الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن سوء الظن بالله كاعتقاد عدم استجابته أو احتياجه لوسائط يوقع في الشرك، مستدلاً بآيات إبراهيم وعقوبة الظانين بالسوء، ويوضح أن خطوات الشيطان تبدأ بجعل الوسائط ثم عبادتها من دون الله.
يوضح المقطع حجة المشركين في عبادة الأصنام لتقريبهم إلى الله، ويرد عليها بمثال من الواقع يبين استحالة أن يقبل السيد مشاركة عبده في ملكه، فكيف يُقبل لله شركاء في ألوهيته وهو المالك المتفرد.
يبيّن المقطع أن جعل الشركاء لله في الرزق والملك منافٍ لتوحيده، مستدلاً بآيات ضرب الأمثال كتملك الأيمان وعجز الأصنام عن خلق ذباب، ويؤكد أن أصل ضلال الطوائف راجع إلى ظن السوء بالله وعدم تقديره حق قدره.
يذكر المقطع أن سببين أوقعا أهل الشرك في الشرك: ظنهم بالله ظن السوء، وعدم تقديرهم للرب حق قدره، ويشير المتحدث إلى أنه سيكمل الحديث في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فبعدما بيّن الشيخ رحمه الله، الحافظ المقريزي رحمه الله، في أن مما يوقع هؤلاء في الشرك بالله جل وعلا: ظن السوء بالله. ظن السوء أوقعهم في الشرك. إما أنهم يرون أن الله عز وجل لا يسمع لهم ولا يستجيب لهم، أو أنهم يعتقدون أن الله عز وجل يحتاج إلى وسائط، ويحتاج إلى من يتوسط عنده حتى ينظر إلى عبده وينظر إلى كذا. فهذا أيضا من سوء الظن بالله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل على لسان إبراهيم: ﴿ أَفَكَ آِلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. وقال أيضا: ﴿ وَالظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. ثم قال رحمه الله: وعلم أن العبادة والتأله الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه، كما قربناه: يعتقد أن هذه وسائط، ثم يعبدها من دون الله. انظر إلى خطوات الشيطان التي أضلهم عليها: يجعلونها وسائط، لكنهم يعبدونهم من دون الله. يقولون: نعبد هؤلاء حتى يقربون إلى الله زلفى، كما ذكر الله عز وجل عنهم: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾. قال الأسيما: إذا كان المخلوق له ذلك عبدا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب، ومملوكا له، فعلا من الصالحين، كما قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾. أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، أنا يأنف أن يكون مملوكه الذي هو عبده يأنف أن يكون شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لله عز وجل من عبيده شركاء فيما هو متفرد به سبحانه وتعالى؟ قال: فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدر، ولا عظمني حق تعظيمي. الله عز وجل ينكر على هؤلاء المشركين، وضرب لهم مثلا: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ حتى يعوا هذا الأمر. أنتم الآن، يقول لهم: تأنفون من أن يشارككم عبيدكم في رزقكم، مع أن هذا ليس أنتم تملكونه، وأيضا كذلك وهم مخلوقون مثلكم. فكيف تجعلون لله عز وجل شركاء فيما رزقكم، وشركاء فيما عنده، وما اختص به سبحانه وتعالى؟ فلهذا قال: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾. قالوا بالجملة: فما قدروا الله حق قدره. أو قال: فما قدروا الله حق قدره. من عبد معه، من ظن أنه يوصل إليه. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ﴾ إلى أن قال: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. معنى: لو قدروا الله حق قدره، لما ظنوا به هذا الظن، أنه لا يوصل إليه إلا بالوسائل، وأنهم يعبدون غيره، ويجعلون لغيره ما له سبحانه وتعالى. قال: فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل. واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع، وجدت أصلهم، أصل ضلالهم، راجعا إلى شيئين: أحدهما ظنهم بالله ظن السوء، والثاني لم يقدروا الرب حق قدره. فهذان أمران أوقعا كل أهل الشرك في الشرك بالله جل وعلا: الأول ظنهم بالله ظن السوء، والثاني لم يقدروا الرب حق قدره. وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. شكرا، شكرا، شكرا.