كتاب النكاح من صحيح البخاري 4

كتاب النكاح من صحيح البخاري 4

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب النكاح والصوم لمن لم يستطع الباءة

يروي عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الشباب القادرين على الباءة بالزواج لغض البصر وإحصان الفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. وفسر الحديث الباءة بأنها تشمل القدرة المالية والبدنية على الزواج.

أهمية الزواج في غض البصر وإحصان الفرج

يوضح المقطع أن الزواج وسيلة لغض البصر وإحصان الفرج، مبيناً العيوب المانعة للنكاح وتلك التي لا تضر. ويؤكد أن الزواج سنة الأنبياء بخلاف الرهبانية، مستشهداً بحديث لمم الزنا الذي يحث الزواج على تجنبه.

إحصان الفرج معيار النجاة والصيام كاسر الشهوة

يبيّن المقطع أن سلامة الجوارح تابعة لإحصان الفرج، فمن حصن فرجه نجاه الله وغفر له لمم الجوارح. ويستدل بحديث الأمر بالصوم لكسر الشهوة، مختتماً بوجوب الاستعفاف وغض البصر عن المحرمات درءاً للزنا.

التعفف والصوم سبب للعفة والاستعفاف

ذكر الحديث النبوي أن من يتعفف يعفه الله، وأن الصوم من أعظم الأسباب المعينة على العفة والبعد عن الحرام. وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الزواج بالصوم ليكون له وجاء وكاسراً للشهوة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من لم يستطع الباءة فليصم. قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني عمارة، قال: عن عبد الرحمن بن يزيد -هو النخعي- قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام شبابًا لا نجد شيئًا، أو قال: لا نجد شيئًا. فقال لنا: معنى لا نجد شيئًا، أي: من المال. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فهذا الحديث فيه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا شبابًا، أكثر الصحابة كانوا من الشباب، فكانوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأكثر من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته هم الشباب، فكانوا أقل من أربعين سنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي كان صغيرًا من عشر سنوات، كذلك سعد بن أبي وقاص، وطلحة، والزبير، وأيضًا عبد الله بن مسعود أسلم وهو صغير، فكانوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الهجرة شبابًا. فقال عبد الله بن مسعود: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام شبابًا لا نجد شيئًا، يعني: ليس عندنا أموال. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج». وذكرنا أن الباءة هي القدرة على الزواج، يدخل في ذلك المال الذي يتزوج به الشخص، ويدخل في ذلك أيضًا القدرة على الجماع. فمن استطاع الباءة فليتزوج، وإذا كان ما عنده قدرة على الجماع لأجل مثلًا ما عنده شهوة، أو لأجل مرض عنده في عضوه أو كذا، فهنا لا يستطيع أن يتزوج. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الأبواب: العيوب التي لا تجوز في النكاح، هناك عيوب تكون في الزوج لا يجوز له أن يقدم على الزواج، وهناك عيوب أيضًا في الزوج لا تضر بزواجه، وكذلك أيضًا في المرأة عيوب لا يجوز أن تتزوج، وخاصة إذا كانت تعرف ذلك أو يعرف أهلها، وهناك أيضًا عيوب لا تضر بالزواج. فلهذا فالباءة لفظ عام يدخل فيه كل ما استطاع به العبد في نكاحه. طالما استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. الزواج من أعظم فوائده أنه يغض البصر، أن لا يجعل العبد ينظر في ما حرم الله من النساء أو من غيره. وإذا لم تحصنه المرأة فيأخذ غيرها حتى تحصنه، فإن هذا التحصين واجب. فإذا لم يجعله هذا الزواج يغض بصره فهو لم يستفد من هذا الزواج. إذا كان قد تزوج امرأة ثم أنه لا زال يطلق بصره، فمعنى ذلك أنه لم يستفد من هذا الزواج، فإما أن يتزوج أخرى، وإما أن يطلق هذه ويتزوج غيرها إذا كان لم يحصنه هذا الزواج. والواجب هو التحصين، الواجب في الزواج هو أن يحصن فرجه وأيضًا يغض بصره. فالزواج نعمة عظيمة على العبد، وأيضًا يبعده عن الحرام ويقربه إلى الله جل وعلا. وكما ذكرنا قبل أن الزواج سنة الأنبياء، سنة الصالحين، لا كما يزعم بعض أهل التصوف أن من سنة العبادة عدم الزواج، أو من سنة العباد عدم الزواج، وهذه إنما هي سنة النصارى، سنة الرهبان، رهبان النصارى هم الذين لا يتزوجون. وإلا فالأنبياء، الله عز وجل ما أرسل نبيًا إلا جعل له أزواجًا وذرية، وكذلك الأنبياء ذكر الله عز وجل بعض الرسل وذكر أزواجهم، وهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أيضًا له زوجات. وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام ابن عباس في مثل هذه أو في مثل هذه المسألة. فقال هنا: «من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة في اللمم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بني آدم مدرك لا محالة أنه يزني، فزنا البصر أو زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع، وزنا اليد البطش، وزنا الرجل المشي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فهذه الأعضاء هي التي يمشي بها إلى الحرام، لكن الفرج يصدق ذلك أو يكذبه. فإن كان محصنًا فإنه يكذب هذا. فإن الإنسان مدرك هذه أو زنا هذه الأعضاء لا محالة، وهذا هو اللمم الذي يجده الإنسان إما في النظر، وإما في السمع، وإما في اللمس، وإما أيضًا في المشي إلى هذا الحرام. لكن الميزان في الاستمرار أو عدمه هو إحصان الفرج، فإن كان محصنًا لفرجه فإنه ما سيقع في هذا الحرام وينجيه الله عز وجل، وأما هذه اللمم فإنها يغفرها الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. فقال ابن عباس: ما رأيت في اللمم مثل حديث أبي هريرة، ثم ذكره: «من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم». والمراد: عليه بالصوم، أي: يكثر من الصوم، فإن الإكثار من الصوم يذهب الشهوة. فقال: «فإنه له وجاء»، والوجاء هو الكاسر، أي: أنه يكسر شهوته. فإن كان عنده شهوة قوية فبالصيام وبكثرة الصيام تذهب هذه الشهوة أو تقل عنده، لأنه يرى أو نفسه تكون أقرب إلى الله جل وعلا، وأيضًا كذلك تكون نفسه للعبادة وللطاعة. وأيضًا كذلك كما قال العلماء: أن الشهوة إنما تزداد أو يزيدها كثرة الطعام والشراب، كلما أكل الشخص أكثر كلما زادت شهوته. وبهذا الصوم تقل الشهوة لأن المجاري أو عروق الشخص تكون مثلًا فيها شيء من عدم جريان الدم كثيرًا حتى يمر الشيطان ويوسوس للإنسان في شهوته وفي غيره فيكبت ذلك، وأيضًا تنكسر شهوته بهذا الصوم. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». والأصل أن الإنسان يستعفف، يستعف عن هذا الحرام بأي طريقة، لكن الأفضل أو من الطرق الصحيحة الصيام. وإلا كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فإذا لم يجد ما يتزوج به الشاب فإنه يصبر ويغض بصره ويحصن فرجه ويستعف بهذه الأسباب، ولا شك أن العفة تأتي بالأسباب. أما إذا أطلق بصره وكذلك في الحرام، سواء كان في الجوالات أو في الواقع أو في غيره، فإن هذا مدعاة للحرام ولجره إلى ما يغضب الله عز وجل من الزنا. وأما إذا اتخذ الأسباب التي تبعده عن ذلك فإن هذا هو المستعف. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ومن يتعفف يعفه الله، ومن يتعفف يعفه الله»، أي: يسلك السبل والطرق والأسباب التي يستعف بها، ومن ذلك الصوم. ومن هذا الصوم فإنه من أعظم الأسباب التي تحمل إلى العفة وعدم الوقوع في الحرام. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.