الدرس في شرح منظومة الألبيري 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن العلم يشبه السيف العضب الذي يصيب أهل البدع، والكنز الذي لا يُسرق لأنه محفوظ في الصدر، مستدلاً بآية قرآنية وأقوال عمر بن الخطاب وابن تيمية على أهمية الحفظ لطالب العلم.
يبيّن أن العلم الحقيقي يُكتسب بالتعلم والحفظ والفهم لا بمجرد تخزين الكتب، وأن حفظه في الصدر خير من وضعه في الصناديق، كما أن العلم يزيد بنشره وينقص بكتمانه، داعياً لطلبه لذوق حلاوته الروحية.
من ذاق حلاوة العلم انشغل به عن الطعام والنوم والشهوات، مستشهداً بأقوال النضر بن شميل والشافعي وابن تيمية أن أصل حركات العالم المحبة، فالعلم روض للقلب يُؤثر على زخرف الدنيا.
يؤكد أن طالب العلم لا يحرم نفسه من الزواج أو التنزه، بل يعطي كل ذي حق حقه دون إفراط في الدنيا على حساب العلم، لأن طلب العلم أعظم مطلوباته وأكثر ما ينشغل به للذة والنفع.
الحمد لله أحمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال ابن البير رحمه الله في منظومته في الآداب والحث على العلم: "قال: هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت، وكنز لا تخاف عليه لص، خفيف الحمل يوجد حيث كنت، يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص به كفا شدت، فلو قد ذقت من حلواه طعما، لآثرت التعلم واجتهدتا، ولم يشغلك عنه هوى مطاع، ولا دنيا بزخرفها فتنتا، ولا ألهاك عنه أنيق روض، ولا خدر بزينتها كلفتا، فقوت الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمت ولا شربت، فواضبه وخذ بالجد فيه، فإن أعطاكه الله انتفعت". قوله هاهنا: "هو العضب المهند ليس ينبو"، المراد بالعضب هو السيف، فهذه من أوصافه، ومعنى العضب: أي القاطع، فالعضب نسبة إلى حده أو حدة القطع، فشبه العلم بالسيف البتار، بالسيف البتار. وأيضا قوله: "المهند"، قيل: ينسب إلى الهند، بمعنى أنه صنع في الهند، وهذا مما يوصف به السيف، فيقال فيه: مهند، وعضب، وبتار، وصالم، فكل ذلك من أوصاف السيف. "هو العضب المهند" يعني: هو السيف القاطع شديد القطع الذي صنع في بلاد الهند، وكانت هذه السيوف مشهورة، التي تصنع في الهند كانت مشهورة. فقال: "ليس ينبو"، ومعنى "ينبو": يعني يخطئ، فالنبو أو النبو بالواو هو خطأ الضربة، فمعنى "ليس ينبو": يعني ليس يخطئ موضعه، فيضرب به في المكان الذي أريد الضرب فيه، الموضع الذي أريد الضرب فيه، فهو سيف بتار لا يخطئ الإصابة، لا يخطئ الإصابة. "ليس ينبو" يعني: ليس يخطو، "تصيب به مقاتل من أردت"، المقاتل هي مواضع القتل في الإنسان، يعني المواضع التي يقتل بها الإنسان، فهناك مواضع إذا ضربت فيها يموت الإنسان على طول، كالرأس مثلا، وبعض المواضع الأخرى. فقوله: "تصيب به مقاتل" يعني مواضع القتل من الإنسان، "من أردت" يعني: من أردت قتله. فهنا شبه العلم بالسيف لقوة سلطان العلم، فالعلم سبب لخصم وصرع كل عدو لهذا الدين، فبالعلم ترد الشبه، فالراسخ في العلم إذا رد على أهل الباطل باطلهم أصابهم في مقتل، أصابهم في مقتل، ولا يستطيع أحد أن يغلب صاحب العلم لأن حجته ساطعة وقوية، فهو يرد الشبه والبدع. ولذلك قوله: "من أردت" يعني: من أهل البدع والأهواء، من أهل البدع والأهواء، "تصيب به مقاتل من أردت" يعني: من أهل البدع والأهواء. فهذا معنى قوله: "هو العضب المهند"، ولا يزال المؤلف أو الناظم يبين لنا فضل العلم والحث على العلم، فمن فضائل العلم أن صاحبه ذو حجة قاطعة، وذو غلب على غيره من أهل البدع والأهواء، هذا هو المراد. ثم قال: "وكنز لا تخاف عليه لصا، خفيف الحمل يوجد حيث كنت". فقوله: "وكنز" يريد بالكنز هنا العلم الذي في الصدر، يريد بالكنز هنا العلم الذي في الصدر، لا العلم الذي في الكتاب أو في الجهاز أو في الدفتر، فإن هذا لا يصدق عليه هذا الوصف، فالكتاب قد يسرق، صح، والجهاز قد يسرق، أو كذلك يمسح ما فيه ولو بالخطأ، لكن الذي في القلب من المحفوظات ومن العلم فإنه يبقى ببقاء عقل الإنسان، صح. فقوله هنا: "هو الكنز" أو "كنز" يعني به العلم الذي في الصدر، وهذا فيه فضل حفظ العلم، فضل حفظ العلم. ولذلك يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم مادحا أهل العلم بحفظهم لكتابه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، في صدور الذين أوتوا العلم. وفي صحيح مسلم من حديث زيد، أو أبي زيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، حديث أبي زيد عمر بن الخطاب لما حدث النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة حديثا طويلا ساعات طويلة عليه الصلاة والسلام وهو يحدث الصحابة، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "فكان أعلمنا أحفظنا"، فكان أعلمنا أحفظنا، لأن الذي يحفظ يبقى علمه، أما الذي لا يحفظ أو يكتب، وإن كان ربما يحفظ في المستقبل، لكن ليس كمن يحفظ مباشرة ويكون العلم في قلبه عندما يسمعه، فهذا هو الأفضل. والرحبي يقول في الرحبية: "فاحفظ، فكل حافظ إمامه"، فاحفظ، فكل حافظ إمامه، فطالب العلم ينبغي عليه أن يحرص على الحفظ، ما يكتفي به الكتابة، كم من دفاتر كتبت وكتب ألفت ذهبت وضاعت وحرقت ونحو ذلك، لكن العلم الذي في صدرك ما يذهب ما دمت حيا عاقلا، يبقى معك هذا العلم، يبقى معك هذا العلم، فالحفظ أمره عظيم. ولذا قال في العلم: "وكنز"، أي العلم المحفوظ، "لا تخاف عليه لصا"، يعني لا تنشغل وتخاف من أن يسرق، بخلاف المال أو العلم المكتوب في الكتب، فإنك تخاف أن يسرق، هو السرقة، صح، لكن الذي في صدرك حتى لو سرقت أنت وأخذت أنت يبقى العلم في صدرك ما يسرق، وتنتفع به، وتنتفع به، وتقرأه وتراجعه، بل ربما تؤلف، كما ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، كم ألف من كتب وهو في السجن، ألف كتب وهو مسجون، لأن علمه في صدره، لأن علمه أين؟ في صدره. "وكنز لا تخاف عليه للصدر"، لا تخاف أن يسرقه السراق، وأن يأخذوه. "خفيف الحمل يوجد حيث كنت"، ومعنى "خفيف الحمل": لأن الناظم في عصره ما كان عندهم هذه الأوراق النقدية ومصارف وبنوك، كان الذي عنده كنز ربما يكون ملء غرفة أو بيت أو صندوق كبير، لأن الكنوز كانت الذهب والفضة، فهو يضعها في بيته أو في مكان وهو يخاف عليه أن يسرقه، ومع خوفه فهي ثقيلة، لكن العلم كنز كبير وعظيم، وفي نفس الوقت خفيف الحمل، تستطيع أن تحمله في أي موضع وفي أي مكان، بخلاف الكنوز التي تمتلكها من كنوز هذه الدنيا، فإنك وإن أردت أن تنتقل بها فتتعب في نقلها، تتعب في ماذا؟ في نقلها وحملها، فهذا معنى قوله: "خفيف الحمل يوجد حيث كنت"، أي مكان، فعلمك معك. ثم قال: وهنا يذكرون أبيات عن العلماء في فضل حفظ العلم، وهذا مما تحث الطالب وترغبه في الحفظ، وترغبه في الحفظ. فقال قائل: "واعلم بأن العلم بالتعلم والحفظ والإتقان والتفهم"، هذا هو العلم، العلم ما ينزل عليك من السماء كما يدعي الصوفية: "حدثني قلبي عن ربي"، لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم"، أنت إذا أردت العلم لابد أن تتعلم، وإذن قال: "واعلم بأن العلم بالتعلم والحفظ والإتقان والتفهم"، حفظ مع إتقان، هذا الحفظ مع فهم ما تحفظ، فإن أعطيت هذه فقد أعطيت علما كثيرا. وقال الآخر: "استودع العلم قرطاسا فضيعه، فبئس مستودع العلم القراطيس". ما معنى هذا البيت؟ يعني وضع علمه في القراطيس، بمعنى الدفاتر والكتب، ما حفظه، فضيعه، ضيع هذا القرطاس، فبئس مستودع العلم القراطيس، يعني هذا من باب الذم، "بئس فعل ذم"، يعني ليس العلم بوضعه ووضعه في القراطيس، إنما في الصدور. ويقول ابن حزم، أبو محمد الأندلسي رحمه الله: "علمي معي حيثما يممت يصحبني"، يممت يعني توجهت، "علمي معي حيثما يممت يصحبني، قلبي وعاء له لا بطن صندوق"، يعني وعاءه قلبي، ليس كتاب في الصناديق أو كتب في الصندوق، لا، "قلبي وعاء له لا بطن صندوق، إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق، في أي مكان، في البيت، في السوق، في الأمن، في الخوف، في الرخاء، في الشدة، في أي حال وفي أي مكان، فعلمي في معي، فعلمي معي في قلبي"، وهذا يدل على فضل العلم، على فضل العلم. ثم قال: "يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شدت". هذا فيه حث على نشر العلم وبثه، فقال: "يزيد بكثرة الإنفاق منه"، أي من فوائد العلم، كلما ازددت نفق منه، كلما ازددت علما ومعرفة، فهو ينمو ويكثر بالإنفاق منه، فالله عز وجل يبارك في علم العالم إذا بثه ونشره وأنفقه، فهو يزيد بكثرة الإنفاق منه، فإذا أوصله إلى الآخرين وعلم هذا العلم، بارك الله له في علمه، وفتح عليه أبوابا كثيرة من أبواب العلم مما لا يحتسب، مما لا يحتسب. وهذا كما تقدم فيه الحث على نشر العلم، وذكر العلماء أسباب كثرة العلم بالإنفاق، فقالوا: أولا: تعليم العلم سبب لرسوخه وإتقان صاحبه، تصور تدرس العلم، فأنت تذاكر معلوماتك، صح، وتراجع معلوماتك، وربما تبحث، مرت بك مسألة تبحث في هذه المسألة، البحث هذا يطلعك على معلومات أخرى ما كنت تعلمها، صح، وهذا من الزيادة في العلم، من الزيادة في العلم، بخلاف إذا تتعلم ولا تعلم، فإن لم يبقى علمك في قلبك الذي حفظته فسينقص، لأنك ما راجعته وما ذاكرته وما علمته، ولربما تنسى العلم الذي قد حفظته، وهذا مجرب، فلان يقول لك: "أنا نسيت الفرائض لأنني ما علمتها"، أو "نسيت هذه المسألة لأنني بعيد عهد بها"، لكن لو كان يدرسها ويعلمها سترسخ، بل ربما يحفظ الكتاب كلمة كلمة، خصوصا إذا كان يدرس هذا الكتاب دائما وأبدا، كلما انتهى منه أعاده، فهذا سيرسخ الكتاب في ذهنه، فهذا من أسباب ماذا؟ زيادة العلم بالإنفاق منه، فهو مثل المال، يقول عليه الصلاة والسلام: "لا ينقص مال من صدقة"، وهكذا العلم وهو أعظم الصدقات، بث العلم أعظم من صدقة المال، فلا شك أنه لا ينقص علمك بل يزيد، بل يزيد، وهذا معنى قوله: "يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شدت"، بمعنى إذا بخلت بالعلم وشددت، بمعنى لم تعلم إخوانك، فإنه ينقص، وعرفنا سبب ذلك، فهذا معنى قوله: "يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شدت". ثم قال: "فلو قد ذقت من حلواه طعما، لآثرت التعلم واجتهدت". هذا البيت فيه حث من الناظم لهذا الرجل أن يدخل في العلم والطلب حتى يذوق حلاوته، فيه فيقول: لو إن دخلت في العلم فإنك تتحصل على حلاوة ولذة، فإن ذقت هذه الحلاوة واللذة فإنك لن تتوقف عن السير الحثيث في طلب العلم، فهذا معنى قوله: "فلو قد ذقت من حلواه طعما"، يعني لو ذقت حلاوة العلم، فالعلم له حلاوة وذوق، له حلاوة وذوق، فهناك أمور معنوية لها طعم، ولها حلاوة، ولها لذة، وقد وردت في بعض الأحاديث، ومنها طلب العلم، فمن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث العباس بن عبد المطلب: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا"، ذاق طعم الإيمان، إذن الإيمان له طعم، ليس الطعم في الأشياء الحسية فحسب كأكل ألذ المأكولات والمشروبات، بل هناك لذة أعظم، وهي لذة الإيمان والطاعة والعلم. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك عند الترمذي: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: "حلق الذكر"، فسماها رياض الجنة، ورياض الجنة تتلذذ النفس بالدخول إليها والنظر في اخضرارها وفي ما يجري من مائها، فرياض الجنة هي هذه المجالس، فهي مجالس الرحمة والسكينة، والسكينة هي الاطمئنان في القلب والخشوع، كما قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، من حديث، أو في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيما عنده"، نزلت عليهم السكينة، فمجالس العلم مجالس لذة وراحة وخشوع. لما جاء في صحيح مسلم من حديث حنظلة، لما جاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: "يا أبا بكر، نافق حنظلة"، قال: وما ذاك؟ قال: "نكون عند النبي عليه الصلاة والسلام يذكرنا بالجنة والنار حتى وكأن رأي عين"، حتى وكأن على رؤوسنا الطير، ما معنى "على رؤوسنا الطير"؟ يعني نكون في حالة خشوع وسكون، مثل الشيء الثابت، الشجرة الثابتة أو الحجر الثابت، فيأتي الطير يظن أن هذا الصحابي الخاشع الساكن شجرة أو حجرة ثابتة، فربما نزل على رأسه، هذا دليل ماذا؟ الخشوع والسكون والطمأنينة، وهذا شيء مشاهد، كلما تردد العبد على مجالس العلم كلما شعر بالراحة والطمأنينة واللذة والسكينة، وهكذا عند بحثه، وعند تأليفه، وعند مراجعته، وعند معرفته بمسائل جديدة يشعر بلذة وطمأنينة. ولذلك يقول النضر بن شميل رحمه الله: "لن تجد لذة العلم حتى تجوع وتنسى جوعك"، لن تجد لذة العلم، يعني بانشغالك بلذة العلم ما تبالي بأكل ولا شرب، ولا ربما تنشغل ما تدري إلا وأذن الفجر، تستغرب، تظن أن الوقت لا يزال وقت ليل، لانشغالك ولذتك بالانشغال بالعلم، وهكذا إمام الشافعي ربما يؤتى له بالطعام فلا يجد وقتا لأكل هذا الطعام لانشغاله بلذة العلم، وكذا عبر بعضهم عن ذلك، يروى عن الشافعي وغيره، وعن ابن مطروح الشيرازي أنه كان يقول: "سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية، وطيب عناق، وتمايلي طربا لحل عويصة، أشهى وأحلى من مدامة ساقي، وصرير أقلامي على أوراقها، أشهى وأحلى من الدوكات والعشاق"، أو كما قال، وهو يعبر عما يجد من لذة وراحة في بحثه وفي طلبه للعلم، "حتى تجوع وتنسى جوعك"، فكلما أحب الإنسان العلم وذاق طعمه، كل من شغل به، فعلامة محبة العبد للشيء انشغاله به، فمن أحب الدنيا انشغل بها، ومن أحب العلم وتلذذ به انشغل بالعلم، ومن أحب الترف واللهو واللعب انشغل به. هناك عبارة تنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه قال: "أصل حركات العالم إنما هي المحبة"، أصل حركات العالم إنما هي المحبة، ما الذي يجعلك تجلس في المسجد تحفظ وتقرأ وتحضر حلقات العلم؟ محبة العلم، صح، فما الذي يحركك؟ محبة العلم، هذا علامة. لكن الإنسان إذا رأيت الناس يعملون العلم والناس يجلسون مجالس العلم وهو على الدكة أو في الشارع، هذا دليل أنه ما يحب العلم، صح. إنسان الناس من شغلون في دنياهم من الصباح إلى الظهر، ومن العصر إلى بعد العشاء، سعي وكد في هذه الدنيا، هذا دليل ماذا؟ حبهم لهذه الدنيا. إنسان تجده العصر في الملعب يلعب كرة، والمغرب يشاهد مباراة، وفي الليل يروح إلى النادي، هذا دليل محبة لماذا؟ للهو واللعب. فكما قال شيخ الإسلام: "أصل حركات العالم ما هي؟ المحبة"، من أحب شيء شغل به، فأنت إذا أحببت العلم ستنشغل بالعلم، وإن أحببت الدنيا ستنشغل بالدنيا، وإن أحببت الله ستنشغل بالله، وهكذا، إن أحببت الزوجات ستنشغل بالزوجات، فنسأل الله عز وجل أن يجعل همنا العلم والرغبة فيه، فهذه علامة. فلذلك يقول هنا: "فلو قد ذقت من حلواه طعما"، إذا طعمت لذة العلم الذي لا تعادلها لذة، "لآثرت التعلم واجتهد"، يعني لم تقدم على العلم شيئا، لأنه قد ظفرت بأمر عظيم، يا طالب العلم لا تبغي به بدلا، فقد ظفرت ورب اللوح والقلم، فهذا معنى قوله: "فلو قد ذقت من حلواه طعما، لآثرت التعلم واجتهدت"، اجتهدت في طلب العلم، في حضور مجالس العلم، بقضاء جل وقتك في العلم والتعليم والتأليف والدعوة إلى الله، فهذا دليل محبة العلم، ودليل الرغبة في العلم، وطعم لذة العلم. ثم قال: "ولم يشغلك عنه هوى مطاع، ولا دنيا بزخرفها فنتا"، يعني لم يشغلك عنه، الضمير هنا يعود على ماذا؟ على العلم، يعني لم يشغلك عن العلم هوى مطاع، يعني الأهواء المطاعة، "هوى مطاع" يعني الهوى الذي تطيعه، وإنما سمي الهوى هوى لأن النفس تهوى وتحبه وتميل إليه، فقد تميل النفس إلى الراحة والدعة، وقد تميل إلى اللهو واللعب، وقد تميل إلى البدع والأهواء والعياذ بالله، ولكن إذا ذقت طعم العلم لم يشغلك عنه هذا الهوى الذي تطيعه، "هوى مطاع" يعني تطيع هذا الهوى وتنجر خلفه، لم يشغلك عنه هوى مطاع، "ولا دنيا بزخرفها فنتا"، يعني ما أشغلتك هذه الدنيا عن العلم، وكما تقدم أن الإنسان إذا أحب شيئا انشغل به، فالذي أحب العلم لم تشغل هذه الدنيا لأنها زائلة، ثانية، والزخرف هو الشيء المغطى بزينة ومظهر حسن يسمى زخرف، قل لك: هذا السيار مزخرف، أو هذا الفرش مزخرف، يعني فيه شيء من الزين، والدنيا هكذا، فلم يشغلك عنه، عن العلم، هوى مطاع، ولا دنيا بزخرفها فنتا، فهي فتنة، كما أخبر الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، والدنيا هنا لا تظن أنها تشمل الأموال فحسب، فالدنيا يشمل الأموال والنساء، وطلب الرئاسة والملك والسلطة والوزارة ونحو ذلك، كل ذلك يدخل في معنى الدنيا، فاللفظ هنا عام. ثم قال: "ولا ألهاك عنه أنيق روض، ولا خدر بزينتها كلفتا". قوله: "ولا ألهاك عنه"، يعني ما التهيت عن العلم بأنيق روض، ومعنى "أنيق روض": الأنيق، نعم، الشيء الحسن، هنا قال: أي حسن روض، أنيق يعني الشيء الحسن، والروض يعني الحدائق والبساتين، الحدائق والبساتين، فكما أن العلم من ذاق حلاوته لا يشغل عنه الهوى المطاع ولا الدنيا، فكذلك ما يلهيك عنه حسن المناظر من البساتين والأشجار وجمال هذا الكون، لا يلهيك عنه، ولذلك أهل العلم يعدون العلم روضا ورياضا للناظرين، أعظم وأحسن من رياض هذه الدنيا، وقد عبر العلماء عن هذا المعنى في كتبهم التي يؤلفونها، فبعض أهل العلم سموا مؤلفاتهم بما يدل على ما قام في قلوبهم من هذا الإحساس، إحساس أن العلم لذة وراحة وروض ورياض، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فمثلا، الإمام النووي سمى كتابه ماذا؟ "رياض الصالحين"، رياض جمع روض، انظر، سماه رياض، هل يريد بالرياض يعني هذه البساتين الموجودة في الدنيا؟ لا، يريد رياض العلم، فهمتم، كما قال عليه السلام: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، قالوا: ما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر"، وهكذا، من سمى كتابه "الروض المربع"، و"بستان العارفين"، و"الرياض الناظرة"، كل هذا كتب في العلم، كتب في ماذا؟ في العلم. وشيخ الإسلام ابن تيمية له عبارة يذكرها تلميذه ابن القيم، فيقول: "إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، ما يريد بجنة الدنيا؟ ما المراد بجنة الدنيا؟ ما يجده المؤمن من طعم ولذة الإيمان والعلم والعبادة والطاعة، هذه جنة، "إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، فكل هذا يدل على هذا المعنى، أن العلم روض، وكذلك شعور بالراحة والطمأنينة، فلا، "فلا ألهاك عنه أنيق روض، ولا دنيا، ولا خدر بزينتها كلفتا"، المراد بالخدر يعني الزوجة، يعني، يعني ما ألهاك عن هذا العلم، لا روض من رياض هذه الدنيا، ولا زوجة حسنا بزينتها وجمالها كلفتا، أي شغلتا ولهيتا، وليس معنى هذا أن المؤمن لا يتلذذ بهذه الأمور من الدنيا، ولكن المعنى أنه لا يرغب فيها كثيرا لانشغاله بالعلم، فلا يعطي جل وقته للترف والرحلات والانشغال بهذه الأمور الدنيوية، ولا يجعل جل وقته منشغلا بزوجته والانشغال بها، وإنما يعطي كل ذي حق حقا، ويكون همه طلب العلم، ينبغي أن نفهم ذلك، فطالب العلم لا يحرم نفسه من التنزه أو من الزواج أو نحو ذلك، ليس هذا المعنى، وإنما المعنى أنه لا ينشغل ويلتهي بهذه الأمور ويكثر منها على حساب العلم، لأن العلم أعظم مطلوب عنده، أعظم مطلوب عنده، وأكثر ما ينشغل به هو طلب العلم، لما يجد فيه من راحة ولذة ونفع ونحو ذلك. نكتفي في هذا الدرس بما أخذنا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم، إلى هنا والله تعالى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.