سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 4

سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 4

الدرس في سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التجرد عن الهوى والعصبية في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

تتميز دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بالتجرد عن الهوى والعصبية للعرق أو المذهب، والالتزام بالكتاب والسنة كمصدر وحيد للحق. وتدعو إلى نبذ التعصب للمذاهب والأشخاص، وتوحيد الكلمة على التوحيد مع البراءة من الحزبية الضيقة.

الولاء والبراء لله وحده وتحذير من التحزب

يجب أن يكون الولاء والبراء لله ورسوله والمؤمنين وحدهم، وأي انتماء لأحزاب أو أشخاص غير مبني على التوحيد يعد من دعوى الجاهلية. ومن يختار غير عبودية الله يقع في عبودية الشيطان، كما فعل إبراهيم والصحابة بقتال أقربائهم في سبيل الإيمان.

مبدأ المساواة والنظر للتوحيد والاستقامة

أرسى الدعوة مبدأ المساواة بحيث لا يُعتبر النسب أو اللون أو الانتماء الجماعي، بل يُقاس الشخص بتوحيده واستقامته وتمسكه بالدين. وتُعد هذه السمة من أبرز سمات الدعوة السلفية المباركة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف الشيخ الدكتور صالح سندي حفظه الله تعالى في كتابه ورسالته «سمات دعوة الإمام محمد عبد الوهاب»: قال: السمة الثانية لهذه الدعوة المباركة أنها تميزت بكونها متجردة عن أي هوى أو عصبية لعرق أو لمذهب أو لإمام، بل مبدأها ومنتهاها وموردها ومصدرها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فقوله حفظه الله: إنها تميزت بكونها متجردة عن أي هوى، والهوى هو كل ما يصد عن اتباع الحق، يعني متى ما ظهر الحق للمتجرد له اتبعه، وإن خالف معتاده أو اعتاده الناس، أو خالف مذهبه، أو خالف رأي شيخه، أو مبدأ حزبه وجماعته، أو دنياه وتجارته، أو نحو ذلك. فقد نهى ربنا سبحانه وتعالى عن اتباع الهوى، فقال عز وجل: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾. فهذه الدعوة تدعو الناس إلى التجرد للحق متى ما ظهر، ومتى ما استدل له من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: أو عصبية لعرق أو لمذهب أو لإمام، العصبية هو التعصب لعرق، والعرق يراد به النسب أو البلد أو نحو ذلك، فلا يتعصب المرء لبني جلدته إن كانوا على ضلال، إن كانوا على ضلال، ولا يدعو إلى هذه العصبية، لا يدعو إلى هذه العصبية. النبي صلى الله عليه وسلم لما تخاصم مهاجر وأنصاري، فنادى المهاجر: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أبدعوى الجاهلية؟ لا تحتمي بقبيلتك إن كنت على باطل، ولا تتعصب لقبيلتك إن كانوا على باطل، والعبرة بإصابة الحق». أو لمذهب كالمذاهب الأربعة، فإن التعصب لهم مذموم، بل لأئمة أنفسهم قد نهوا أتباعهم عن ذلك، فكثير منهم ثبت عنه أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وقال بعضهم: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا». ويقول الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يتعصب لمذهب ولا يخرج عنه، فكل مذهب فيه من الحق والإصابة، وفيه من الخطأ، فالمنصف يأخذ بالحق ويترك الخطأ، لأن هذه المذاهب اجتهادات من بشر قد يصيبون وقد يخطئون، وقد يعلمون وقد يجهلون، فليس كل ما يتبنونه يكون حقاً، فقد يخطئ صاحب المذهب فلا يتعصب له، لا يتعصب له كما هو حال بعض الناس، فلا يخرج عن المذهب. بل مما يدل على هوى بعض هؤلاء أنه يأخذ من المذهب ما يوافق هواه، ويترك من المذهب ما يخالف هواه، وهذا داخل في قوله: عن أي هوى. مثال ذلك: ممن يزعم أنه شافعي، فمن مذهب الشافعي فيما صح ونقل عنه أنه يحرم البناء على القبور، فهل هؤلاء اتبعوه في ذلك؟ من مذهب الإمام الشافعي أيضاً أنه ينهى عن دعاء غير الله، فهل هؤلاء اتبعوه في ذلك؟ بل جاء عن الإمام الشافعي أنه لا يرى وصول ثواب قراءة القرآن للميت، استدلالاً بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾، فهل هؤلاء أخذوا بمذهبه؟ فهم في الحقيقة يزعمون أنهم على مذهب الإمام الشافعي، وإلا فلو جلس أحد وحسب المسائل التي خالفوا فيها هذا الإمام لكان الناتج مسائل كثيرة، وما ذاك إلا لهوى في نفوسهم. فهذه الدعوة المباركة ودعوة أهل السنة لا تدعو إلى التعصب، لا لعرق، لا لنسب، لا لقطر أو جهة من الجهات، ولا لمذهب، ولا لإمام، يعني عالم من العلماء لا يخرجون عن قوله، ولو كان من أبرز علماء هذه الدعوة المباركة، فإذا خالف الحق رمى بقول أهل الحق عرض الحائط، لأن هذه الدعوة ربت أهلها على الكتاب والسنة وعلى العمل بهما، لا على التعصب للعلماء أو للمذاهب أو نحو ذلك، فهذا من أعظم سمات هذه الدعوة المباركة. فقوله: بل مبدأها ومنتهاها وموردها ومصدرها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافق الكتاب والسنة أخذوا به، وما خالف الكتاب والسنة ردوه. قال: فوحدت الكلمة على كلمة التوحيد، وربت الناس على التجرد للنصوص. فقوله: وحدت الكلمة على كلمة التوحيد، فالحب والبغض من أجلها، لا من أجل أن فلان من جماعتي أو من قبيلتي أو من بلدي أو من مذهب، بل أهل بلدي لا، الولاء والبراء عند أهل الحق إنما يكون من أجل الحق، وأعظم ذلك كلمة التوحيد، كلمة التوحيد، فمن أتى بهذه الكلمة وأداها كما أمر الله عز وجل فيحبونه ويوالونه، ومن خالفها وتمرد عن عبادة الله عز وجل وأشرك بالله سبحانه وتعالى أبغضوه وعادوه، فولاؤهم وبراؤهم من أجل هذه الكلمة. وربت الناس على التجرد للنصوص، أن يتجرد الواحد منهم لأدلة الكتاب والسنة، فلم تعلّقهم بقيادات، أو تحزبهم على أشخاص، أو تعقد ولاءهم على انتماءات، كما هو الشأن في الدعوات ذات الحزبيات الضيقة والمناهج المحدثة. فقوله: فلم تعلّقهم بقيادات، يعني برؤوس هذه الدعوة، فما كان عليه هذا القائد واجب عليهم أن يأخذوا به، لا، لم تربهم على ذلك، ولم تعلّقهم بذلك، ولا بتحزبهم على أشخاص، هؤلاء يجب أن تكونوا على قولهم وعلى طريقتهم وإن خالفت الحق، لا، أو تعقد ولاءهم على انتماءات، وهذه الانتماءات قد تكون لجماعة أو لحزب أو لفكرة ومبدأ يخالف ما عليه الكتاب والسنة، كما هو الحال في هذه الأزمنة من وجود الجماعات التي تسمي نفسها بالجماعات الإسلامية، وليس في الإسلام إلا جماعة واحدة، ليس في الإسلام إلا جماعة واحدة، فهذه الحزبيات المقيتة، المقيتة، شتتت الأمة وفرقت شملها وأضعفت صفها، ونشرت بينها الأحقاد والضغائن. وقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من تلك الحزبيات الضيقة ومن تلك الولاءات الضيقة كذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. جاء واحد وتبنى فكرة القيام على الحكام، فعمل له مبادئ ونظاماً داخلياً، وكذلك شروطاً للدخول في جماعته، فمن دخل معه بايعه على هذه الشروط، وإن كانت كثير منها مخالفة للكتاب والسنة، هذا هو التحزب بعينه، وقد حذرنا ربنا من ذلك، وأن هذا الأمر إنما هو من صنيع أهل الشرك، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾، كل حزب بما لديهم فرحون. فمن تحزب لا محالة سيجعل الولاء والبراء والحب والعداء لأصحابه ولأعضاء حزبه دون غيرهم، دون غيرهم، وهذا ما حذر ربنا سبحانه وتعالى منه، وهذه الحزبيات الضيقة والمناهج المحدثة، المحدثة، فهي من أعظم أسباب تفريق هذه الأمة وضرب بعضها ببعض، وهو سبب ضعفها وتمزيقها، وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾. فوجود هذا التعدد وهذه الجماعات السبب للتنازع والضعف، فكل جماعة تنتقد الأخرى، وكل جماعة تدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك. وقد أمر الله عز وجل المؤمن أن يكون ولاءه لله سبحانه وتعالى ولرسوله وللمؤمنين، تأملوا معي هذه الآية المباركة، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾، فسماه حزباً واحداً. وكما قال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى بعدما ذكر أوصاف أهل الإيمان، قال: إنما الولاء والبراء لله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾، ثم قال في آخر هذه الآية: ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾، أولئك حزب الله، سماهم حزباً واحداً، فلا ثمة أحزاب ولا جماعات ولا فرق وطوائف في الإسلام، إنما هي جماعة واحدة تجتمع على الكتاب والسنة. فكل ما ذكر المؤلف من التعلق بالقيادات أو التحزب للأشخاص أو عقد الولاء والانتماءات، كل ذلك من دعوى الجاهلية، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد وأصححه العلامة الألباني: «من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم»، قالوا: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: «وإن صام وإن صلى، وزعم أنه مسلم»، وزعم أنه مسلم. فكن يا عبد الله عبداً لله سبحانه وتعالى، لا تكن عبداً لشخص، ولا لحزب، ولا لجماعة، ولا لمكون. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: إن الإنسان على مفترق طريقين، إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما، إما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية ليصبح لا محالة في عبودية لغير الله، وكل عبودية لغير الله كبرت أو صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان، هي في نهايتها عبادة للشيطان. فكن عبداً لله عز وجل، ولا تكون كذلك إلا، ولا تكون كذلك إلا إذا جعلت ولاءك وبراءك وحبك وبغضك لله سبحانه وتعالى ومن أجل الله عز وجل، فهذا ما تدعوه هذه الدعوة، أو فهذا ما تدعو إليه هذه الدعوة المباركة، وهو التجرد للحق وترك كل التعصبات والتحزبات. قال: إن أصل الموالاة والمعاداة سمة بارزة في نهج أئمة الدعوة، بمعنى أنهم يوالون لله ويعادون لله، لا لأشخاص، ولا لبلدان، ولا لأحزاب، ولا لطوائف وفرق، بل الولاء والبراء لله سبحانه وتعالى، غير أنه لم يكن معقوداً إلا على أساس التوحيد، والحب في الله، والحب في الله والبغض في الله، وهذا أوثق عرى الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». فهذا ما تدعو إليه هذه الدعوة المباركة، فمن كان من أهل التوحيد ومن أهل السنة ومن أهل الاستقامة فهو الذي يوالى، وهو الذي يحب، وهو الذي كذلك يقدم ويرفع على رؤوس أهل السنة، ومن كان على شرك وبدع وخرافة وبعد عن العمل بدين الله سبحانه وتعالى فهذا مبغوض، وكذلك له من أهل السنة البغض، وكذلك البراء. وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾. ومر معنا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾. وانظروا إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لربما الواحد منهم إذا وقر الإيمان في قلبه قاتل أقرب الناس إليه، ربما قاتل أباه لأنه كان في صفوف المشركين، أو قاتل إخوانه وبني عمومته لأنهم كانوا في صفوف المشركين. فالدعوة هذه المباركة أسست ورسخت هذا المبدأ العظيم في نفوس أهلها، في نفوس أهلها، فهذه من أبرز هذه السمات، لا تنظر هذه الدعوة إلى نسب من انتمى إليها، ولا إلى بلده، ولا إلى لونه، ولا كذلك إلى جماعته، وإنما تنظر إلى توحيده وإلى استقامته وتمسكه بهذا الدين العظيم. نكتفي بهذا في هذا المجلس، وإلى هنا والله تعالى أعلم، شكراً.