الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 123، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} وفق أقوال السلف في معنى صلاة الله وملائكته، ثم يسرد رواية كعب بن عجرة رضي الله عنه لصيغة الصلاة الإبراهيمية عند سؤال الصحابة عن كيفيتها، مع بيان أسانيدها وأحوال رواتها.
يتناول المقطع قصة خروج الخوارج وتورعهم في الصغائر مع استحلالهم دماء المسلمين، مستعرضاً تفاصيل مقتل عبدالله بن خباب رضي الله عنه على أيديهم، ثم ينتقل إلى رواية عبدالله بن خباب عن أبي سعيد الخدري لصيغة الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير مع ذكر اختلاف ألفاظ الروايات.
يبين المقطع أحاديث الحث على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره والوعيد لمن يبخل بها، موضحاً قول الجمهور بأن مرة واحدة تسقط الوجوب وتتعدد الفضيلة، مستعرضاً فضائلها العظيمة كصلاة الله على العبد عشراً، وخلاصة خلاف العلماء في وجوبها في التشهد الأخير من الصلاة.
يقرر المقطع أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة شرعاً وليست ركناً من أركان الصلاة، مستدلاً بعدم دلالة الأدلة على ركنيتها وخلو حديث المسيء في صلاته منها، مع بيان مشروعيتها في الأذان وغيره من مواطن العبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولا مبعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إن الله وملائكته يصلون على النبي، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾». قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. قال ابن عباس: يصلون أي يبركون. قول: «لَنَغْرِيَنَّكَ بِهِمْ» أي لَنُسَلِّطَنَّكَ عليهم. فهذا الباب في هذه الآية، وهي آية الأمر بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضًا الإخبار أن الله عز وجل وملائكته يصلون عليه، عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على علو مكانته عند ربه جل وعلا. «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، يثني ربه جل وعلا عليه عند الملائكة. وقال ابن عباس: يصلون أي يبركون. ويوجد عن بعض السلف أنهم يقولون: يتلطف به ويحن عليه. ولهذا رجح الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الذي ألفه في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام «جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام» فرجح رحمه الله أن صلاة الله عز وجل هي الحنو والعطف، حنوه على نبيه وعطفه عليه ورحمته له، ولهذا تفسر الصلاة بالرحمة. قال: حدثني سعيد بن يحيى، هو سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي القرشي، وكذلك أيضًا الكوفي، أنا هو من أهل الكوفة لكن أصله قرشي من بني أمية. قال: حدثنا أبي، وهو يحيى بن سعيد الأموي، وسعيد أوثق من أبيه. قال علي بن المديني رحمه الله: عندنا أولاد أثبت من آبائهم، فذكر سعيد بن يحيى وعيسى بن يونس. معنى يقول علي بن المديني: أن سعيد بن يحيى أثبت وأوثق من أبيه، وكذلك أيضًا سعيد أو كذلك عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الذي مر معنا في الظهر، فعيسى ابنه وإسرائيل أفضل من أبيهم وأثبت من أبيهم، وكذلك كثير من المحدثين تجدهم يكونون أثبت من آبائهم وأحفظ، كالمعتمر بن سليمان وغيره، وكذلك وكيع بن الجراح، فوكيع إمام حافظ كبير وهو أوثق من أبيه، وكذلك سعيد أو سفيان بن سعيد الثوري، وهذا كثير جدًا تجد الابن أوثق من أبيه وأضبط للحديث من أبيه، وأحيانًا يكون العكس. قال: حدثنا مسعر بن كدام، وهو أيضًا كوفي. قال: عن الحكم، الحكم هو من أعتيبة أيضًا كوفي، الإسناد كله كوفي. عن ابن أبي ليلى، وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. وكعب بن عجرة أنصاري، قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». قال: وحدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، والله بن يوسف التنيسي الدمشقي، الليث بن سعد. قال: حدثنا بن الهاد، هو أسامة بن الهاد، أسامة بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، وهو ابن الصحابي خباب بن الأرت. عبد الله بن خباب الذي قتلته الخوارج لما مر عليهم، معه زوجته، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن خباب بن خباب بن الأرت. فلم يكترثوا بأنه ابن الصحابي الجليل الذي كان من السابقين الأولين، وقد عذب في الله جل وعلا، فقاموا وقتلوه، وبقروا بطن زوجته وهي حامل، طعنوها في بطنها وهي حامل. كانوا مجرمين، أهل دماء، كما قال السلف: يتورعون في كل شيء إلا الدماء. ولهذا هذه القصة التي حصلت قبل أن يلتقوا أو قبل أن يلقوا عبد الله بن خباب، مروا على مزرعة فوجدوا ثمرة ساقطة على الأرض، فقام أحدهم أخذها، فقالوا له: لعلها أو هذه لا تحل لك، كيف تأخذ شيء ليس لك؟ فوضعها، أن تورعوا في الثمرة ولم يتورعوا في الدم. تورعوا في هذه الثمرة ولم يتورعوا في دماء المسلمين. لهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنهم، قال للصحابة: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم». معنى الذي يراهم يغتر بهم، عندهم صلاة، عندهم صيام، عندهم ورع، لكن في الدماء لا يتورعون. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «لكنهم...» قال أو قال عليه الصلاة والسلام: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». أنا إذا دخل السهم وأخرج، مثل هؤلاء يدخلون الدين ثم يمرقون منه، يخرجون منه بسبب قتلهم للمسلمين. لهذا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، تجد أكثر قتلهم في المسلمين بحجة أنهم كفار وأنهم مرتدون، وتجد أنهم يدعون الكفار الأصليين اليهود والنصارى وغيرهم، ما يقتلونهم إلاحيانًا، لكن أكثر القتل يكون في المسلمين. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». ولهذا أيضًا لما ظهروا، وجدوا معقل بن يسار وغيره، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. فقالوا: أنت منافق، سنقتلك. قال: لا ترضون مني ما رضي رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم مني؟ هل ترضون بما رضي مني رسول الله؟ قالوا: وبما رضي منك. قال: رضي بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فأنا أقولها. فلم تنفعه ذلك وقتلوه، رضي الله عنه. وعبد الله بن خباب يعتبر صحابيًا صغيرًا أيضًا. قال: عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قلنا: يا رسول الله هذا التسليم قد عرفناه، كيف نسلم عليك وهو في التشهد؟ فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم». قال أبو صالح عن الليث: أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث: «على محمد وعلى آل محمد». رادًا يبين البخاري أن هذه الكلمة لم تأت في حديث كعب بن عجرة، ولا جاءت في حديث أبي سعيد بن طريق عبد الله بن يوسف عن الليث، وإنما جاءت من طريق أبي صالح عن الليث: «على محمد وعلى آل محمد»، لكنها صحيحة، جاءت من طرق عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «كما باركت على آل إبراهيم». قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة المدني، قال: حدثنا بن نبي حازم والدراوردي، عن يزيد، أي يزيد بن الهاد، يزيد بن أسامة بن الهاد. وقال: «كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم». وهذه أسانيد صحيحة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيها زيادة «وآل محمد»، وكذلك جاء أيضًا في بعض الطرق: «كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم». لكن أكثر الطرق ليس فيها «وعلى إبراهيم»، وإنما «باركت على آل إبراهيم وصليت على آل إبراهيم»، وكلها صحيحة إن جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأفضل هذه الصيغ هي الصيغة التي في حديث كعب بن عجرة، وأيضًا في حديث أبي سعيد هذه التي ذكرها. والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هي من ذكر الله جل وعلا، وجعل الله عز وجل فيها فضلًا عظيمًا. أمر الله عز وجل بالصلاة عليه كما في الآية. وهل هذا الأمر مطلق أم أن هذا الأمر يكون عند ذكره عليه الصلاة والسلام؟ فجاءت الأحاديث أنه عند ذكره، من ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليه». وجاء كذلك أيضًا في السنن أيضًا من حديث أبي هريرة وأنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليه». وأيضًا ذكر الشيخ الألباني حديثًا أخرجه البزار والطبراني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ذكرت عنده فلم يصل عليه فقد خطي الطريق المستقيم». وهل هذه الأحاديث المراد بها عند كل صلاة أو أنها المراد بها مطلق الذكر؟ فذهب كثير من العلماء، وجعله قول الجمهور، الإمام القرطبي في العارضة، وكذلك ذكره في التفسير على أنه من أحكام القرآن، على أن هذا الحكم ليس مطلقًا، وإنما إن فعله مرة أسقط عنه الوجوب. إن فعله مرة أسقط عنه الوجوب. معنى أسقط الوجوب وليس الفضيلة، فضيلة في كل وقت. وأيضًا من صلى على النبي عليه الصلاة والسلام فله فضيلة عظيمة، فهي كما قلنا من ذكر الله جل وعلا. أيضًا هذا كما قلنا الأمر... قال: أن معنى من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرة فهو قد أسقط عنه الوجوب، لكن الأفضل أن الإنسان لا يبخل بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ولو يتلفظ بها، يتلفظ بها، وهذا أفضل. معنى من الجهر: معنى إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام يتلفظ بها. وقد جاءت فضيلة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة في مسلم، وجاء أيضًا نحوه من حديث علي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صلى علي صلاة صلى الله عليها بها عشر». من صلى علي صلاة صلى الله عز وجل بها عشر. فهذه فضيلة عظيمة، أن من يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة، يصلي الله عز وجل عليه عشرًا. صلاة الله عز وجل عظيمة، أن يصلي العبد... أن يصلي الله عز وجل على العبد، فلذلك فأجرها عظيم عند الله، أجرها عظيم عند الله، وفضائلها كثيرة لا يسعها هذا المجلس. وقد ألف العلماء مؤلفات في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ألف إسماعيل القاضي كتابًا في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، حققه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. وألف الإمام ابن القيم أيضًا «جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام» عليه الصلاة والسلام. وألف أيضًا الإمام السبكي، ألف أيضًا في فضل الصلاة على النبي الشفيع أو على الحبيب الشفيع. فالكتب في هذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، ولفت فيها مؤلفات، وفضائلها كثيرة جدًا. وأدخلت أيضًا في عبادات، منها في الصلاة، فأوجب النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام في الصلاة. لهذا قال كثير من العلم أنها واجبة كما عند أحمد، لكن المشهور في مذهب أحمد والشافعي أنها ركن. المشهور في مذهب أحمد والشافعي أنها ركن من أركان الصلاة. والصحيح أنها ليست بركن لأن الأدلة لا تسعف على الركنية، لكنها واجبة، حديث فضالة بن عبيد، فالرجل الذي صلى ودعا ولم يثن على الله عز وجل ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «عجل هذا، عجل هذا». إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه ثم يصلي عليه ثم ليدعُ بما شاء. وأيضًا هذه الأحاديث التي جاءت قد عرفنا... قال بشير بن كعب للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال بشير بن سعد... لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الأنصار قالوا: قد علمنا. قال بشير بن سعد: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت ساعة، ثم قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، أو كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد» إلى آخره. فدل على أن حمل العلماء هذا الحديث على الصلاة لأن السلام في الصلاة، فقالوا: قولوا، معنى أمر: قولوا اللهم صلِّ، فهذا يفيد الوجوب. لهذا فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة وليست بركن، لأن الأدلة لا تسعف على الركنية، ولأنها أيضًا ليست موجودة في حديث المسيء في صلاته. وأيضًا كذلك هي في الأذان وفي غيرها من العبادات. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.