شرح فتح المجيد 68

الدرس في شرح فتح المجيد 68، ألقاها

أهمية سؤال أهل العلم في نذر العبادات

يشرح هذا الفصل شرط قبول النذر وجواز الوفاء به، مع التركيز على أهمية سؤال أهل العلم عند الشك في شرعية عبادة ما. يتمحور حول شرح حديث ثابت بن الضحاك.

نذر الاعتكاف وحكم الوفاء به في أماكن الجاهلية

يناقش هذا الفصل حكم نذر الاعتكاف في أماكن ذات خلفية جاهلية، مستندا إلى حديث النبي مع عمر بن الخطاب، ويبين دلالة الحديث على استفصال المفتي والمنع من الوفاء بالنذر في مثل هذه الأماكن.

ترجمة الإمام أبي داود وآراء الفقهاء في نذر المعصية

يقدم هذا الفصل ترجمة للإمام أبي داود، مصنف السنن، ويستعرض آراء الفقهاء حول نذر المعصية وكفارة اليمين، مع الإشارة إلى حادثة بين النبي ورجل نذر أن ينحر إبلا في مكان معين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف -رحمه الله تعالى- قال المصنف -رحمه الله تعالى- عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان جاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما. قال -رحمه الله تعالى-: قوله عن ثابت بن الضحاك، أي ابن خليفة الأشهلي، صحابي مشهور، روى عنه أبو قلابة وغيره، مات سنة أربعين أو ستين. قوله: ببوانة، بضم الباء، وقيل بفتحها، قال البغوي: موضع في أسفل مكة، دون يلملم، قال أبو السعادات: خضبة من وراء ينبع. قوله: «فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» فيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن، ولو بعد زواله. قاله المصنف -رحمه الله تعالى-. وهذا من المسائل التي يبينها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- بعد الأبواب. فالإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ذكر هذا الحديث، وهو حديث ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه وأرضاه-. وكما ترون، فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل: «نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-». وهذا كما مر معنا مرارا، فيه ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاه- من الحرص على العلم والاستفتاء. وأيضا فيه أن الإنسان إذا أراد أن يعمل أو يقوم بعبادة من العبادات أو قربة من القربات، فعليه -إن لم يعلم، إن لم يكن يعلم بشرعيتها- أن يسأل أهل العلم. فإن هذا الرجل نذر أن ينحر إبلا ببوانة، أي أراد أن يتقرب بهذه الذبيحة، وبهذا الإبل يتقرب بها، إذن هي عبادة. ولكن الرجل جعل هذا النذر في مكان ما، فلأجل هذا المعنى سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حكم الإيفاء بهذا النذر. وهذا له نظائر، بمعنى أن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- إذا أرادوا أن يقوموا بعبادة ما، فشكوا -مجرد شك- في هل هذه العبادة مشروعة أم لا، سارعوا إلى سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولم يكتفوا بأن يقولوا: بأنها عبادة، والله -عز وجل- يتقبل؛ بأنها عبادة، والله -جل وعلا- يتقبل، ما دام أننا نتقرب إلى الله -جل وعلا-. وفي هذا إشارة إلى شرطين لقبول العمل، الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وغيره، الاتفاق، وهو: أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين: الأول النية، والثاني أن يكون موافقا لهديه -صلى الله عليه وسلم-. فهذا الرجل من حيث النية قد توفر الشرط في حقه. وأما من حيث المتابعة، فإنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن مشروعية ذلك الفعل. وفيه إشارة إلى هذا المعنى التالي: فإن أذن كان مشروعا، وإن لم يكن مشروعا. وكما سمعتم لهذا نظائر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سأله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- فقال: «يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في البيت الحرام». وقال: إنه نذر في الجاهلية أن يعتكف يوما في البيت الحرام، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فأوف بنذرك». فأوف بنذرك، وهذا كذلك يدلنا على أن الرجل ربما يكون عالما، بل من كبار العلماء، ولا يمنع ذلك أن يسأل عن ما أشكل عليه في دينه. ففيه ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاه- من هذا الأمر. ثم في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» هذا فيه شاهد لإرادة الشيخ -رحمه الله تعالى- لهذا الحديث تحت هذا الباب؛ لإرادة الشيخ -رحمه الله تعالى- لهذا الحديث تحت هذا الباب. لذا قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: فيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن، إذا كان في المكان وثن، ولو بعد زواله. قوله: «قالوا: لا». قوله: «قالوا: لا». فيه إشارة إلى أن السؤال كان متوجهاً إلى مجموعة من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. فقال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» والمراد بالأعياد: كما سيأتي معنا، الأعياد من المعاودة، وهي الأماكن التي صار الناس يعودونها تعبدا وتألهاً. قوله: «أوف بنذرك». وجاء في بعض روايات: «فأوف بنذرك». قال علماء: في قوله: «فأوف بنذرك»، الفاء هنا مترتبة على ما قبلها، على ما قبلها. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ما أذن له بالوفاء بالنذر إلا بعد أن سأله بما سأله. قوله -رحمه الله تعالى-: قوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه المعتاد عائد، إما بعود السنة، وإما بعود الأسبوع، أو الشهر، ونحو ذلك. والمراد به هنا: الاجتماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية. فالعيد يجمع أمورا: منها يوم عائد، كيوم الفطر، ويوم الجمعة. ومنها اجتماع فيه. ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. قوله -رحمه الله تعالى-: والمكان، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتخذوا قبري عيدا». كذلك هذا الحديث في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتخذوا قبري عيدا»، قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مجموعة من الأحاديث. قوله -رحمه الله تعالى-: وفيه استفصال المفتي، والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية، ولو بعد زواله. قلت: وفيه سد الذريعة، وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك، ولو بعد زواله. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وفيه استفصال المفتي. النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال له الرجل: «نذرت أن أذبح أو أن أنحر إبلا ببوانة»، ما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوف بنذرك» مباشرة، بل استفصل منه، وسأل: «لماذا ببوانة؟ لماذا في هذا المكان؟ هل فيها وثن؟ هل هي عيد من أعيادهم؟» قال: «لا»، فقال له: «أوف بنذرك». فهذا فيه استفصال المفتي للمستفتي. قوله -رحمه الله تعالى-: والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية، ولو بعد زواله. والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية. وقوله: «المنع»، لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علق الوفاء بما سأل عنه. قوله: «المنع»، أي: أنه لا يجوز الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية، ولو كان بعد زواله. قوله -رحمه الله تعالى-: قلت: وفيه سد الذريعة. من أي جهة؟ من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد علم أن ذلك الرجل أراد أن يوفي بنذره، وأنه نذر لله -جل وعلا-. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سد للذريعة، منع الفتنة، حتى استفصل. فلما استفصل، وعلم أنه ليس فيه وثن، وليس فيه عيد، أذن بالوفاء بالنذر. قوله -رحمه الله تعالى-: قوله: «أوف بنذرك». هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغيره، أو في محل أعيادهم، معصية؛ لأن قوله: «فأوف بنذرك»، تعقيب للوصف بالحكم بالفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم. فيكون سبب الأمن بالوفاء: خلوه عن هذين الوصفين. قوله -رحمه الله تعالى-: فقوله: «فإنه لا وفاء للندر في معصية الله». دليل على أن هذا نذر معصية؛ لوجود بعض الموانع. وما كان من نذر المعصية، فلا يجوز الوفاء به، بإجماع العلماء. قوله -رحمه الله تعالى-: واختلفوا: هل تقبل فيه كفارة يمين على قولين، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: تقبل، وهو المذهب. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. في حديث عائشة -مرفوعا-: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين». رواه أحمد، وأهل السنن. واحتج به أحمد، وإسحاق. والثاني: لا كفارة عليه. روي ذلك عن مسروق، والشعبي، والشافعي؛ لحديث الباب، ولم يذكر فيه كفارة. وقوابه: أنه ذكر الكفارة في الحديث المتقدم، والمطلق يحمل على المقيد. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «ولا فيما لا يملك ابن آدم». يعني: إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: «إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبد فلان»، ونحو ذلك. فأما إذا التزم في ذمته شيئا، بأن قال: «إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقيقا»، وهو في تلك الحال لا يملكه، ولا قيمته، فإذا شفى الله مريضه، ثبت ذلك في ذمته. قوله -رحمه الله تعالى-: قوله: «رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما». أي: على شرط البخاري ومسلم. والعلماء -رحمهم الله تعالى- يطلقون هذا الإطلاق «على شرطهما» إذا توفر في الحديث شروط، أن يكون الرواة رواة الشيخين، وأن يكون الشيخان قد روا لهؤلاء الرواة على تلك الصورة. قال -رحمه الله تعالى-: وأبو داود: اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأسدي السجستاني، صاحب الإمام أحمد، ومصنف السنن والمراسيل، ثقة إمام، حافظ، من كبار العلماء، مات سنة 275هـ. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على