كتاب التفسير من صحيح البخاري 214

كتاب التفسير من صحيح البخاري 214

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 214، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تسمية سورة الحديد وخلاف العلماء في نسبتها

تتناول السورة سبب تسميتها بالحديد لنزول آية تذكر إنزاله بأسه ومنافعه، ويناقش المقطع خلاف العلماء في كونها مكية أو مدنية؛ فالأكثر على أنها مدنية لغلبة الآيات المدنية وذكر فتح مكة، بينما يستدل القائلون بمكيتها بآيات أول السورة وآخرها ورواية ابن مسعود، والراجح أنها مكية مدنية.

ترتيب آيات القرآن وتفسير مستهل سورة الحديد

يوضح المقطع كيفية ترتيب النبي للآيات بغض النظر عن نزولها، ويذكر اختلاف الروايات في عدد آيات سورة الحديد، ثم يفسر معاني الآيات المتعلقة بالحديد والأنوار يوم القيامة ومصير المؤمنين والمنافقين.

مصير المنافقين ونورهم يوم القيامة على الصراط

يُعطى المنافقون نوراً في المحشر ثم يُطفأ عند دخولهم ظلمة الصراط، فيطلبون من المؤمنين الاقتباس من نورهم فيُردّون للتماسه خلفهم فلا يجدونه، ويُضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، باطنه الرحمة للمؤمنين وظاهره العذاب للمنافقين.

عدم ذكر حديث في سورة الحديد وشرط البخاري

يوضح المقطع أن المؤلف لم يورد حديثاً عن سورة الحديد، مرجحاً عدم ثبوت حديث على شرط البخاري، ويشير إلى حديث ابن مسعود في صحيح مسلم كسبب نزول آية لكنه غير مذكور لدى البخاري.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الحديد. وسورة الحديد هكذا هي مسمى في مصاحف الصحابة رضي الله عنهم، كما ذكر ذلك أبو عمر وغيره. وعرفت بالحديد مع أن لذكر الحديد فيها، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس. مع أن الحديد قد ذكر في سورة الكهف، لكن سورة الكهف لم تسمى بالحديد، وإنما بسورة الكهف للإعلام عن قصة أهل الكهف، ولأن القصة الكبيرة التي في سورة الكهف. وسميت هذه "الحديد" بهذا أيضًا لأجل أن في سورة الحديد ذكر الله عز وجل أنه أنزل هذا الحديد، أو هذا الحديد لأجل أشياء كثيرة، ومن أعظمها السلاح، أنه يصنع منه السلاح، فيه بأس شديد ومنافع للناس أيضًا. فيه منافع أخرى غير السلاح، وتجد الآن الحديد يدخل فيه أشياء كثيرة جدًا، فهو نعمة من نعم الله عز وجل التي أعطاها لعباده، سخرها لهم، وأثبتها في هذه السورة. هل هي مكية أو مدنية؟ فمن أهل العلم -وهم أكثر أهل العلم- يقولون: إنها مدنية، لأن أكثر آياتها مدنية. أكثر آيات هذه السورة مدنية، وذكر فيها أيضًا من كان بعد الفتح، ولا شك أن هذا يعتبر من المدني، معناه: من نازل في المدينة. "لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل"، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، فالله عز وجل ذكر الفتح وهو فتح مكة، فدل ذلك على أنها آية مدنية، ولا شك. والذين ذكروا أنها مكية ذكروا الآيات الأولى في السورة والآيات الأخيرة، وأيضًا استدلوا بما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عندما قرأ قول الله جل وعلا: "ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق" إلى آخر الآية، فقال: ما بين إسلامنا وما بين نزول هذه الآية إلا أربع سنوات. ما بين إسلامنا... ولا شك أن ابن مسعود أسلم قديمًا، من أول من أسلم في بداية الدعوة، والظاهر أنه أسلم في الدعوة الجهرية، وقيل أنه أسلم قبل ذلك، والمهم أنه أسلم قديمًا، ونزلت هذه الآية يقول: بعد أربع سنوات من إسلامه، يدل على أنها نزلت في مكة. ولهذا استدل بهذا من يقول إنها في مكة. ولا شك أن السورة فيها آيات في مكة، وفيها آيات في المدينة، فهي مكية مدنية، فيها آيات مكية وفيها آيات مدنية. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: "اكتب آية كذا في سورة كذا، اكتب آية كذا في سورة كذا"، فهو يرتب الآيات، فتجد أن آية مكية يضعها عند آية مدنية والعكس، فلذلك لا يشترط أن تكون السورة مكية مثلاً تكون آياتها كلها مكية، وإنما يمشون على الغالب: إذا كانت آياتها أكثرها مكية قالوا مكية، وهكذا. طيب، وسورة الحديد كم آيات؟ سورة الحديد: تسع وعشرون آية في رواية البصريين والكوفيين، وأما رواية أهل المدينة ومكة وأهل الشام فثمان وعشرون آية. طيب، قال: قال مجاهد: "جعلكم مستخلفين" أي معمرين فيه، مستخلفين في هذا المال تعمرونه وتستفيدون منه. قال: "من الظلمات إلى النور" أي من الضلالة إلى الهدى. إنه يخرجه من الظلمات إلى النور، أي من ظلمات الضلالة والجاهلية إلى نور الإسلام ونور الهدى الهداية. قال: "فيه بأس شديد ومنافع للناس": جنة وسلاح. أما جنة: أي تروس، هذه التروس التي يتقى بها السيوف تسمى جنة. وأيضًا سلاح، سواء كان السلاح الذي يلبس أو السلاح الذي يحارب به. السلاح الذي يلبس أقصد الدروع، الدروع التي تلبس من الحديد حتى لا يصاب الإنسان بسيف أو بسهم، فيتقي هذا الدرع الذي يكون من الحديد، فلذلك كان هذا الحديد فيه بأس شديد. فيه بأس شديد لا يستطيع السلاح أن يدخله لأنه قوي، وفيه صلابة، أن السيف لا يستطيع أن يشق الحديد، السهم أيضًا لا يستطيع أن يشق الحديد، بل حتى الرصاص، الرصاص هذا الذي هو قوي جدًا في اختراقه، مع أن بعض الحديد لا يستطيع أن يخترقه لأجل شدة هذا الحديد، فلذلك وصفه الله عز وجل بالبأس الشديد. ومنافع للناس أيضًا ينتفع الناس بهذا الحديد في سلاحهم وغيرهم. وقوله: "مولاكم والله مولاكم" أي أولى بكم. أنا أولى بكم، والله مولاكم أي هو الذي يتولاكم سبحانه وتعالى. أو قال: "ما أواكم النار هي مولاكم"، أنا أنتم تستحقونها هي مولاكم، أي أنتم تستحقونها فهي أولى بكم، فهي أولى بكم. قال: "انظرونا" أي انتظرونا. "انظرونا نقتبس من نوركم". قيل: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا". فربنا جل وعلا يعطي الناس من الأنوار العظيمة يوم القيامة، يقسم هذه الأنوار في الناس، فلذلك هذه الأنوار يعطاها المؤمن والمنافق، يعطاها المؤمن والمنافق. وكما جاء عن عبد الله بن مسعود، وأقصر بن مسعود، وجاء نحوه عن عبد الله بن عباس، أنه قال: يجتمع الناس بعد الحشر، أنا بعد انتهى الحساب، ويأتي معناه ويذهب كل أمة إلى مع من يعبدون في النار، وكل مشرك وكافر يدخل النار، فيبقى هذه الأمة ومنافقوها. وجاء في حديث: "ومنافقوها"، فالظاهر أن هؤلاء كما قال ابن مسعود يجتمعون في مكان فيه نور، يوزع النور، كل واحد يعطى نورًا على حسب ما يعطى، ثم يدخلون الصراط، لأن الصراط يحتاج إلى نور، لأنه في ظلمة، ظلمة شديدة، يحتاج كل واحد منهم إلى نور يمشي به. "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار"، فأهل الإيمان نورهم بين أيديهم يدخلون الجسر ومعهم هذا النور العظيم، يدلهم بما بين أيديهم وكذلك عن إيمانهم، فكل واحد بحسب نوره. وأما المنافقون فيعطون النور، يعطون نورًا، ثم إذا دخلوا الظلمة انطفأ عليهم النور، إذا دخلوا الظلمة انطفأ عليهم النور، فيقولون لأهل الإيمان: "انظرونا نقتبس من نوركم"، يعطوننا من نوركم شيئًا حتى ندخل إلى هذا الجسر. "انظرونا نقتبس من نوركم"، قيل: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"، اذهبوا إلى المكان الذي يقسم فيه النور، ستجدون من يعطيكم النور فتكتفون به، فيذهبون فلا يجدون شيئًا من النور، أن انتهى ذلك النور الذي كان قبل. وهذا ربنا جل وعلا يجعله كالشيء الواقع. أهل النفاق أعطوا نورًا لإسلامهم لكنهم لم يأخذوا بحقه، بل عارضوه وأنكروه، فلذلك يعطون من هذا النور ثم يرفع عليهم ويذهب هذا النور من بين أيديهم، فيبحثون عنه فلا يجدونه، يريدون هذا النور لأجل أن يمروا الصراط، لأنهم إذا مروا الصراط بدون نور لا شك أنهم سيسقطون في نار جهنم، العياذ بالله، فيقولون للمؤمنين: "انظرونا نقتبس من نوركم"، انتظرونا حتى نأخذ من نوركم أو أن تضيعوا لنا الطريق، فيقولون: قيل "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"، فإذا رجعوا وراءهم لم يجدوا شيء من هذا النور، فضرب بينهم بسور له باب، باطنهم فيه الرحمة وظاهرهم من قبله العذاب، ينادونهم: "ألم نكن معكم؟" أنا كنا معكم نصلي معكم في المساجد وكذا، "ألم نكن معكم؟" قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء الحق. فهؤلاء غرتهم هذه الدنيا وفتنوا بها، وكذلك أيضًا غرتهم الشبهات وأردتهم الشهوات، فصاروا بعيدين عن أهل الحق، وأيضًا عن ما ذكرهم الله عز وجل من أهل النور، فلذلك يقال: "انظرونا نقتبس من نوركم"، قيل: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"، فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، إلى آخر الآيات. فهذا المراد أو ذكر بعض الكلمات التي جاءت في سورة الحديد، ولم يذكر المؤلف حديثًا في هذه السورة، ولعله لم يثبت على شرطه حديث، لم يثبت على شرطه حديث، وإلا كما ذكرنا حديث عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم في سبب نزول هذه الآية، لكن الظاهر أن الإمام البخاري أنه لم يكن على شرطه، فلذلك لم يذكره. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. على ترجمة نانسي قنقر.