الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي يعلى بن أمية رغبته في رؤية نزول الوحي، فحدث ذلك بالجعرانة حين سأل رجل متطيب النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحرام في جبة بعد التطيب، فنزل الوحي وأشار عمر ليعلى ليحضر لحظة النزول. ويصف هذا الموقف سياق نزول الوحي المتعلق بأحكام الإحرام بالطيب.
يصف المقطع حال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي حيث يحمر وجهه، ويغطو كغطيط النائم، ويتصبب عرقاً حتى في اليوم الشديد البرودة لشدة ثقل الوحي. ثم يسرى عنه فيعود إلى طبيعته ويجيب عن الأسئلة معلناً أن الوحي ينزل عليه بعدة كيفيات منها شدة الجهد ومنها كصلصلة الجرس.
أمر النبي ﷺ من وجد طيبًا في ثياب إحرامه بغسله ثلاث مرات ونزع الجبة، مبينًا أن الطيب محرم على المحرم في بدنه وثيابه، كما نهى عن لبس المخيط كقمصان وعمائم وسراويلات وبرانس. وحدد لباس الإحرام في إزار ورداء ونعلين، ثم يؤدي عمرته كحجه من طواف وسعي وحلق أو تقصير.
يؤكد النص أن كل ما يحرم على الحاج يحرم أيضاً على المعتمر، فالمحرم سواء كان حاجاً أو معتمراً يُمنع من جميع المحظورات التي تُفرض على الحاج. وهذا ما ورد في الحديث النبوي موحداً الأحكام بين النسكين في جانب المحظورات.
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا ابن دكين، وهو الفضل بن دكين الكوفي، رحمه الله. قال: حدثنا همام، وهو ابن يحيى العوذي البصري. قال: حدثنا عطاء، وهو عطاء بن رباح، وهو مكي. هذا كوفي وبصري ومكي. قال: ح، أي إسناد آخر، وهو اختصار «حدثنا». قال: وقال مسدد، وهو مسدد بن مسرهد، أبو الحسن البصري: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، أبو سعيد البصري. قال: عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، كان حافظًا من حفاظ الحديث، لكن كان يدلس تدليسًا شديدًا. قال: أخبرني عطاء، وهو ابن أبي رباح المكي، وكان فقيه أهل مكة، وكان يفتي في مناسك الحج. قال ابن عباس: «تسألوني وعندكم عطاء؟» فكان عطاء مجتهدًا في العلم، ولهذا أكثر مصنف عبد الرزاق هي فتاوى عطاء، مصنف عبد الرزاق الذي ألفه، وكذلك التفسير أكثره عن عطاء، أنا من طريق معمر عن ابن جريج، أو عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء. قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، ويعلى بن أمية من مسلمة الفتح. قال: أي، صفوان أن يعلى كان يقول، وكلاهما صحابي: صفوان صحابي، ويعلى صحابي. قال: أن يعلى كان يقول: «ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين ينزل عليه الوحي». فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل عليه، ومعه ناس من أصحابه، وهذا بعد أن جاء من حنين، فمر بالجعرانة وأحرم من الجعرانة بعمرة. قال: إذ جاءه رجل، أنا لما كان قد أحرم بالجعرانة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا ومعه ناس من أصحابه. قال: إذ جاءه رجل متضمخ بطيب، متضمخ: معناه أنه فيه ألوان الطيب، كما جاء في بعض الروايات أن فيه خلوق، والخلوق: هو الألوان من الطيب يسمى خلوقًا. فقال: «يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟» فنظر النبي عليه الصلاة والسلام ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى، أي: تعال. أنا عمر سمع يعلى لما قال: «ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين ينزل عليه الوحي»، فلما نزل عليه الوحي قال عمر: أشار إلى يعلى أن اقترب وتعال. فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر، أي: أدخل رأسه في الثوب الذي قد أظله، كان النبي صلى الله عليه وسلم معه ثوب يظله، فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه، يغطو كذلك ساعة، يعني يغطو: أي يخرج صوتًا من أنفه مثل غطيط النائم. وهذا عندما يأتيه الوحي، صلوات الله وسلام عليه، لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يجد شدة في إتيان الوحي، وهذا لخوفه صلوات الله وسلام عليه أن يفلت عليه شيء من الوحي أو ينساه، فكان من شدة خوفه حتى يحمر وجهه، ويتصبب عرقًا في اليوم الشاتي، يتصبب عليه الصلاة والسلام عرقًا في اليوم الشاتي، معناه: في اليوم الذي يكون فيه البرد. فإذا جاءه الوحي، أي: جاءه جبريل، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يتعرق، يخرج منه العرق في ذلك اليوم الذي غالبًا لا يخرج العرق بسبب شدة البرودة. ومعلوم أن المدينة في الشتاء يشتد فيها البرد، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتعرق في اليوم الشاتي، يخرج منه العرق عندما يأتيه الوحي، وهذا من شدته، وكذلك أيضًا من شدة خوف النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الأمر. قال: وهو محمر الوجه يغطو كذلك ساعة، ثم سرّي عنه. فقال: «أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا؟» معناه: بعدما سرّي عنه عليه الصلاة والسلام، أي: ذهب جبريل وقد أعطاه الوحي، فهذا معنى يريد أن يبين كيف ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحيانًا كما جاء في حديث عائشة يخرج كصلصلة الجرس، فيأتي النبي عليه الصلاة والسلام على عدة كيفيات، يعني: ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام على عدة كيفيات، ومنها هذا: أنه يحمر وجهه عليه الصلاة والسلام، ومنها أنه يتصبب بالعرق في اليوم الشاتي، وهذا كما قلنا من شدة لأنه قولًا ثقيلًا كما قال الله عز وجل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا؟» قال: فَالْتَمَسَ الرجل، فجيء به. الْتَمَسَ الرجل: معناه: بحث عنه، فجيء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك». وهذا فيه أن من كان في ثيابه ثياب الإحرام طيب، يجب عليه أن يغسل هذا الطيب. بعضهم مثلًا تجد المرأة قبل أن تذهب إلى الحج أو إلى العمرة فتطيب وتبخر لباس الإحرام، فيصل هناك والبخور ينفح منه، فهذا لا يجوز. ومن حصل له مثل ذلك فيغسله، يغسله ثلاث مرات كما في هذا الحديث، أو يغسله حتى تذهب هذه الرائحة، رائحة البخور، فيغسله، ولو مثلًا عدة مرات حتى تذهب هذه الرائحة. لأن المحرم يحرم عليه التطيب، سواء كان في بدنه أو في ثيابه. معناه: إذا كان محرما، أما قبل الإحرام فيجوز، قبل الإحرام فيجوز، لكن إذا كانت الثياب فيها طيب فلا يجوز أن يحرم فيها، لا يجوز أن يحرم فيها. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل: «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها». الجبة: القميص، الجبة قميص يكون ضيقًا من الأسفل، على مثل القميص لكن يكون ضيقًا من الأسفل يسمى جبة. وأيضًا المحرم منهي عن لباس مثل هذه الألبسة التي تصنع بقدر شيء من الجسم، تصنع بقدر الجسم أو بعض من أعضائه، فإنها منهي عنها. النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل أيضًا في حديث عبد الله بن عمر: «ما يلبس المحرم؟» قال: «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا السراويلات، ولا البرانس». فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الألبسة التي لا يلبسها المحرم. فالمحرم يحرم في إزار ورداء ونعلين، فهذا الذي يحرم فيه المحرم. فإذا لبس قميصًا فهو قد لبس شيئًا محرمًا، وهكذا كل ما لبس بقدر العبد. قالوا: «أما الجبة فانزعها». والجبة: فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك، أي: المراد مثل ما تصنع في حجك من الطواف والسعي والحل، تصنعه في عمرته. وأيضًا ما يحرم على الحاج يحرم على المعتمر، فالمحرم، سواء كان حاجًا أو معتمرًا، يحرم عليه كل ما حرم على الحاج، يحرم أيضًا على المعتمر. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.