كتاب التفسير من صحيح البخاري 211

كتاب التفسير من صحيح البخاري 211

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 211، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات سورة الواقعة: معاني المفردات والبعث والنهي عن الاستهزاء ودعاء رؤية المبتلى

يشرح المقطع معاني ألفاظ سورة الواقعة كالمدينين والروح والريحان، ويبين أن الله يخلق العباد في صور شتى فلا يجوز الاستهزاء بخلقه مستدلاً بالحديث النبوي في دعاء رؤية المبتلى. ويختم بتفسير آيات الحرث والزرع الدالة على قدرة الله وحده في الإحياء والإماتة.

عبرة أصحاب الجنة وتوحيد النعمة لله

يستعرض المقطع قصة أصحاب الجنة الذين منعوا حق المساكين فحول الله بستانهم حطامًا، مبينًا أن الزرع والرزق كله من الله لا بجهد البشر وحدهم. ويؤكد الواجب على المسلم حمد الله في الغنى والفقر، وإخراج حقه في النعم مع الاعتراف بأن كل خير من عند الله.

فضل المؤمن في السراء والضراء ووصف نعيم أهل اليمين

يشرح المقطع حديث النبي ﷺ أن أمر المؤمن كله خير، فيشكر في السراء ويصبر في الضراء، ثم يفسر آيات سورة الواقعة التي تصف نعيم أصحاب اليمين من سدر مخضود، ظل ممدود، ماء مسكوب، فاكهة كثيرة، وفرش مرفوعة. ويبين أن هذا النعيم جزاء للشكر والصبر في الدنيا.

تفاوت نعيم أهل اليمين والمقربين في الجنة

توضح الآيات أن الله أعد لأصحاب اليمين نعيمًا عظيمًا يشمل الأبكار والعرب الأتراب، وأن المقربين ينالون نعيمًا أعظم وأعلى من ذلك. ويشير المقطع إلى تفاوت الدرجات بحسب القرب من الله والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله في ذكر بعض الكلمات التي ذكرها في سورة الواقعة: «مدينين» أي محاسبين، «وروح» أي جنة، و«ريحان» أي رزق، و«جنة نعيم»؛ فالروح هو ما يرتاح به الشخص. فأما إن كان من أصحاب اليمين فـ ﴿سَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، سلمهم الله عز وجل من دخول النار. وأما إن كان من المقربين فـ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾، فأمرهم أعظم؛ روح أي أعظم الراحة لهم، وأعظم الراحة والكرامة، وريحان المراد به كما تقدم الرزق، أي ما يرزقون به أو ما يعطيهم الله عز وجل من الطعام والشراب. وقوله: ﴿وَنُنْشِئُكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي في أي خلق نشاء، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، في أي خلق يخلقك الله عز وجل على ما يشاء؛ قد يخلقك أبيض وطويلاً، وكذا وكذا من الصفات، وقد يخلقك على خلاف ذلك، فكله خلق الله، كله خلق الله جل وعلا، وليس هناك من يختار شكله ولا يختار لونه. لهذا قال الله عز وجل: ﴿وَنُنْشِئُكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾، فلذلك علم ذلك عند الله جل وعلا، فهو الذي يخلق العباد وهو الذي يصورهم في الصورة التي أراد سبحانه وتعالى. فلا ينبغي للمسلم أن يستهزئ بما خلق الله، لأن هذا تكبر، والذي يستهزئ بما خلق الله عز وجل فهو متكبر، ولو كان هذا الشخص في شيء من عيوب الخلق فهو الذي خلقه، هو الله. ولهذا جاء في الحديث الذي عند أحمد وفي السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا»، حتى لا يشمت قلبه بهذا المبتلى، فيحمد الله عز وجل أن لم يجعله كذلك، فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك الله به، يحمد الله عز وجل أنه لم يبتلى بهذا، وهذا من دوام العافية أن يحفظ الله عز وجل العبد الذي يأتي بمثل هذا الدعاء. وهذا الدعاء ينبغي للمسلم أن لا ينساه، وخاصة في أوقات ما يكون فيه مرض عام أو ما يسمى بالوباء؛ إذا صار هناك وباء فهذا من نوع التحصين، حصن العبد نفسه من هذا المرض، فإذا رأى مبتلى يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك الله به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا. وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال: «تفكهون» أي تتعجبون. فرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطامًا، فظلتم تفكهون، أي تتعجبون من جعله حطامًا، مثل ما ذكر الله عز وجل عن أصحاب الجنة لما خرجوا من بيوتهم مستخفين حتى لا يطلع عليهم المساكين فيأخذون ثمارهم ويبيعونها دون أن يلقوا مسكينًا يتصدقون له، فخرجوا وهم يتخافتون: ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾، فغدوا على حرد قادرين، أي أنهم يقولون الآن سنحرث ونقصد نقطع الأرض ونقطع الثمار ونذهب ونبيعها، فغدوا على حرد قادرين، فلما رأوها قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي لما رأوا هذه الجنة والبستان رأوها سوداء محروقة، قالوا: لعلنا ضللنا الطريق، ليس هذا حقنا وليس هذا بستاننا. فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، عرفوا أنهم حرموا من هذه الثمار بسبب نيتهم، بسبب نيتهم التي أخفوها وتناجوا عليها أن لا يعطون أحدًا من المساكين، فلذلك بكروا حتى لا يأتهم المسكين فيعطونه. قال أوسطهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، فصاروا بعد ذلك يتلاومون، كل واحد يضع اللوم في الآخر. لهذا قال هنا ربنا جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾، هذه الأرض التي تحرثونها ويطلع الزرع فيها، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ أي رب سبحانه وتعالى هو الذي يجعل هذا الزرع يكبر ويطلع، وهو قادر على كل شيء سبحانه وتعالى. لهذا قال ربنا جل وعلا لهؤلاء البشر الذين يظنون أنهم هم يمتلكون هذه الأشياء، وأنهم هم أصحابها، وأنهم ما داموا أنهم حرثوا فهم عملوا وطلع الزرع، وكأن الزرع هذا يطلع بالقوة سواء أراده الله أو لم يرده. لكن المؤمن يعلم أن كل خير هو من الله، كل خير يلقاه في هذه الحياة من الرزق ومن غيره، بل حتى الأعمال الصالحة هي رزق كذلك يساق إلى العبد، فيعلم أنه من الله سبحانه وتعالى، فيؤمن بذلك. لهذا قال الله عز وجل: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، أي هذا الزرع صار محطمًا كله يذهب. فقال بعد ذلك: هؤلاء الناس الذين تكبروا على الله وظنوا أن هذا بجهدهم، وأنه بسبب عملهم وكدهم في هذه الحياة حصلوا هذه الأشياء، وليس بفضل الله ورحمته وعطائه سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، معنى ذلك: إنا نحن الذين تسببنا في هذا، وحرمنا الله عز وجل بسبب ذنوبنا وبسبب هذا التكبر الذي في القلوب. فلذلك الواجب على المسلم أنه يحمد الله عز وجل فيما هو فيه، إن أعطاه الله عز وجل من هذه الدنيا حمد الله وعلم أن هذا من عند الله، فيخرج حق الله في ذلك، وإن كان لم يعطيه شيئًا وجعله فقيرًا فيحمد الله عز وجل أنه لم يكلفه مثل هذه الأموال التي قد يحاسب عليها يوم القيامة، فهو في خير. ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، صلوات الله والسلام عليه، كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي صهيب، أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ». هذه كرامة للمؤمن يعيش في هذه الحياة وهو مكمن، وهو في راحة البال، إن أعطي من الأموال أو لم يعطَ، ليس السعادة في المال، وليس السعادة كذلك في الجاه، وليس السعادة في مثل هذه الأمور، السعادة في القناعة والطمأنينة فيما أعطي العبد، فإن أعطي خيرًا شكر ربه جل وعلا وعلم أنه من الله، وإن لم يعطَ صبر وعلم أن هذا ابتلاء من الله، فهو في كلا الحالتين يؤجر على وضعه ذلك. قال رحمه الله: وقال «عربًا» أي مثقلة، واحدها «عرب» مثل صبور وصبر، تسميها مكة «العربة»، وهل المدينة «الغنجة»، وهل العراق «الشكلة». «عربًا أترابًا»، وتقدم أن العرب هي الشابات، وكذا «عربًا أترابًا» يقول هنا: المثقلة واحدة «عرب»، وعنى تكون مثقلة بالجمال والخير، «عربًا أترابًا» لأصحاب اليمين. وقال في «خافضة لقوم إلى النار ورافعة إلى الجنة»، وعنى خافضة رافعة أي خافضة أقوام ورافعة أقوام، أي إذا قامت القيامة، إذا وقعت الواقعة، أي قامت القيامة، ليس لوقعتها كاذبة، لا يستطيع أحد أن يكذبها، إذا وقعت ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، تخفض أقوامًا تضعهم في النار، وترفع أقوامًا وتشرفهم في الجنة، خافضة رافعة. ثم قال: ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ أي منسوجة، ومنه «وضين الناقة»، والكوب لا آذان له ولا عروة، العروة عن الشيء الذي يمسك الكوب، فـ «موضونة» معنى أكواب كأنها منسوجة من الحرير، وليس لها آذان وليس لها أيضًا ما يمسك. قالوا: «دَوَار» قالوا الأباريق، «دَوَار» الآذان والعراء، معنى إذا أسمي إبريق فهو له آذان يمسك بها أو عروة يمسك بها فهذا إبريق، وأما إذا لم يكن له آذان ولا عروة يسمى «موضون»، يسمى «موضون» كأنه منسوج حتى لو كان من الزجاج. قالوا: ﴿فُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾، ﴿وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي جارٍ، أنا هذا في لما وصف الله عز وجل الجنة وأصحاب اليمين: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، السدر الشجرة، شجرة السدر، ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾، هذا الظل ممدود ليس هناك شمس، فظلهم عظيم، ﴿وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ هذا الماء جارٍ، كما قال الله عز وجل في وصف الجنة، معناه وصفها بجريان هذه الأنهار فيها: ﴿أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ لا يتغير أبدًا بل طعمه ثابت. قالوا: ﴿فُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ بعضها فوق بعض، ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي متمتعين، أنا هذا التمتع العظيم والنعيم الذي أعطاه الله عز وجل أهل الجنة، وصفه الله عز وجل في هذه الآيات فيما أعطى الله عز وجل لأصحاب اليمين: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، هذا كله جعله الله عز وجل لأصحاب اليمين، ودل على أن المقربين أعظم مما يعطيهم الله عز وجل، أعظم من هذا، أعظم من هذا النعيم الذي يعطى لأهل اليمين أو لأصحاب اليمين.