، وكلاهما تضر. عين معجبة: يعجب الأب بابنته، قل: اللهم بارك على ابنتك. يعجب الزوج بزوجته، يعجب الطالب بأستاذه. ذكر الشيخ سليمان الرحيلي قصة وقعت له: صعد المنبر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جلس، قام أراد أن يخطب، ما استطاع، لسانه لم تستطع أن تنطق. ماذا سيفعل؟ سينزل من على المنبر. جاءه طالب قال: معذرة يا شيخ، أنا كنت معجب، معجبك. فانظر، عين معجبة قد ماذا تؤذي وتضر. إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليبرك. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر