الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 48، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المرتبة الثانية من مراتب القدر هي مرتبة الكتابة، وقد دلت عليها أدلة من الكتاب والسنة. الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض.
الكتابة في اللوح المحفوظ لا تتغير، بينما الكتابة في صحف الملائكة قابلة للتغيير. الكتابة في صحف الملائكة مستنسخة من اللوح المحفوظ وتشمل محو السيئات وإثبات الحسنات.
توجد مراتب للكتابة ومقاديرها كما وردت في الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وتشمل الكتابة القديمة والعمرية والسنوية واليومية. هذه المرتبة مدعومة بأدلة من السنة النبوية والقرآن الكريم.
يختتم الدرس بالإشارة إلى تتمة المرتبة وما يلحقها من مباحث في الدرس اللاحق. الدرس ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاهم. بعد قد كان آخر الكلام في ذكر المرتبة الأولى من مراتب القدر، وهي مرتبة العلم، وذكرنا معناها وأدلتها في كتاب الله جل وعلا، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وذكرنا أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا علما قديما، علما أزليا، وعلما يتجدد، خلافا لأهل البدع الذين لا يثبتون لله جل وعلا إلا علما قديما، علما أزليا فقط، يقولون: علمه جل وعلا قديم بالأشياء ولا يتجدد. وهذا خلاف ما دلت عليه الأدلة، ولذلك أهل السنة والجماعة يقولون: الله جل وعلا يعلم بعلم أزلي، وعلمه جل وعلا يتجدد، وهو ظهور علمه جل وعلا إذا ظهر علمه، كما أنه جل وعلا علمه في الأزل، كما دلت على ذلك أدلة القرآن. وذكرنا من ضل في إثبات هذه المرتبة، وهم غلاة القدرية الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة، حيث أنكروا علم الله جل وعلا السابق بالأشياء، وقالوا: إن الله جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فكفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ولذلك قال السلف: ناظروا القدرية بالعلم، ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. إن أقروا بالعلم بعلم الله جل وعلا السابق فقد خصموا، وإن جحدوه كفروا. فالسلف كفروا من جحد علم الله جل وعلا السابق. والمرتبة الثانية هي مرتبة الكتابة، وهذه المرتبة معناها ومعنى الإيمان بها الإيمان بأن الله جل وعلا كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ حين خلق القلم، أمره جل وعلا أن يكتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، فجرى القلم بأمر الله جل وعلا، فكتب مقادير الخلائق إلى قيام الساعة. وهذه المرتبة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾. فما من شيء يقع في سماء الله جل وعلا من مصائب وابتلاءات، وهكذا في الأرض، وهكذا في أنفس العباد، إلا وقد كتبه الله جل وعلا في اللوح المحفوظ، ووقوعه كان بمشيئة الله جل وعلا وعلمه جل وعلا السابق، وهكذا كتابته جل وعلا، فحصل بوفق ما كتب في اللوح المحفوظ. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والطور وكتاب مصطور﴾ يعني سطر فيه أمر الخلائق، وكتب فيه أمر الخلائق، والمراد به اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه مقادير الخلائق. وقال جل وعلا: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. الصحيح من أقوالها العلم في تفسير هذه الآية أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، ليس القرآن، وإنما المراد به اللوح المحفوظ. وقال جل وعلا: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ يعني ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا إنما هو مكتوب عليه، قد كتبه الله جل وعلا عليه في اللوح المحفوظ. وهذا المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير، ما كتبه في اللوح المحفوظ لا يتغير، وإنما يكون على وفق ما كتب. وإنما التغيير يكون في صحف الملائكة، الملائكة لها صحف تكتب فيها الحسنات والسيئات. وهذه الكتابة في صحف الملائكة يحصل فيها التغيير والمحو والإثبات، لأن الإنسان ربما يعمل طاعة فتكتب له حسنة، ثم يعمل سيئة فتكتب له سيئة، ثم يتوب من هذه السيئة فتمحى تلك السيئة، فيحصل التغيير في الكتابة في صحف الملائكة. لأن الملائكة يكتبون إما حسنات وإما سيئات، ويتوب العبد فتمحى السيئات، تمحوها الملائكة. لكن الذي في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير، لا يتغير ولا يتبدل. وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ يمحو الله ما يشاء ويثبت يعني في صحف الملائكة، وعنده أم الكتاب وهو الذي لا يحصل فيه محو ولا إثبات ولا تغيير ولا تبديل. وأيضا قوله جل وعلا: ﴿إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ فهذا الذي يكتب هو مستنسخ، مستنسخ من اللوح المحفوظ. فما يكتب للعباد قد استنسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من أعمال العباد من خير وغير ذلك، فكل ذلك يكتب في ليلة القدر مستنسخا، يعني قد نسخ وقد استنسخ وقد كتب من اللوح المحفوظ. وأدلة السنة كثيرة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إثبات هذه المرتبة، ألا وهي مرتبة الكتابة. حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض خمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وهذا الحديث فيه بيان أن خلق القلم كان بعد خلق العرش، خلق القلم كان بعد خلق العرش. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب» فهذا الحديث لا يدل على أولية مطلقة، وإنما هذه الأولية باعتبار خلق القلم، يعني حين خلق القلم، أمره حين خلقه، أول ما خلقه يعني حين خلقه أمره. فلا يدل على الأولية المطلقة بدلالة الحديث السابق الذي سمعتم. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا صحة هذا القول وأنه الراجح في هذه المسألة، قال رحمه الله تعالى في نونيته: «والناس مختلفون في القلم الذي كتب به القضاء من الديان هل كان قبل العرش أم هو بعده قولان عند أبي العلى الهمدان والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زماني لما برأه الله قال اكتب كذا فغدى بأمر الله دا جرياني» يعني أن الله جل وعلا خلق القلم وأمره بالكتابة، ولما كتب القلم قد خلق العرش قبله. ومن أحاديث السنة في بيان مرتبة الكتابة ما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وهو عند بعض أهل السنن وغيرهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى أو جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». قال: «قبل ذلك القلم ونطق قال وما أكتب فالقلم قال وما أكتب فقال الله جل وعلا أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». وهكذا من أدلة السنة في بيان مرتبة الكتابة ما ثبت في حديث علي في الصحيح، حديث الطويل، حين كان يبعث الله في جنازة في بقيع الغرقد، قال عليه الصلاة والسلام: «وما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله جل وعلا مكانها في الجنة أو في النار». فكتبت الأنفس، أي كتبت أمكنتها إما في الجنة وإما في النار. وهكذا كذلك من حديث السنة الثابتة في بيان مرتبة العلم ما ثبت عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أرضاه في الصحيحين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أرضاه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: «إنا خلق يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة...». الحديث. وفيه: «بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد» يعني أن الله جل وعلا قد كتب هذه المقادير، أمر الملك بكتابتها، بكتابة الآجال وبكتابة الأرزاق وبكتابة السعادة أو الشقاوة. وكتابة المقادير على أنواع، فأنواع كتابة المقادير الأول هي الكتابة القديمة أو الكتابة السابقة للمقادير، وهي حين خلق الله جل وعلا القلم، كتابة المقادير في اللوح المحفوظ. وبعض العلم يعبر عنها بالكتابة الأزلية، والمراد بذلك كتابة القلم للمقادير في اللوح المحفوظ. ومنها الكتابة العمرية، دل على ذلك قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾. هذه الآية فيها إشارة إلى الكتابة العمرية، الكتابة العمرية وهي الكتابة التي تكتب على العبد وهو في بطن أمه، الذي دل عليها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وهناك كتابة سنوية تكتب وهي في ليلة القدر، في ليلة القدر كما قال جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال جل وعلا: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ فقوله جل وعلا: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ إشارة إلى الكتابة التي تكون في هذه الليلة، فتكتب مقادير في هذه الليلة على الخلائق، ومستنسخة كما تقدم من اللوح المحفوظ. وهناك الكتابة اليومية، استدلنا لها بقوله جل وعلا: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ أي من شأنه أن يكتب ما أراد جل وعلا وقدر في ملكوته. هذه مرتبة الكتابة، وذكر بعض أدلتها وأنواع المقادير. ونذكر أيضا تتمة لهذه المرتبة وما يلحقها من مباحث في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.