الدرس في حلية طالب العلم 77، ألقاها
ينبه الشيخ على خطر حلم اليقظة في طلب العلم، ويحث على التواضع والاستماع لما يفيد في العلم. كما يحذر من التكبر عند بداية طلب العلم.
يُنبه الشيخ على خطورة التصدر في أمور العلم والعمل قبل التأهل، ويستشهد بأقوال السلف في التحذير من الشهرة والتصدر قبل الأوان. يُشير إلى أن ذلك قد يكون ابتلاءً ويحث على التواضع.
ينبغي للطالب أن يحرص على التأهل قبل التصدر للتدريس أو الإفتاء، ويدل على ضرورة الإعداد الجيد قبل تحمل المسؤولية. الله تعالى أعلى وأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الفصل السابع: المحاذير، أي المحاذير التي ينبغي أن يحذرها طالب العلم. قال: حلم اليقظة. قال رحمه الله: «إياك وحلم اليقظة، ومنه بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت فهو حجاب كثيف عن العلم». الشيخ رحمه الله تعالى ينبه على هذا المحذور الذي قد يقع فيه من يقع من طلبة العلم، وهو حلم اليقظة، أي يكون يقظاناً يكون في حال اليقظة، ولكنه في حلم، ولكنه في حلم موجود وليس بموجود، وفي يقظة ولكنها ليست باليقظة. قال: بأن تدعي العلم لما لم تعلم، يأتيك من يعلمك العلم فتتظاهر بالعلم، يفيدك المفيد بمسألة فتتظاهر كذلك بأنك قد وقفت عليها. بل قال: «أو إتقان ما لم تتقن، وتظهر أنك قد أتقنتها وأحطت بها علماً». وهذا كما ذكر، فإن فعلت فهو حجاب كثيف عن العلم، حجاب أي يكون سبباً لبعدك عن العلم وعدم تحصيله وعدم تحقيقه وعدم الاستفادة ممن يفيدك في العلم. وهو كما ذكر رحمه الله تعالى، فحاصل هذا أنه ينبغي أن يتواضع الطالب، وإن كانت عنده المسألة ولو كان قد أتقنها، فإنه كما يقول من يقول من العلماء: من باب الأدب أن يسمع لتلك المسألة إن طرقت أو ذكرت له، كأنه لم يسمعها، كأنه لم يسمعها. وهذا فيه أدب، وفيه كذلك أنه ربما وقف على ما لم يقف عليه، بمعنى أنه قد يكون قد نظر في المسألة وحققها، ولكن قد يذكر ذلك الغير تلك المسألة فينبه على بعض الأمور التي قد خفيت عليه، أو بعض الأدلة التي لم يقف عليها، أو بعض اللوازم التي يلزم أو التي تلزمه لذلك القول، أو ما شابه ذلك، فيستفيد. وكما كذلك ذكر من ذكر من السلف أنه قال كلاماً معناه: بأنه إذا جلس مجلس علم أحب أن يكون مستمعاً لا أن يكون متكلماً، وذلك لأن المستمع يستفيد من العلم ما لا يستفيده المتكلم، بمعنى أن المتكلم يذكر ما عنده من العلم فوائد مسائل، والسامع -ما شاء الله- عنده ما عنده من العلم، ويستفيد مسائل وفوائد وأمور قد يكون ما وقف عليها، أو قد يكون وقف عليها ولكن نسيها، أو يكون مستحضراً لها فيزداد إتقاناً لها، أو إلى غير ذلك من المنافع التي تحصل بالاستماع. فالحاصل أنه ينبغي للطالب أن يحذر من هذه البلية ومن هذه العاهة. قال رحمه الله تعالى: الخامس والخمسون: احذر أن تكون أبا شبر. احذر أن تكون أبا شبر، ما معنى أبا شبر؟ قال: فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، إنسان أول ما يبدأ في طلب العلم يحفظ بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو بعض المسائل، كما يقال: يرى نفسه أنه شيخ الإسلام. هذا كما يقال، كما ذكر الشيخ: من دخل في الشبر الأول تكبر، يلتفت للناس، ربما ينظر إليه من نظرة الازدراء وتنقص وما شابه ذلك، إلا من عصمه الله ووفقه الله، فرزقه الإخلاص والتواضع. قال: ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، من دخل في الشبر الثاني، أي استمر في طلب العلم ونفعه الله بالعلم تواضع، تواضع لأن العلم يحثك على التواضع وعلى خفض الجناح وعلى لزوم السكينة وما شابه ذلك. قال: ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه ما يعلم، علم أنه ما يعلم، أي علم أنه لم يعلم من العلم إلا القليل، لم يعلم من العلم إلا القليل، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فيعلم أنه قد فاته من العلم الشيء الكثير، الشيء الكثير، لو نظر مثلاً في تراجم الأئمة والعلماء يرى العجب العجاب، فيعرف قدر نفسه وأنه قد فاته من العلم الشيء الكثير. فالحاصل أن الشيخ رحمه الله تعالى ينبه الطالب أن يكون أبا شبر في العلم، بمعنى يطلب العلم فينظر إلى الناس نظرة ازدراء ونظرة احتقار، وأنه هو الذي عنده العلم، وأنه قد أحاط بما لم يحط به غيره من العلم، وما شابه ذلك. هذا كما قال الشيخ: أبا شبر. طيب، على الاصطلاح هذا أبو شبرين، ها جماعة كيف هذا؟ جيد أو ليس بجيد؟ ما شاء الله، على خير، على خير، نفعه علم فصار ماذا؟ متواضعاً. لكن أشرف من ذلك وأعلى وأجل أن يكون ماذا؟ أن يكون قد وصل إلى المرتبة العليا بأن يعلم من نفسه أنه ما أوتي من العلم إلا قليلاً، وفاته من العلم الشيء الكثير، فيزدل نفسه، يزدل نفسه ويهضم نفسه، ويعلم الفضل لذي الفضل، يؤلي الفضل، يعلم الفضل لأهل الفضل، إذا جلس إلى العلماء عرف لهم قدرهم، وإذا جلس إلى طلاب العلم الذين هم أكبر منهم علماً وقدراً، وكذلك أقدم منهم في طلب العلم، عرفا كذلك لهم القدر، وهكذا كل واحد يعلم لمن فوقه قدره، هذا من هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: السادس والخمسون: التصدر قبل التأهل. التصدر قبل التأهل، قال: احذر التصدر قبل التأهل، فهو آفة في العلم والعمل. ومعنى التصدر أن يكون الإنسان متصدراً مثلاً للتعليم، أو متصدراً للإفتاء، أو متصدراً لأمور من هذه الأمور قبل أن ماذا؟ قبل أن يتأهل، قبل أن يكون أهلاً لهذا التصدر. لماذا؟ قال الشيخ رحمه الله: وقد قيل: «من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه»، من تصدر تصدر في المجالس، مجالس العلم، مجالس الإفتاء، مجالس الذكر، تصدى لها وهو لم يتأهل، لم تكن عنده الأهلية، فكما قيل: فقد تصدى لماذا؟ لهوانه. وقيل: حب الظهور يقسم الظهور، يقسم الظهور. وكلام الأئمة والسلف هذا كثير، يعني في طلب العلم. جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «تعلموا قبل أن تسودوا»، أي قبل أن تصيروا سادة، قبل أن تصيروا كما يقال أصحاب شأن ومكانة. لماذا؟ لأن الإنسان غالباً -إلا من وفقه الله- إن وصل إلى مرحلة من المراحل التصدي للإفتاء، التصدي للتدريس، الخطابة، الوعظ، الإرشاد، التوجيه، إلى غير ذلك، ربما يكون إذا لم يكن متأهلاً، ربما يكون العلم موجوداً كما يقال عنده، فلا يرضى أن يدنو من العلم، يكون العلم قريباً، أي يكون عنده من أهل العلم ممن هو عنده من العلم ما ليس عند هذا الذي قد تصدر، يأبى أن يتواضع وأن ينزل ويتنزل لأجل أخذ ذلك العلم، لأجل أخذ ذلك العلم، السبب أنه قد تسود وصار ماذا؟ وصار له شأن، وصار له مكانة، فيكره أن تنسحب تلك المكانة، تنسحب تلك المكانة عنه بسبب هذا الأمر، أي أنه ساد قبل أن يتأهل. وفي هذا تحريض من الشيخ على أن الطالب لا يستعجل في التصدر، بل بعض أهل العلم يجعل هذا من البلاء، يجعل هذا من البلاء أن يكون مشهوراً متصدراً لهذا الأمر، يجعله من البلاء. ذكر الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى مر على بعض الأئمة ممن آتاه الله علماً ولكنه ليس بمشهور، فقال له: «إن استطعت أن تكون خاملاً فافعل، فإن قد ابتلينا بالشهرة». هذا الإمام أحمد رحمه الله يقول لأحد الأئمة ولكن ليس بالشهرة كالإمام أحمد، يقول له: «إن استطعت أن تكون خاملاً» أي ليس مشهوراً «فافعل، فإن قد ابتلينا بالشهرة». فهؤلاء -إلى إم رحمهم الله تعالى- لصدقهم وإخلاصهم ومعرفتهم لقدرهم وقدر العلم، يرون أن الشهرة ابتلاء، بينما قد يراها غيرهم بأنها نعمة وأنها مكانة وأنها شرف إلى غير ذلك. ولكن هؤلاء ينظرون إلى هذه الشهرة بهذا المنظار. فالحاصل أنه ينبغي للطالب أن يحرص من التصدر قبل التأهل. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.