شرح السنة للإمام البربهاري 87

شرح السنة للإمام البربهاري 87

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 87، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين

يتحدث المؤلف عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشير إلى ضوابط التعامل مع السلاطين والأمراء عند انحرافهم. يبين اختلاف الأمة في التعامل مع انحراف الحكام.

منهج أهل السنة في تغيير المنكر

يشرح المقطع منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الحكام ومع تغيير المنكر، ويبين أنه وسط بين الإفراط والتفريط. يشير إلى اختلافهم مع الخوارج والمعتزلة والروافض في هذا الجانب.

التعامل مع المنكر بأدب واحترام

يشرح المقطع منهج أهل السنة في التعامل مع المنكر، حيث ينصح سرًا وليس علانية لتجنب الفتنة. يستدل بقصة أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان.

خاتمة وطلب النفع

ينهي المؤلف كلامه بالإشارة إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويختم بدعاء للنفع بما قيل وبالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى في شرح السنة: «قال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه وعصاه». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه وعصاه. في هذا الفقر إخواني في الله، يتحدث المؤلف رحمه الله تعالى ونبه على مسألة من المسائل العظيمة في دين الله جل وعلا، وهي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي كادت أن تصبح من الشعائر المنسية لدى المسلمين، وهي من أعظم مقامات الدين، بل هي دلالة وعلامة على خيرية الأمة. قال جل في علاه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرف لهذه الأمة المحمدية. قول رحمه الله تعالى: والمعروف هو كل قول أو فعل حسن، فينبغي أن تأمر به يا عبد الله، والمنكر هو كل قول أو فعل قبيح، فهذا حقه أن يستنكر وأن ينهى عنه. قال: «واجب إلا من خفت سيفه وعصاه»، والوجوب كما قال علماء الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره». أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يغير المنكر. وما يتعلق بهذا الموضوع إخواني في الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المواضيع التي تحتها مباحث كثيرة، ما يتعلق بضوابطه وبقواعده وبمراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا شروط وصفات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن حسبنا في هذا المقام إخواني في الله أن نلقي الضوء على عبارة المؤلف الأخيرة في قوله: «إلا من خفت سيفه وعصاه»، فما يتعلق بمن يخاف من سلطته ومن صوله ومن سيفه وعصاه، مثل الأمراء والسلاطين. وهذا مسألة إخواني في الله ينبغي أن ينبه عليها، وخاصة ونحن في هذا الزمان الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وما عرف الناس على ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين والأمراء. الأصل إخواني في الله أن الأمراء والسلاطين هم من البشر، يقع منهم من الفجور ومن العصيان، وهكذا من التعدي للحدود والحرمات التي حرم الله جل وعلا، فهم ليسوا بمعصومين، بل تقع منهم الآفات والمعاصي والذنوب. فكيف يكون موقف المسلم من إزاء انحراف الأمراء والسلاطين؟ الأمة من حيث العموم كانت كفرق إسلامية لها في ذلك مناهج، فذهبت جماعة وفرق من الفرق الإسلامية إلى أن أي انحراف وأي خروج عن الجادة صدر من الراعي أو من الرعية على حد سواء، لابد أن يغير ولابد أن ينكر، ولو أدى ذلك إلى إنكاره بالسيف. وهذا الذي ترأسه الخوارج والمعتزلة، على أن المنكر يغير ولو صدر من الأمراء ومن السلاطين ومن أصحاب الصولة والجولة. الخوارج أمرهم لا يخفاكم، خرجوا على خيرة الصحابة، خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حين زعموا وظنوا أنه قد خرج عن الجادة وخالف الصراط المستقيم. وهكذا المعتزلة، ومن درس في كتب الاعتقاد يسمع بأصولهم الخمسة، وركن الخامس هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقصود به أن كل من وقع في معصية فإنه ينبغي أن يؤدب، ولو كان ذلك بالخروج بالسيف على ولاة الأمور. فرق ثانية على خلاف ذلك، الروافض، فالروافض عندهم أن من تزعم زمام الأمور فهذا تبقى له ولايته وتبقى له عصمته، ولو فعل ما فعل من الفجور. فالروافض عندهم يجعلون لولاة الأمور الصبغة العصمة، وأنهم يفعلون ما يريدون، ولو فعل الأمير ما فعل من الفجور ومن الخروج عن الصراط، فعندهم هذا عادي. وهناك وسط وهو منهج أهل السنة والجماعة، منهج أهل السنة والجماعة ليس من دينهم أنهم يتركون الأمير والسلطان على معاصيه وذنوبه، لا، لابد أن يوجه، وهم بالمقابل لا يرون أن التوجيه يصل إلى هذا الحد، إلى حد سفك الدماء وإثارة الدهماء وإشاعة الفتن. فهم وسط، المنكر يغير لكن بضوابط، وهذا المنهج الوسط هو الذي عليه منهج أهل السنة والجماعة قديما وحديثا. وخاصة ونحن في هذه الأزمان، غالب الناس تأثروا بالفكرة الأولى، وهو أن المنكر يغير ولو كان بالتشهير ولو كان بالتعيير ولو كان بسفك الدماء. فانظروا إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، كيف كانت هذه الطريقة التي سار عليها الخوارج والمعتزلة، وكذلك بعض من تشرب بفكرهم في مثل هذه الأزمان، أن هذا الطرح وهو تغيير المنكر عن طريق التشهير والتعيير هو الذي أدى بالأخير إلى مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه. خرج أولئك الناس وأشاعوا لدى العام والخاص بأن عثمان فعل كذا وترك كذا، حتى هيجوا العامة على عثمان رضي الله تعالى عنه، فتجمع الهمج والرعاع من كل مكان، حتى قام أشقاهم بسفك دم عثمان رضي الله تعالى عنه. ولهذا إخواني في الله، منهج أهل السنة هو المنهج الوسط، هو إذا وجد من أمير أو وجد من سلطان أو وجد من ذي إمارة من الخلل والزلل، فهذا لا يترك، يناصح يوجه، وهذا من مسؤولية العلماء ومن كان له سلطة. ولكن لابد أن يكون ذلك بأدب، وقد جاءت السنة في بعض طرق حديث نبوي بذلك، كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد في مسنده قال عليه الصلاة والسلام: «من كان له نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية، وليأخذ بيده». وفي رواية: «فليبدها سرا». وفي لفظ: «فليأخذ بيده، فإن قبل منه فذاك، وإن لم يقبل فأدى الذي عليه». هذا الأصل، تأخذ بيده، إذا كان عندك توجيه، قل: يا حاكم، يا سلطان، يا أبا فلان، صدر منك كذا من أخذ أموال الناس بالباطل، صدر منك كذا من الأفعال المشينة، هذا لا يرضي الله عز وجل. قال علماء الإسلام: لابد لك من الاحترام، بل حتى من الآداب منع أن تقول له: يا ظالم أو يا سارق، ما يجوز. بل قالوا: لابد من مراعاة الجانب، ولا تستثيره، ولا تستفزه. فالحاصل، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «فليأخذ بيده، فإن قبل منه فذاك، ولله الحمد». أما أنك إذا لم يقبل منك، تذهب إلى رؤوس المنابر وتهيج العامة والقاصي، هذا لا يجوز إخواني في الله، وهذه المفاسد عظيمة. ولا يخفاكم ما وقع في العالم الإسلامي من جراء بعض الجهلة ممن لم يحسن أن يتربى ويتأدب بمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، إذ يرى أن أي منكر صدر هنا أو هناك فساد، يصعد على المنابر ثم يخطب بأعلى صوته: هذا فساد، والدولة تتحمل ذلك، وهذا الأمير الظالم، وهذا السارق. فإذا العامة يخرجون من هذا الجامع ومن ذاك الجامع، وكلهم سخط وكلهم غضب، والكل يود أن يصل إلى هذا الوالي حتى ينتقم. فماذا تتوقع؟ والأدهى من ذلك أن سمعنا في بعض البلدان أن يأتي ذلك الخطيب المفوه ويعلم أن خطبته ستؤدي إلى فتنة في قرية أو في جامعة، فما الذي يفعل؟ يتجهز الخطيب ما شاء يتجهز بالهروب. فيخطب خطبة رنانة هنا، وفي خارج الباب الخارجي معه أدواته ومعه ثيابه، فإذا خطب الخطبة الرنانة، سب وشتم وقذع وتكلم على الأمراء والسلاطين، وهيج العامة. بعض الخطبة يخرج من هذا الباب الخلفي، ثم هروبا إلى الجبال. ويسمع بعد ذلك عن تلك الحملة الشرسة من قبل الإمارة على أهلها، وعلى أهل المسجد بالقبض والسجون. وذاك الصاحب ماذا يفعل؟ الذي نجى بجلده يبقى في رؤوس الجبال ويقول: الحمد لله الذي نجى من القوم الظالمين. هذا غباء والله، هذا غباء، فهذا كثير ما يقع، يهربون ويظنون أنهم أحسن الناس جهادا ودفاعا، لا، هذا جبن، هذا جبن. من كان هذا حاله، فأنت الذي أثرت الدماء، تحملها يا عبد الله. فالحاصل إخواني في الله، هذا كما يقول: منهج السلف ثبت في الصحيح في قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، عندما قيل له: ألا تنصح عثمان؟ ألا تخبره؟ ألا تتكلم عليه؟ فقال: إني والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، وما كنت أفتح بابا للشر. أراد أسامة يقول: أنت ما تظن شيئا، ما أكلمته، بل كلمته، لكن كلمته على وفق منهج السنة، منهج السنة في النصيحة بيني وبينه، يا عثمان، هناك أشياء أتكلم وياه سرا. أما أنا أعلن وأخبر الناس بأن عثمان فعل كذا، هذا سأثير الفتنة. قال: «والله ما كنت أفتح بابا للشر»، لكن فعل الذي عليه، وهو النصيحة بيني وبينه. قال: «إني والله كلمته فيما بيني وبينه». وهذا الوصية الحكيمة والتي دلت عليها السنة، بل كذلك هذا عليه منهج أهل السنة والجماعة. ومن نظر إلى الآداب السلطانية يرى أن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب أن تكون النصيحة بينك وبين أميرك، فإن قبل فذاك، وإلا فأديت الذي عليك. أما أن تثير الفتنة وتفتح بابا للشر على الأمة لا ينغلق أبدا، فهذا تريد أن تنكر منكرا واحدا، إذ بك تقع فيه منكرات أعظم: سفك الدماء، وقتل الأبرياء، وكذلك تسليط أعداء الله على البلاد الإسلامية. هذا كله مما لا يفقه شيء من دين الله جل وعلا. وهذا قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه وعصاه». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.