تفسير آيات الصيام 2

تفسير آيات الصيام 2

الدرس في تفسير آيات الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراتب الصيام وخلاف العلماء في صيام الأمم السابقة

يوضح ابن قدامة ثلاث مراتب للصيام: صوم العموم بالإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، وصوم الخصوص بصيام الجوارح، وصوم خصوص الخصوص بصيام القلب عن الهمم الدنيئة. وينقل خلاف العلماء حول ما إذا كان صيام الأمم السابقة مطابقاً لصيام المسلمين في كيفيته ووقته مستدلين بحديث صيام داود عليه السلام.

حكمة فرض الصيام على الأمة وكمال صيام رمضان بالطاعات

بين النص أن الله فرض الصيام على الأمم السابقة كما فرضه على هذه الأمة لحكمة تنشيط المسلمين للمسارعة في الخيرات وعدم استثقال العبادة. وأكد أن صيام رمضان يكتمل فضله بانضمامه إلى الطاعات كقراءة القرآن والصدقة وحسن الخلق اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

حكمة مشروعية الصيام وتحقيق التقوى وأثر شعور الغني بالجوع

تعد التقوى الغاية العظمى من الصيام حيث يتدرب الصائم على مراقبة الله بترك الشهوات وتضيق مجاري الشيطان وتكثر طاعاته فيرحم الفقراء. وعندما يذوق الغني ألم الجوع يدفعه ذلك إلى مواساة الفقراء المعدمين وهذا السلوك من ثمرات التقوى التي تؤدي إلى تقوى الله جل وعلا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكرنا بالأمس ما ذكره المؤلف رحمه الله عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وذكرنا بعض المسائل في هذه الآية. ومن هذه أيضاً المسائل: قوله جل وعلا: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾. فقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أي: الصيام كما تقدم. وهذا الصيام كما قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه "مختصر منهاج القاصدين": ذكر أن الصيام له كمال وفضيلة، ليس الصيام كله سواء، بل هو مراتب، وله كمال وفضيلة. وذكر أن الصوم إما أن يكون صوم عموم، أو صوم خصوص، وصوم أيضاً خصوص الخصوص. قال: أما صوم العموم فهو صوم من يصوم عن الطعام والشراب والشهوة فقط. هذا صوم العموم، أن عامة الناس إذا صاموا صاموا عن الطعام والشراب والشهوة. وصوم الخصوص: أن يصوم العبد عن الطعام والشراب والشهوة، وتصوم معه جوارحه. كما قال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك وجوارحك». معناه: تصوم الجوارح معه. فهذا صوم الخصوص. وصوم خصوص الخصوص: أن يصوم قلبه من الهمم الدنيئة والأفكار القبيحة، ويجعل أمره كله لله، أن يجعل أمره لله ووقته لله. فهذا صوم خصوص الخصوص. معناه: أن قلبه متعلق بأمر الله وطاعته، ليس هناك هموم تشغله عن الله وتبعده عن الله، وليس هناك مشاغل. ولو كثرت عليه مشاغل الدنيا فإنها لا تشغله عن الله، وعن ذكره، وعن طاعته. أن لا يقدم أمور الدنيا على أمور الآخرة، بل همه أن يرضي الله وأن يطيع الله عز وجل. وأيضاً من هذه المسائل: قوله جل وعلا: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾. فهل كتب على الذين من قبلنا مثل صيامنا في كيفيته وهيئته، وكذلك في وقته، أم أنه يختلف؟ فحصل خلاف بين أهل العلم في هذا. فمنهم من قال: نفس صيامنا، نفس الصيام الذي نصومه يصومه من كان قبلنا. واستدلوا بما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في صيام يوم وإفطار يوم: «ذلك صيام نبي الله داود». فشبه صيام من يصوم يوماً ويفطر يوماً بصيام نبي الله داود، أي أن صومه مثل هذا الصوم، في حده ووقته وكيفيته من الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة. لكن هنا لم يذكر في الحديث، أو في هذا الحديث لم يبين: هل كان يصوم فرضاً أم يصوم نفلاً؟ ولا شك أنه نفل على الغالب. لكن هل هناك مثلاً فرض عليهم صيام رمضان؟ فهذا لم يأتِ. أو فرض عليهم صيام عاشوراء؟ هذا محتمل أنه فرض على اليهود صيام عاشوراء، أو النصارى، فهذا محتمل لأنهم كانوا يصومونه ولا يفرطون فيه. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام استنكر صومه، فقالوا: هذا يوم نجى الله موسى ومن معه. فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى منكم». فصام وأمر بصيامه. فالمهم أن هذه المسألة لا فائدة كثيرة منها، سواء كان فرض عليهم عاشوراء وغير ذلك. فالمهم: أخبرنا الله عز وجل أنه كتب علينا الصيام، فرضه كما فرضه على من كان قبلنا، على من كان قبلنا. وهذا كما قال بعض أهل العلم فيه، كما ذكر المؤلف رحمه الله: فيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه يمضي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال والمسارعة إلى صالح الأعمال. فإذا كان هذا الصيام عند من كان قبلنا، فإنهم صاموا، فلا بد على هذه الأمة أن تصوم مثلهم، بل أفضل منهم، أن يكملوا عباداتهم وطاعاتهم، والمسارعة إلى صالح الأعمال. وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصيتم بها. أيضاً كذلك هذه حكمة: أن هذا الصوم ليس فقط على هذه الأمة، بل قد سبق أن الله، سبق أن الله عز وجل فرضه على الأمم السالفة. أيضاً كذلك من هذه المسائل: أن الصيام، صيام رمضان، يكمل، يعني يكمل صيامه بدخول الطاعات معه، بدخول الطاعات معه من قراءة القرآن والصدقة، وأيضاً كذلك أمور الخير. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخير: «كالريح المرسلة». يجود بماله عليه الصلاة والسلام في الصدقات، يجود بأخلاقه العظيمة، يجود كذلك بما عنده، بما علمه الله. وكل ذلك من جوده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فدخول العبادات والطاعات مع الصيام تجعل الصيام أكمل وأفضل، أكمل وأفضل. قال رحمه الله: ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. قد ذكرنا هذا في درس العصر بالأمس. والحكمة من هذه التقوى: التقوى التي هي الهدف الأسمى والهدف الأكبر في الصيام. قال: فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه. وذكرنا كلام أهل العلم في هذا: أي لماذا صار التقوى أكبر فائدة في الصيام ويتلقاها الصائم؟ قال: فمما اجتُمل عليه من التقوى: أن الصائم... أيضاً هنا سيذكر أيضاً هذه الأسباب. فمما اجتُمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله، راجياً بتركها ثوابه. فهذا من التقوى. كما ذكرنا: أن العبد إذا اتقى الله عز وجل في ترك الطعام والشراب والشهوة، فإنه سيترك ما هو دون ذلك اتقاء الله عز وجل. قالوا: منها أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه. الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله، لأنه يستطيع أن يأكل في أي وقت، يختفي ويأكل، يختفي ويشرب. لكنه مراقب لله، يعلم أن الله مطلع عليه، فلذلك فهو لا يأكل ولا يشرب، بل يصوم لله. فهذا تدريب، تدريب النفس على مراقبة الله تعالى. ولهذا كان أجره عظيم عند الله: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». قالوا: منها أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي. أيضاً الشيطان يجري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابن آدم مجرى الدم». فإذا صام الإنسان ضاقت، إذا لم يأكل ولم يشرب ضاقت شرايينه، فضيق على الشيطان مداخله، مداخله إلى القلب. لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أن يذهب إلى القلب مثل ما يذهب الدم إلى القلب ثم يضخه مرة أخرى. فكذلك الشيطان يذهب إلى قلب ابن آدم فيوسوس له. قالوا: منها أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من حاصل التقوى. أيضاً هذه حكمة: أن الصائم غالباً إذا صام فإنه تكون فيه رحمة على المساكين وعلى الفقراء الذين ليس عندهم الطعام والشراب، فيرحمهم فيتصدق ويجود بماله. قالوا: منها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين. وهذا من حاصل التقوى. فهذه كلها من حاصل التقوى، وحكم، أو من الأسباب التي تؤدي إلى تقوى الله جل وعلا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.