الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بعد معركة اليمامة واستشهاد حفاظ القرآن، أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن مخافة ضياعه، فتردد أبو بكر ثم وافق وأمر زيد بن ثابت بجمعه من الصحف والصدور. يُعد هذا الإجراء من المصالح المرسلة التي أقرها الصحابة لحفظ كتاب الله.
يُفرق المقطع بين المصلحة المرسلة والبدعة بأن المصلحة تحدث عند عدم وجود المقتضى في عهد النبي ثم حدوث أمر لمصلحة، بينما البدعة تكون عند وجود المقتضى وعدم فعله تقصيراً. الظروف الخارجة عن الإرادة كجمع القرآن تُعتبر مصلحة مرسلة.
يختتم المتحدث سرد قصة جمع القرآن مشيراً إلى أن التفاصيل ستكتمل في درس قادم. بذلك تُغلق الحلقة الحالية حول جمع المصحف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب جمع القرآن. قال: على أن باب مضاف، أو يقال: باب جمع القرآن على أنه مبتدأ، فأجاز الأمرين. باب جمع القرآن. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وأبو سلمة أبو ذكي المنقري، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، يعني: أرسل إلى زيد بن ثابت، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عنده. قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن. قال: قال: وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير. فأنا عرف أنه خير؛ لأن العلة التي وجدت في عهد عمر لم تكن موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ذهاب القراء. قال: فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري. يقول أبو بكر: حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيته في الذي رأى عمر أن أبا بكر يكون خليفة. وأيضا قال: أعني أقصد أن أبا بكر يقول: إن عمر جاءني وقال: قد استحر القتل بأصحاب اليمامة. اليمامة: هذه المعركة التي حصلت بين المسلمين وبين مسيلمة الكذاب وأصحابهم بني حنيفة في اليمامة، وكان القتال شديدا جدا؛ لأن أهل اليمامة وأهل نجد أهل قتال، فلذلك صار القتل شديدا من الجانبين حتى استسلم أهل اليمامة. فقال عمر لأبي بكر: إنه قد استحر القتل في القراء. القراء: بمعنى حفاظ القرآن والعلماء. فقال: وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قبل أن يتفرق ويروح علينا، ولا نجد مثلا إذا أردنا أن نجمع القرآن من يحفظ آية كذا وكذا. فأمر زيد بن ثابت أن يجمع هذا القرآن من الصحف ومن ما كتبه الصحابة. طيب. قال: قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. تأمر بجمع القرآن وهذا لحصول التقصير في الوقت. وليس من الناس هناك قاعدة ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يبين كيف يعرف الإنسان المصالح المرسلة ويفرق بينها وبين البدع. كيف تعرف أن هذه مصلحة مرسلة أو أنها بدعة؟ فقال رحمه الله: إذا كان المقتضى موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعله، أو أولا يقال: إنه إن لم يكن المقتضى موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ففعل، فهذا إن كان في خير فهو من المصالح المرسلة. إذا كان المقتضى لم يكن موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم فعل هذا لأجل مصلحة مرجوة من خير وغيره، فهنا هذه لا تكون بدعة. وأما إن كان المقتضى موجود، فينظر: فلماذا أحدثت هذه البدعة؟ أو لماذا أحدث هذا الشيء؟ فإن كان تقصيرا من المسلمين فهذا يعتبر بدعة. إن كان تقصيرا من المسلمين حصل هذا الشيء بالتقصير من المسلمين فهذا بدعة. وأما إن كان ليس بتقصير من المسلمين، وإنما لأجل أمور خارجة عنهم، مثلا: أمور خارجة عن الناس، فحصل ما حصل في هذا العصر، فهنا يجوز لهم أن يحدثوا شيئا يكون من مصلحة الدين، فهذا يعتبر من باب المصالح المرسلة. وأما إن كان ليس كذلك، معنا: المقتضى موجود، أو أن التقصير من المسلمين، فإنها إن أحدثت شيئا تكون بدعة. إن أحدثت شيئا تكون بدعة. مثلا: هذا الأذان بالمكبرات، الأذان بالمكبرات لم يكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يؤذنون بالمكبرات، وإنما كان بلال يصعد في المسجد أو في بيت عال ويؤذن، ولم يكن هناك مكبرات للصوت. فالآن انتشرت هذه المكبرات، هل نقول أنها بدعة؟ لا، ليست بدعة. لماذا؟ لأن أولا: الوقت اختلف، يعني الآن أصبح الجو كله مثلا إزعاج، وأصبحت البيوت كبيرة، وهكذا. غير من هذا معنى: الآن لو أذن الإنسان بالصوت العادي، يعني بدون مكبر، مثلا حتى لو صعد في مكان وارتفع وأذن، ما سيسمعه إلا من كان قريبا منه. بخلاف القرى كانت، والبيوت كانت صغيرة، وغالبا البيوت متقاربة ومتزاحمة، وليس هناك بيوت كبيرة حتى تمنع الأذان أو تحجب صوت الأذان وغيرها. فلذا ممكن أن أهل القرى يكتفون بأذان واحد، يكتفون بأذان واحد يسمعه الكل. فلذا قلنا: إن التقصير هنا ليس من المسلمين. فإن كان التقصير من المسلمين فهو يعتبر بدعة. وهكذا إذا كان كما قلنا: التقصير من غير المسلمين، أو أن الواقع هو الذي فرض هذا. مثل هذا الآن: الآن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر: قد استحر القتل في أصحاء القراء. القراء: حفاظ القرآن. معنا: لو ذهب حفاظ القرآن أو أكثرهم، سيكون هناك أزمة شديدة، الناس لا يستطيعون يتعلمون القرآن. فأشار أبو بكر إلى عمر أنه يجمع القرآن. فأرسل إلى زيد بن ثابت، فقال زيد: أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، وأنا بعدما انتصروا في اليمامة. قال أبو بكر: إن عمر آتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن. فأعطاه هذا الرأي فوافق عليه، فوافق عليه عمر رضي الله تعالى عنه. فهذا الآن: أولا أنه من عمل الخلفاء، وعمل الخلفاء سنة. والأمر الثاني: أن المقتضى غير موجود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن القراء كانوا متوافرين وليس هناك من يقتلهم. لكن هنا حس الصحابة بالقتل، أنهم يقتلون القراء. فإذا قتل القراء وحفظوا القرآن، من يستطيع أن يتعلم؟ لابد أنهم سينسون آية كذا. فلذلك جمع القرآن أبو بكر رضي الله عنه. ولهذا قال عمر: هذا والله خير. قال: فقال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتتبع القرآن فاجمعه. تتبعه معنا: جمعه واكتب هذا الذي تجمعه. قال: فتتبع القرآن فاجمعه. قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. يقول: لو قال لي: انقل جبلا من مكان إلى آخر، كان أهون علي مما فعل. قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تعملون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ زيد يقول لأبي بكر وعمر. قال: فلم يزل... قال: هو الله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. قال: فتنبعث القرآن أجمعه من العسب. تتبع القرآن، وهنا قال: تثبت، تثبت معنا: تتبع. قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. معنا: أشياء تكتبون فيها. طيب. قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجد مع أحد غيره. ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِيتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. قال: حتى ختمت براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر رضي الله عنه حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، معنا: مدة حياته. قال: ثم حياته، ثم عد، أو قال: ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها. عن هذه الأوراق أو هذه الصحف كانت عند أبي بكر، ثم لما مات أبو بكر وأقبض عمر، ثم وضع عند ابنته حفصة. طيب، هذه قصة جمع القرآن، وإن شاء الله نكمل في درس لاحق.