الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 122، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور حديث سودة بنت زمعة رضي الله عنها واعتراض عمر بن الخطاب لها بعد فرض الحجاب، مما أدى إلى نزول آية الإذن للنساء بالخروج لقضاء حوائجهن ضرورة. ويبين المقطع حكمة التشريع في الترخيص بالخروج ليلاً لحاجة ملحة مع الحفاظ على مقاصد الحجاب والستر.
يستعرض هذا المحور الضوابط الشرعية لملبس المرأة ومشيتها، محذراً من التكسر المتعمد في المشي لكونه سبباً للفتنة. ويؤكد على وجوب الالتزام بالحجاب الشرعي الواسع غير الشفاف مستدلاً بآية الحجاب وحديث غلالة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها.
يختم الدرس ببيان أن الله عز وجل خلق الإنسان على الفطرة السليمة المستقيمة على التوحيد. ويشير المقطع إلى أن هذا الأصل العقدي هو ملخص ما ورد في الحديث النبوي الشريف المتعلق بخلقة الإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال: حدثنا زكريا بن يحيى، وهو لؤلوي الفقيه، وهو كوفي، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، عن هشام، وهو ابن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، الصابر المحتسب، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب، سودة بنت زمعة، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. قالت عائشة: تقول: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، إنها جسيمة، جسم طويل، وأيضًا قد يكون عريضًا، إنها تعرف من بين النساء، ولأن عمر رضي الله عنه يعرفها قبل الحجاب، فقال: يا سودة، أيم الله ما تخفى علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، العرق: عظم فيه لحم. قال: فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، وقال: «إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». فهذا الحديث فيه أن عمر رضي الله عنه قال لسودة هذا الكلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف أن عمر ما أراد شيئًا إلا قصده، أن النبي عليه الصلاة والسلام يحجب نساءه، وأيضًا معناه: يريد عمر أن يكون نساء النبي صلى الله عليه وسلم أطهر النساء وأبعد عن الفتنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام مبلغ عن الله، يبلغ رسالة الله جل وعلا، مبلغ عن الله، فما أوحاه الله عز وجل إليه تكلم به عليه الصلاة والسلام، فلما أوجب الله عز وجل الحجاب على النساء، وأنهن لا يخرجن إلا متلفعات بمروطهن، خرج كذلك النساء، فلا يرى منهن شيء، كما قالت عائشة: «مثل الغربان»، معنى: كلها سواد، فلا يرى منها شيء. وكذلك جاء تقدم معنى أيضًا آية الحجاب، الستر الذي يكون بين الرجل إذا أراد حاجة من بيوت آخر، فإنه لا يكلم امرأته إلا من وراء ستار، ﴿فَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أن لا يدخل البيت ويكلمها داخل البيت، وإنما يكلمها من وراء حجاب. فلما نزلت هذه الآية، فظاهر أن عمر رضي الله عنه، كما قال بعض أهل العلم، ظن أن هذه الآية فيها أن النساء يخفين أنفسهن حتى لا يعرفن منهن، فلما خرجت سودة عرفها عمر رضي الله عنه لأنها كانت جسيمة، وكأنه يريد منها أن تلبس عباءة واسعة حتى لا تعرف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن»، وكن يخرجن في الليل، لأن في النهار سيراهن الناس، فلهذا يخرجن في الليل حتى لا يراهن أحد، ولم تكن هناك كنف في البيوت، لم تكن هناك حمامات أو مكان لقضاء الحاجة في البيوت، وهذا شأن العرب قديمًا، وإلى الآن تجد بعض الأعراب عندهم هذا، ما يحبون مكانًا يضعون، معناه: يقضون فيه حاجتهم، وإنما يخرجون إلى الصحراء أو المكان الواسع، وكان العرب أيضًا يحبون ذلك لما فيه من ذهاب الرائحة في البيوت، ومن ثم بعد ذلك في آخر عهد النبي عليه الصلاة والسلام أخذ الناس بالكنف، معناه: جعلوا كنفًا أو أماكن لقضاء الحاجة، فلهذا لم تخرج النساء بعد ذلك إلى قضاء حاجتهن، فأذن الله عز وجل، قال: إن صلى الله عليه وسلم قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. وهذا لا ينافي الحجاب، لأن هذا أمر اضطراري، لا بد أن المرأة ستخرج، لكن كن النساء يخرجن في الليل، كن النساء يخرجن في الليل، لكن لو اضطرت المرأة أنها تخرج في النهار فهذا اضطرار، وأما من ثم بعد ذلك كما قلنا ببناء الكنف في البيوت، فما كان بعد ذلك يخرجن النساء، فهذا كما أيضًا داخل في آية الحجاب، أو بعد آية الحجاب، بعدما نزلت آية الحجاب، فكان حجاب النساء هو في البيوت، أن لا يكلمهن الرجال إلا من وراء ستر، وكذلك أيضًا لا يخضعن بالقول، لا تخضع المرأة بقولها. وأما مثلًا إذا كانت المرأة في خلقها، فيما خلقها الله عز وجل جبلها عليه، أو ما خلقها الله في خلقها مثلًا شيء يعرف ويتميز، فهذا ليس هو تعمد، أو تتعمد هذه المرأة أن تعرف، فإنما عرفها الناس لأجل أنهم كانوا يرونها مثلًا، كما حصل لسودة، كانوا يعرفونها قبل الحجاب، أو أن أحيانًا مثلًا الإنسان يعرف بعض النساء مثلًا قريباته بطولهن أو بعرضهن أو بمشيتهن، فهذا ليس عليهن فيه سبيل، وليس عليهن إثم في ذلك، لأن هذا لا يستطاع إخفاءه، لا يستطاع، معنى: لا تستطيع المرأة أن تخفي مشيتها، لأن هذه مشيتها التي اعتادت عليها، إلا أن كان فيها تكسر وتعمد، فهذا لا يجوز، أن إذا كانت المرأة تتكسر في مشيتها تعمدًا، أو حتى لو كانت اعتادت على ذلك أنها إذا مشت تكسرت، فهذا لا يجوز، لأن هذا فيه فتنة، والواجب على المرأة أن تحتشم في مشيتها، أن تحتشم في مشيتها، فالله، فالله عز وجل أنكر على النساء التي ضعن الخلخال في أرجلهن، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، فمجرد الضرب بالأرجل لأجل الخلخال الذي يكون في الأرجل نهى ربنا جل وعلا عنه، فكيف لو تكسرت المرأة في مشيتها، فإن هذا أفتن من ذلك. فالأصل كما قلنا: أن المرأة تتحجب بالحجاب الشرعي إذا كانت خارج بيتها، تتحجب بالستر الذي أمر الله عز وجل به، والمرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، فالمرأة كلها عورة، فالواجب أنها تستر جسمها كله، ولا ينبغي أن يكون هذا الساتر يكون ضيقًا حتى يحجم عورتها، فهذا أيضًا مما لا يجوز عند كثير من العلماء، لأن تحجيم العورة فيه فتنة، كذلك تحجيم العورة فيه فتنة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لأسماء، أو قال لبعض النساء، معنى: لما أهدي إليها غلالة أو ثوب صفيق، ثوب مما يلصق بالبدن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اجعلي تحتها غلالة، اجعلي تحتها غلالة حتى لا يرى عظامك، حتى لا يرى عظامك»، معنى: لا يرى جسمك، ويحجم هذا الجسم، فعن العظام مراد به الجسم، فعن هذه الغلالة ستعزل هذا الثوب عن الجسم، وأما إذا تركته بدون غلالة فإنه سيلصق بالجسم، وبعد ذلك تتحجم العورة، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تلبس هذا الثوب بدون غلالة، الغلالة: التي تكون داخل حتى لا يلصق هذا الثوب بالجسم، فدل هذا الحديث على أن المرأة أيضًا ممنوعة من لباس الضيق الذي يحجم عورتها. فإذا كانت على هذا اللباس الشرعي الذي جاءت به الشريعة، وقد ذكر العلماء عدة ضوابط في هذا الحجاب، وهي ستة ضوابط، ذكرها كثير من العلم، ذكرها الشيخ ابن عثيمين في رسالة في الحجاب، ذكرها أيضًا الشيخ بكر أبو زيد في «حراس الفضيلة»، وغيرهم من العلماء، ممن ذكر هذه، وهو مجموع من كلام أهل العلم والأدلة التي جاءت في ذلك، فإذا تحشمت بذلك الحجاب وتحجبت، فما كان بعد ذلك من شيء تعرف به هذه المرأة فهو لا إثم عليها، لا إثم عليها، مثلًا يكون حجمها كبير، يعرفها الناس من طولها أو من عرضها أو من قصرها، فهذا لا شيء عليها فيه، فهذا مما خلقه الله عز وجل على ذلك، كما يفيد هذا الحديث، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.