التبيان في شرح فضائل الصيام 2

التبيان في شرح فضائل الصيام 2

الدرس في التبيان في شرح فضائل الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عناية النبي بالقرآن ومشروعية مجالس القرآن

يُبرز عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في رمضان، خاصة في الليل مع جبريل، ويُستدل على مشروعية إقامة مجالس القرآن في هذا الشهر. يُشير إلى نزول الكتب السماوية في رمضان.

فضل قراءة القرآن وتواترها في رمضان

يُشجع على قراءة القرآن في رمضان ليلًا ونهارًا، ويُذكر أمثلة من سلف الأمة الذين كانوا يختمون القرآن في فترات قصيرة. يُنصح بقراءة القرآن أو على الأقل ذكر الله لمن لا يستطيع القراءة.

آداب تلاوة القرآن والاستماع له في العصر الحديث

يُنبه على أهمية الاستماع للقرآن لمن لا يستطيع القراءة، ويشير إلى وسائل الاستماع المتاحة. يُؤكد على ضرورة العناية بلفظ القرآن ومعناه عند التلاوة، مع الحرص على الترتيل والتأني والتأمل في آياته.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله. لما جاء من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزلت الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزلت الزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان». فهذا الحديث، والذي جنح جماعة من أهل العلم إلى تحسينه، فيه إشارة لعظيم ارتباط الكتب السماوية بهذا الشهر المفضل، ألا وهو رمضان؛ فصحف إبراهيم نزلت في رمضان، الزبور، التوراة، الإنجيل، وهكذا القرآن نزل، كل ذلك في رمضان. فدل ذلك -إخواني في الله- على فضيلة رمضان، وأن الله عز وجل مما ميزه ومما فضله وشرفه ومما خصه أن جعله وقتًا لنزول الكتب السماوية، وعلى رأسها القرآن. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، تبقى مسألة -إخواني في الله- ألا وهي: هذه الفضيلة إذا الآن تعرفنا عليها، وأن رمضان هو محل لإنزال القرآن، هذه الفضيلة هل تقتصر عندي وعندك على أن تكون فقط معلومة، فقط خبر نسمع به ونجعله في قلوبنا بأن رمضان شهر مفضل، فيه أنزل الله القرآن، ونقتصر على أنها معلومة؟ فائدة شرعية: الجواب لا، بل إن هذه الفائدة -إخواني في الله- ينبغي أن يظهر أثرها في واقعنا، ومما يدلل به على ذلك ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم. فنبينا كان يعتني بالقرآن في كل زمان، إلا أن عنايته بالقرآن في رمضان كانت لا نظير لها ولا مثيل لها صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين: «كان جبريل يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن»، كان جبريل يلقى رسول الله في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فهذا الحديث فيه بيان لعناية نبينا عليه الصلاة والسلام لفضيلة القرآن في رمضان، أنه كان يقبل عليه ما لا يقبل عليه في أي شهر آخر؛ فكان هو وجبريل في كل ليلة يقبلون على كتاب الله، كهذه الليالي الفاضلة، كل ليلة جلسة مع جبريل في مدارسة القرآن. وتأمل في قول نبينا، أو في هذا الحديث: «كان يدارسه القرآن»، فيه مشروعية المدارسة للقرآن، التباحث في القرآن. ومن هنا يشرع في أيام رمضان إحياءً لكتاب الله جل وعلا أن تقام مجالس القرآن، يدخل في ذلك مجالس التفسير، حلقات القرآن، حلقات التحفيظ، التسميع، الترتيل، مسائل التجويد، في باب القرآن، كل ذلك يدخل في باب المدارسة، يشرع هذا. وتأمل كذلك في قول الراوي: «كان جبريل يلقى رسول الله في كل ليلة»، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتغل بالقرآن في كل زمان، وفي رمضان في ليله ونهاره، لكنه كذلك كان يعقد مجلس المدارسة مع جبريل مساءً ليلًا في كل ليلة. قال العلماء: وذلك لأن وقت الليل والمساء هو وقت يبتعد الإنسان عن مشاغله، عن أعماله، عن حرفه، عن مقاضيه وحوائجه؛ ففيه ينشغل الإنسان ويبتعد عن المشاغل. وفي هذا الوقت يكون التواطؤ بين القلب واللسان، كما قال ربنا: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، بيانًا وفصاحة وتدبرًا في الليل. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن في الليل. وهذه -إخواني في الله- فيه فرصة ودافع لنا، دافع لنا جميعًا؛ إذ أن من بعضنا من لربما في أيام رمضان، وخاصة في النهار، قد يشتغل، قد يعمل، في دراسة، في بر، في بحر، في جو، هنا وهنا، فلربما يمضي عليه النهار، وبعد ذلك يقول: وحسرة على ما مضى من الأوقات. يا عبد الله، عندك الليل، لا تظن أن وقت القرآن ينتهي في الفترة الصباحية، بل عندك ما هو أفضل، وهو الليل، وهذا الذي كان يشتغل فيه نبينا بالمدارسة في كل ليلة. فحريٌ -عبد الله- بالإقبال على القرآن في رمضان، في ليلك ونهارك، وصبحك ومسائك. وهكذا -إخواني في الله- إن الأمر لم يقتصر على نبينا عليه الصلاة والسلام، لا، بل حتى على صحب الكرام، وعلى السلف الصالح، اعتنوا عناية عظيمة بالقرآن في شهر رمضان؛ لأن رمضان هو شهر القرآن، أتميزه الله عز وجل بهذه الخصيصة. فكان من أمر سلفنا صالح الإقبال الشديد، الإقبال الشديد على الانهمار على كتاب الله جل وعلا، قراءة وحفظًا وتأملًا وتدبرًا. حتى قال الزهري -رحمه الله تعالى-: «إذا دخل رمضان، فما هو إلا قراءة القرآن وإطعام الطعام»، ما عندنا إلا هذا، الدوافع عندهم الهمم تنتقل لهاتين الوظيفتين: إطعام الطعام، وقراءة القرآن. وقال سفيان -وكان سفيان الثوري- رحمه الله تعالى: «إذا دخل عليه رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على قراءة القرآن»، هي رقم واحد عندهم بعد الصيام: الإقبال على قراءة القرآن. ولهذا استحب العلماء في رمضان الإكثار من ختم القرآن، احرص -عبد الله- على ختم القرآن مرة، مرتين، ثلاث. وقد كان السلف يتسابقون في هذا المضمار؛ فمنهم من كان يختمه في سبع، ومنهم من كان يختمه في خمس، ومنهم من كان يختمه في ثلاث، بل منهم من كان يختمه دون ذلك، فكانت تزاح منهم عظيم، وذلك استغلالًا لعظيم الأجر، ولفضيلة الموسم؛ فرمضان هو شهر القرآن. ومن هنا -إخواني في الله- ينبغي علينا جميعًا ونحن نقرأ لهذه الآية الكريمة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أن شرف رمضان لا يقف عند المعرفة، بل يظهر ذلك، ونبرهن له بأعمالنا، نثبت أن رمضان هو شهر القرآن، فنقبل بما نستطيع من قوة، ومن قدرة، ومن طاقة، ومن عمر، ومن عمل، في تكريس الحظ الأكبر والحظ الأعظم في إقبالنا على كتاب الله جل وعلا. وها هنا -إخواني في الله- أختم المقام بثلاثة أمور يناسب ذكرها ونحن نتحدث عن قراءة القرآن في رمضان. أولاها: يا عبد الله، يا من لا يستطيع أن يقرأ القرآن، بعض الناس كما يقال: أمي لا يقرأ المكتوب، لا يستطيع أن إذا مسك القرآن قد يتحسر. نعم، بعض الناس يتحسر على ما مضى من عمره لا يقرأ، فيرى الناس يقبلون على القرآن، وهو ما يستطيع أن يفعل شيء، ولا يحرك ساكنًا. فيقال: يا عبد الله، اشتغل بذكر الله، اشتغل بذكر الله، تسبيحًا، تحميدًا، تكبيرًا، تهليلًا؛ فإن ذلك من الأجر العظيم، فإن في ذلك من الأجر العظيم ما الله به عليم. فلا تذهب نفسك عليك حسارات. وإن كان ينبغي أن الإنسان يقبل، ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟ والإنسان لا يستصعب القرآن، قرآن سهل جدًا. وأذكر فيما أذكر أن من بعض الناس -نعم- إذا أعطي له كتاب، جريدة، أو ورقة، أو قصاصة، أو دفتر، أو أي شيء، يقول: أنا ما أستطيع أن أقرأ، يضعه، وإذا جئ له بالقرآن يقرأ، هذا وجد، يوجد هذا عن بعض الناس، جئ له بالقرآن يقرأ، أخذ القرآن يصحب منه، ويعطيه ورقة، يقول: ما أستطيع أن أقرأ، في القرآن، في القرآن، في القرآن ميسر، من أقبل عليه بقلب شغوف، فإن الله يفتح عليه من المعارف. لكن على قول من كان لا يستطيع لا لهذا ولا ذاك، فلا أقل من ذكر الله. الفائدة الثانية: يا من لا تستطيع أن تقرأ القرآن في رمضان لانشغالك، يقول: أنا ما عندي وقت أن أجلس وأقرأ، ما أستطيع، أنا عندي عمل، والعمل يتطلب مني الحركة، الوقوف، أو شغل اليد، أو شغل البصر. فهنا -يا عبد الله- كذلك لا تقف عند هذا الحد، عوض بماذا؟ بالاستماع، بالاستماع إلى القرآن، وهذا كذلك له فضيلة، وتؤجر عليه. ولله الحمد، نحن في هذه الأزمان المعاصرة، عندنا من وسائل الاستماع والتبليغ الشيء الكثير، الشيء الكثير، بل هذا الجوال الذي في يدك، والذي ما منا من أحد إلا ومعه جوال، يستطيع من خلاله أن يشغل المسجلة، ويشغل اليوتيوب، أو يشغل أي صوتيات، ويسمع القرآن، ختمات، وتلاوات، ما شاء الله، تبارك الله، استمع. أو ذاك الذي في سيارته يستمع، ونحن في هذه البلاد -ولله الحمد- وخاصة في هذا المسجد المبارك، عندنا ما يسمى إذاعة الدار الحديثي بالشحر، إذاعة مباركة، يتلى فيها آيات القرآن بالتلاوات العطرة المجودة والمرتلة، في الصباح والمساء. تستغل مثل المرأة التي في بيتها ما تستطيع أن تقرأ لانشغالها في شغلها، بمطبخها، بمهنة بيت أهلها، فلا بأس أن تشغل الإذاعة وتستمع للقرآن، تستمع، وتشتغل، تقرأ وتستمع، وتراجع، وتراجع المحفوظات، وتتأمل في كتاب الله، فتؤجر. وصاحب السيارة في سيارته يشغل المذياع على القرآن، يؤجر. وهكذا فيه صاحب المحل والدكان يشغل المذياع ويؤجر. وهكذا -يا عبد الله- كن دائمًا مع القرآن؛ فشهر رمضان هو شهر القرآن. وأخيرًا، الذي أريد أن أختم به المجلس من التنبيهات: على من أقبل على القرآن، عليك -يا عبد الله- بالإقبال على القرآن والعناية بلفظه ومعناه، بلفظه ومعناه، بلفظه، حين قراءتك للقرآن، راعي اللفظ، فقرأه -يا عبد الله- بالترتيل، بتؤدة، بتأني، وأنت قائم بحقوقه وحروفه، لا تهضم منه حرفًا، لا تأكل منه كلمة، لا تتعجل بقصد المسابقة والمسارعة، بحيث أنك لربما تقرأه قراءة كهذا الشعر، لا، هذا كتاب ربك، هذا كتاب الله، جعله بين أيدينا، فانظر كيف تصنع معه، عليك من الإجلال والإعظام والإحترام لكتاب الله سبحانه وتعالى، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». وهكذا الحرص على معنى، ومعنى معنى، الحرص على التأمل والتدبر لآياته ولكلماته؛ فالله يخاطبك، كما قال بعض السلف: «إذا سمعت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأعرها سمعك؛ لأنك أنت المخاطب»، بل القرآن من أوله إلى آخره فيه الخطاب لك، أنت -يا فلان- ويا فلان، يخاطبك ربه، فاستمع لكلام ربك، بماذا يوصي؟ بماذا يأمر؟ بماذا ينهى؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. فهذا -أخواني في الله- ما يتعلق بهذا المجلس، المجلس الثاني من باب التبيان في بيان فضائل رمضان، علمنا أنه موسم من المواسم، وزمن من الأزمان الذي خصه الله بإنزال القرآن. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسألوا سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.