شرح السنة للإمام البربهاري 89

شرح السنة للإمام البربهاري 89

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 89، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم صلاة الجمعة والجماعة وأدلتها

صلاة الجمعة واجبة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، وأما صلاة الجماعة ففيها نزاع، لكن المحققين يرون وجوبها على كل مسلم قادر. الأدلة من القرآن مثل ﴿وَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وأحاديث نبوية.

حكم تارك صلاة الجمعة والجماعة وتحليل موقفه

من يترك صلاة الجمعة والجماعة بغير عذر يعتبر مبتدعًا، وبعض الفرق مثل الروافض والخوارج يتركونها تعبدًا لمذهبهم، ويعتبر هذا ابتداعًا. يُبين حكم ترك الصلاة خلف أهل السنة.

الأعذار المبيحة لترك صلاة الجمعة والجماعة

يُوضح الأعذار التي تبيح ترك صلاة الجماعة مثل المرض أو الخوف من سلطان ظالم، ويُبين موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسألة، ويفرق بين الأعذار الحقيقية والاحتيال على شرع الله.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع، والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم، وما سوى ذلك فلا عذر له. في هذا الفصل يا إخواني أرشد المؤلف رحمه الله تعالى ونبه على عدة مسائل، المسألة الأولى متعلقة بحكم صلاة الجمعة والجماعة. أما ما يتعلق بصلاة الجمعة، فلا إشكال ولا ريب أن صلاة الجمعة واجبة على الأعيان، وذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. أما من القرآن، فقوله جل في علاه: ﴿وَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فأمر ربنا جل وعلا بالمسارعة والسعي لأداء صلاة الجمعة. وأما من السنة، فالأحاديث في هذا الباب متكاثرة، منها كقوله عليه الصلاة والسلام: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»، فأمر نبينا بأداء الجمعة، وإلا ضرب الله على قلب صاحبه، ودل ذلك على شقاوته. أما الإجماع، فقد ذكر العلماء وتناقلوا الإجماعات في هذا الباب، كما ذكر ذلك ابن المنذر، وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى، بل قال ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: بأن صلاة الجمعة فرض على الأمة، وهذا بالإجماع لا خلاف فيه. هذا ما يتعلق بحكم صلاة الجمعة. أما ما يتعلق بصلاة الجماعة، فالأمر فيه خلاف، والأمر فيه نزاع بين الفقهاء وبين العلماء، هل هي واجبة على الأعيان أم لا؟ وخلاصة الكلام إخواني في الله، في مثل هذه المسألة، والذي عليه المحققون من العلماء من أهل الحديث خاصة، ومن سائر الفقهاء، على أن صلاة الجماعة واجبة، تجب على كل مسلم قادر عاقل بالغ مستطيع، فإن يجب عليه أن يلبي النداء، ودل على الوجوب دلالة القرآن والسنة. ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، وهذا نزل فيما يتعلق بصلاة الخوف، وصلاة الخوف من تأمل في حيثياتها، ومن حيث وقوعها، تخيل شدة البأس والضراء، وما يعانيه الجيش من جراء الحروب، ومع ذلك أمر بأن يصلي ويفعل جماعة. فقال العلماء: إذا كان هذا في حق من كان في حرب، فمن باب أولى وأولى من كان في أرض السلم، فإنه يجب عليه أن يؤدي الجماعة، وهذا قياس من أظهر القياس. وكذلك أحاديث كثيرة دلت على ذلك، كقوله عليه الصلاة والسلام أنه: «ماذا هم على أنه يؤذن للصلاة ويجعل أحدًا من الناس يصلي بالناس، فيذهب نبينا عليه الصلاة والسلام بجماعة من الرجال فيحرق على الناس بيوتهم»، لماذا؟ لأنهم تركوا الجماعة، وهذا الهم وهذا الفعل دلالة على عظم وزرهم عندما فارقوا جماعة المسلمين ولم يصلوا مع أهل الإسلام. وكذلك حديث ذاك الأعمى الذي لم يرخص له نبينا في ترك الجماعة، قال له عليه الصلاة والسلام: «أتسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «إذا فأجب»، فأمره نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أن يلبي النداء وأن يهرع إلى الصلاة وأن يؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين، وهو أعمى، بل كان حجته ليس له قائد يقوده، ومع ذلك ما رخص له نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في ترك الجماعة. فإذا كان في حق من كان من ذوي العاهات وجبت عليه الجماعة، فكذلك من كان من أهل السلامة ومن كان من أهل القوة والصحة والجلدة، فإنه من باب أولى وأجدر وأحرى أن يحرص على تأدية الجماعة. هذا ما يتعلق يا إخواني في الله في حق المسألة الأولى، وهو أداء الجمعة والجماعة. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع، هنا إشكال قد يقول قائل: كيف هذا الذي يعرف في هذا الباب أن ترك الابتداع خاصة إنما في حق من ترك شيئًا أو فعل شيئًا تدينًا وتعبدًا لله، هذا يدخل ويوصف بالابتداع، لكن ترك الجماعة عبارة عن شهوات وفساد المعاصي والذنوب، فكيف سوغ للمؤلف رحمه الله تعالى في أنه يحكم على من ترك الجمعة والجماعة بأنه مبتدع؟ كيف وجه ذلك؟ يقال إخواني في الله: إنه من ربط هذه الفقرة بالفقرات الماضية يظهر له أمر الابتداع، فمثل هذه الفقرة التي بين أيدينا في أن من ترك الجمعة والجماعة يكون مبتدعًا مع الفقرة التي مرت علينا قبلها بفقرات، وفي قوله: «والصلوات الخمس جائزة حول الصلاة خلف المبتدع»، فمن ربط بين الأمرين يظهر للقارئ وجه الرمي المؤلف رحمه الله تعالى المتخلف عن الجمعة والجماعة بأنه مبتدع. ويزيد إضاحًا في هذا الباب عبارة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يوضح هذا المقصود، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وأما الصلاة خلف المبتدع، فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل، وقد مرت هذه معنا، لكن سيأتي الشاهد»، قال رحمه الله: «وأما الصلاة خلف المبتدع، فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة، وإنما تدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا يرى جمعة ولا جماعة»، هذا الشاهد. المبتدعة الذي يرون لا جمعة ولا جماعة قد يتصور من طائفة من الناس أنهم يتركون الجمع والجماعة تدينًا كالمبتدعة وعلى رأس هؤلاء الروافض، وهكذا الخوارج، فهؤلاء يتعبدون الله جل وعلا بترك جمع والجماعات خلف المسلمين، وكل له حجته. فالروافض مثلًا، أي واحد طبعًا هم يرون أن واصلهم أهل السنة أنهم كفار، ولهذا لا يستسيغون ولا يجيزون أن يصلوا خلف أهل السنة، ولهذا لهم مساجدهم الخاصة بهم، وإذا دخل أحدهم مسجدًا ما فوجد أن الإمام السني أو أن الخطيب من أهل السنة لا يصلي خلفه، لا يؤديها لا جمعة ولا جماعة، وهذا مبتدع، وهذا كفعل الروافض. وكان الروافض قديمًا كانوا حتى في بلدانهم وحتى هم بين أنفسهم ما كانوا يؤدون الجمعات خاصة ما يؤدونها؛ لأن كان من عقيدتهم أنهم ينتظرون خروج المهدي، إذا خرج المهدي عليهم حينها ستؤدى الجمعة؛ لأنه يرون أن الجمعة تقام بالإمام الأكبر. ثم مرت عليهم السنوات الطوال وهم على هذا الحال لا يصلون الجمعة، ما يعرفون أبدًا حتى على مذهبهم؛ لأنهم يرون الإمام المهدي تأخر في خروجه، فذهب أئمتهم لما رأوا هذا الفتور قد دب في مذهبهم، وأن الجمعة قد تركت حينها ألزموا الناس مؤخرًا بأداء الجمعة في مساجدهم، فأديت، وإلا ما كان يؤدون الجمعة لهذا المعتقد. ومع ذلك فهم يدعون الجمعة والجماعة، لكن خلف مذهبهم، أما من لم يكن على مذهبهم من أهل السنة، فإنهم لا يصلون خلفهم، فهذا الذي يترك الجمعة والجماعة خلف أهل السنة، فإنهم مبتدعة، وعليه يتنزل قول المؤلف رحمه الله تعالى. وشبه من ذلك الخوارج، الخوارج كذلك لا يصلون الجمعة والجماعة مع المسلمين، ما يصلون لهم حجج في هذا الباب، إما أنهم يرمون المسلمين بالكفر لما يرون من الذنوب والمعاصي، كما يقول أبو نعيم الفضل بن دكين رحمه الله تعالى ويتكلم عن رجل من أهل البدع واسمه إسماعيل بن سميع الخارجي، يقول: «كان جارًا للمسجد أربعين سنة»، أي هذا الرجل الخارجي، قال: «كان جارًا للمسجد أربعين سنة فلم يرَ لا في جمعة ولا جماعة»، لا يرى أربعين سنة جارًا للمسجد ومع ذلك ما خرج يصلي لا جمعة ولا جماعة، لماذا؟ لأنهم كانوا يستعبدون الله بترك الجمعة والجماعات خلف أهل السنة، وهذا هو الابتداع وهذا هو الضلال. ومن هنا كان أهل السنة والجماعة يرمون ويلمزون ويعرفون المبتدعة بهذه الخصلة بترك الجمعة والجماعات، كما فعل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عندما بدع الحسن بن صالح، بدع الحسن بن صالح لأنه كان يترك الجمعة خلف الأئمة. وذكرت قصة في هذا الباب أن الحسن بن صالح أراد أن يدافع عن نفسه، أراد أن يحسن صورته أمام سفيان الثوري، فأرسل رجلًا وهو زافر بن سليمان، أرسله قال: إذا لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري فأقرئه مني السلام، وأخبره بأني على الأمر الأول، فذهب هذا بن سليمان إلى سفيان الثوري وأخبره بسلام الحسن بن صالح وأنه يقرئك السلام ويخبرك بأنه على الأمر الأول، فقال سفيان الثوري: «فما بال الجمعة؟»، علق الذهب، قال: لأن الحسن بن صالح كان لا يصلي الجمعة خلف أئمة الجور، فكان لا يرى صلاة الجمعة خلف أئمة الجور، فكان السفيان يحسب مثل هذه الأفعال ترك الجمعة والجماعة خلف الأئمة أن ذلك من صور البدعة. إذن قول المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب في قوله رحمه الله تعالى قال: «ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع»، يحمل مثل هذا على هذا الصنف من الروافض والخوارج ممن يتعبدون الله بترك الجمعة والجماعة. حتى جماعة التكفير في مثل هذا الأزمان لا يصلون خلف الناس لهم حجة في هذا الباب بحجة أن هذه المساجد مساجد ضرار، أنها مساجد ضرار كما يستدلون بقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، ووجه أنها ضرار تقول: أن هذه المساجد بنيت على أموال الأوقاف والأوقاف من الوزارات التابعة للحكومات والحكومات من الطواغيت على حد فكرهم والتصورهم، هذه تنتهي الطواغيت وكل ما بني على فاسد فهو فاسد، فيرون أن هذه المساجد فاسدة لا يصلي فيها ولا تقم فيها أبدًا، وليترك الجمع والجماعات في هذه الأزمان، وكل ذلك من البدع، كل ذلك من الابتداع في دين الله جل وعلا. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم، وما سوى ذلك فلا عذر له»، المؤلف رحمه الله تعالى يحمل من هذه العبارة على أنه أراد أن يمثل، أراد أن يمثل بالأعذار، فالتمثيل الأول قال: «كمرض لا طاقة له به»، فهذا يحمل على أن الأعذار إما يكون عذر في نفس الشخص، أو يكون هناك عذر طارئ على الشخص مثل سلطان ظالم، فهذا الباب يدخل فيه نماذج، فمثل المثال الأول قال: «كمرض»، فكل ما كان حدث في نفس الشخص وهو مانع من الموانع عن صلاة الجماعة، فإن له أن يتخلف. وقد جاءت السنة تبين بعض الأعذار التي قد تعتري على المرء المسلم فتكون رخصة في ترك الجماعة، من ذلكم إذا كان يدافعه الأخبثان، وكذلك إذا كان ذلك بحضرة الطعام، قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام»، وله يدافعه الأخبثان، أو أنه أكل ثومًا أو بصلًا، لما ثبت في الصحيح من أكل ثومًا أو بصلًا فلا يقربن مصلان هذا. وكذلك الصورة الثانية خوف من سلطان، وهو عذر خارجي، ليس عذر داقري، عذر خارجي، فهناك أعذار قد تحيل بينك وبين الجماعة مثل سلطان جائر، ربما يقطع عليك الطريق فيسفك دمك، هنا تحت صنف تبقى في بيتك ولو صليت في بيتك الجمعة والجماعة، فهذا رخصة، ويدخل في ذلك العدو، ويدخل في ذلك الحيوانات المفترسة، ويدخل في ذلك الأمطار، المناخ التضاريسي كما يسمى، إذا كان هذا المناخ شديد بحيث يمنع عنك الجماعة، لك أن تترخص، ولها ثبت من حديث ابن عمر أن النبي لما نزل الأمطار أمر المؤذن أن يقول: «صلوا في رحالكم»، وألحق العلماء رحمه الله تعالى بهذا الجو ما كان من ذلك التغير الشديد كالرياح الشديدة وهكذا الغبار الشديد أو البرد القارس الشديد، فكل ما كان مانعًا من التخلف فللمسلم أن يتعذر. مع العلم قلنا أن هذه الأعذار إن جاءت طواعية، أما أنك تحتال على شرع الله فهذا لا يجوز، فليس عذرًا، مثل الرجل يرى يتخلف عن الجماعة بغير عذر، فماذا يريد أن يأكل بصلا حتى يتخلف عن الجماعة؟ فهذا ليس من مصوغ، ليس من مصوغ، إنما قال علمان اشتهى بصرا اشتهاه فأكله فبقيت ريحته، فلك أن تتخلف. الشاهد رحمه الله تعالى يحمل أن ما مثل به المؤلف رحمه الله تعالى أراد به ماذا؟ أن يمثل على الأعذار الموجودة في ذات الشخص أو الأعذار الخارجية عن ذاته، فهذا يا إخواني فيما يتعلق في هذه الفقرة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.