الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي ابن عباس حضور جنازة ميمونة بسرف وتوجيهاته بآداب حمل النعش برفق وسكينة، مستدلاً ببقاء حرمة المؤمن بعد موته. كما يذكر قسمة النبي صلى الله عليه وسلم لثمان من زوجاته دون واحدة في سياق الحديث عن ميمونة.
يسرد المقطع أسماء زوجات النبي التسع اللاتي مات عنهن وينسبهن إلى قبائلهم العربية والقريشية واليهودية. ويوضح قصة تنازل سودة بنت زمعة عن ليلتها لعائشة رضي الله عنهما ومشروعية ذلك.
يؤكد المقطع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وعنده تسع زوجات، مبيناً أن ميمونة بنت الحارث كانت من آخر من مات من أمهات المؤمنين. ويشدّد على وجوب مراعاة المسلمين لأزواج النبي وتوقيرهن بوصفهن أمهات للمؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب كثرة النساء». كثرة النساء: بمعنى تعدد النساء، وأيضًا الزوجات لمن قدر على العدل بينهن. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، وهو الفراء الملقب بالقصير، قال: أخبرنا هشام بن يوسف، وهو قاضي صنعاء، هشام بن يوسف الصنعاني، أن ابن جريج أخبرهم، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: «هذه زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها، وأرفقوا؛ فإنه كان عند النبي عليه الصلاة والسلام تسع، كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة». فهذا الحديث يخبر عطاء أنهم صلوا على جنازة ميمونة بسرف، وسرف هذه مقطعة قريبة من مكة، وميمونة هي بنت الحارث، عمة أو خالة ابن عباس، وهي قرشية، وأخت لبابة بنت الحارث أم الفضل أم ابن عباس، وهي من أواخر من تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: إنها آخر من مات من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: إن آخرهن أم سلمة، فأم سلمة توفيت بعد الحرة، والحرة وقعت في أربع وستين، فالظاهر أنها ماتت آخر من مات من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وميمونة ماتت قبلها، بمعنى بعد الستين، في واحد وستين، وقيل: اثنين وستين. وإنما قبرت بسرف مع أنها توفيت بمكة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بنى عليها، أي تزوج ودخل بها في هذه المنطقة بسرف، فلذلك حبت أن تدفن فيها، فلما ماتت أخرجها ابن عباس وهو ابن أختها إلى سرف، فصلى بها. فقال ابن عباس: «هذه زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها». وأيضًا فيه أنها جعلت في نعش، وهذا النعش جاء بعد النبي عليه الصلاة والسلام، أن توضع فيه المرأة لأنه أستر لها، وأول من فعلت أو من حملت بالنعش هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا قد يسمى السرير الذي يحمل فيه الميت نعشًا، لكن غالبًا النعش الذي يستر. فقال: «فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها»، أي: لا تحركوها كثيرًا، أي: أرفقوا بها. وجاء: «فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها»، أي: الزلزلة هي الاضطراب، لا تتحركوا بها كثيرًا، ولا أيضًا تجعلونها تضطرب؛ لأن أحيانًا حمل الجنازة تجد هذا يذهب إلى هذه الجهة وهذا يذهب إلى هذه الجهة فتضطرب الجنازة. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «ولا تزلزلوها، لا تزعزعوها ولا تزلزلوها، وأرفقوا». أي: أراد أيش؟ أن يسيروا وسطًا، لا معنى تلعب بالجنازة من هنا وهنا، وإنما سيروا في الوسط. ويستفاد من هذا كما قال الحافظ: أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، ومن ذلك ما جاء في السنن من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كسر عظم الميت ككسره حيًا». كسر عظم الميت حيا أو ميتا ككسره حيا، أقصد: ككسره حيًا. قال رحمه الله: قال ابن عباس رضي الله عنه: «ولا تزلزلوها وأرفقوا بها؛ فإنه كان عند النبي عليه الصلاة والسلام تسع، كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة». واختلف العلماء: ما المناسبة من قول ابن عباس هذا الأمر؟ فمعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام مات ومعه تسع نساء، ويقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج إحدى عشرة امرأة، منهن خديجة، وأيضًا بنت الجون، لكنه عقد عليها، فلما أراد أن تدخل قالت: أعوذ بالله منك، فاستعاذت، فقال: «لقد عذت بعظيم، اذهبي إلى أهلك». وتزوج النبي عليه الصلاة والسلام بعد خديجة سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها، وتزوجها وهي كبيرة، ثم تزوج بعدها عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش، وأيضًا تزوج زينب بنت خزيمة التي سُميت أم المساكين، لكن ماتت قبل النبي عليه الصلاة والسلام، ماتت قبل النبي عليه الصلاة والسلام، ومات النبي عليه الصلاة والسلام ومعه تسع نساء، وهن: سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وميمونة، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي. فهؤلاء تسع. وكلهن من قريش: عائشة، وسودة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وميمونة، وزينب بنت خزيمة، وخديجة، تسع كلهن من قريش. وبقية الزوجات: جويرية بنت الحارث مصطلقية من بني المصطلق، وصفية بنت حيي بن أخطب، كان أبوها يهوديًا، ولما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر كانت صفية في السبي، فاعتقها وتزوجها وبنى بها في الطريق. قال ابن عباس: «كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة». وذكر عطاء: أن التي لا يقسم لها هي صفية بنت حيي، لكن وهمه العلماء، وإنما التي لا يقسم لها هي سودة بنت زمعة؛ فإنها تنازلت عن يومها لعائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم. وفيه جواز أن المرأة تتنازل عن ليلتها لغيرها. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام توفي ومعه هذه النساء التسع كما ذكر ابن عباس، وظهر أن ابن عباس أراد أن يعرف الناس أن النبي عليه الصلاة والسلام توفي ومعه هذه النساء، ومنهن ميمونة بنت الحارث، ومنهن ميمونة بنت الحارث، فلذلك ينبغي على المسلمين أن يراعوا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. ولا شك كما قلنا: أن ميمونة من آخر من مات من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، فهذا ما ذكره هنا في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.